بل "السلطنة والشيطنة" معا

الأربعاء 2014/05/28

«أردوغان.. بين السلطنة والشيطنة» هو عنوان مقال للزميل عبدالعزيز قاسم نشره في صحيفة الوطن السعودية الاثنين الماضي. ورغم أن الزميل العزيز حاول، أو على الأقل هذا ما بدا لي، أن يكون وسطياً منصفاً في نظرته ورؤيته لهذا «الأردوغان»، الذي لا أخفي عدم حياديتي وأنا أتعامل مع أي شأن يكون هو ووطني طرفان فيه.

الحقيقة أنني تجنبت طرح وجهة نظري في «استراحة الأحباب» التي تجمعنا سوياً والتي شهدت الكثير من السجال التي تكون نتيجتها عادة كشف الجانب الجميل من شخصية الزميل عبدالعزيز الذي كثيراً ما يتعرض للظلم نتيجة صيغته التوفيقية التوافقية، ويبدو أن هذه ستكون إحداها لأن الصيغة التوفيقية التوافقية هنا ستجعله عرضة للظلم مرة أخرى ممن لا يعرف قاسم جيداً، خاصة وأن مقاله المذكور يأتي في خضم موجة تلميع بلغت ذروتها بعقد الندوات والدورات في اسطنبول وقبرص التركية، على اعتبار أن الطائف والباحة وأبها غير صالحة للسياحة كما لم تعد صالحة لأخونة أسر وعوائل بكاملها.

ارتكز مقال الدكتور في الإشادة بأردوغان على منقولات من المقربين منه من ناحية، وعلى منجزاته من ناحية أخرى، كما ارتكز فيما يعتقده البعض الصورة السلبية له في دعوته لعلمنة الحكم. للأسف، كلا الصورتين في غير مكانهما بصفتهما الانفرادية. بل هي في واقعهما، ومن خلال معرفتي بالزميل عبدالعزيز، ناتجة عن حسن نية ورغبة صادقة في الوصول إلى نقاط مشتركة مع الآخر المختلف. أخشى عليه كثيراً أن يخسر الجميع نتيجة لذلك، مع أنه يعتقد أنها وسطية تجعله في مسافة واحدة مع الجميع. أحدنا هنا على حق وأتمنى أن يكون هو.

الحقيقة أن الغالبية العظمى في عالمنا العربي عموماً والخليجي خصوصاً، بصفته المستهدف بالعمل الدعائي الأردوغاني السلطوي، هم ضحايا لعاطفة عروبية وحماسة دينية وحنين تاريخي استطاع فريق عمل السلطان أن ينجح في تحقيقه.

المشروع التركي لتحقيق الحلم العثماني على أرض الواقع ليس نتيجة لوجود أردوغان في السلطة، بل هو برنامج تقوم عليه الدولة التركية في ثوبها الجديد الذي تعكسه هوية الحكومة والتي هي عبارة عن خلطة إسلامية علمانية يقودها عبدالله غول ورجب أردوغان ويصفونها بالإسلام بالمعتدل، في مقابل التطرف الطالباني، وتشكل في صورتها النهائية العثمانية الجديدة التي كانت صفة أطلقها مؤلف كتاب «إسلاميو تركيا» كما رددها أحمد داود أوغلو في أكثر من مناسبة حزبية. إضافة إلى إشارته إلى ذلك بشكل غير مباشر في كتابه «العمق الاستراتيجي» من أنه ومنذ نشأة حزب العدالة والتنمية من رحم حزب الرفاه التركي وهناك توجه نحو العثمانية الجديدة.

إضافة إلى ذلك فأردوغان دائم الحديث عن مجد الأجداد ويرى في أي نصر انتخابي تصويت شعبي على الهوية العثمانية. والمراقب للشأن التركي يلاحظ أن تركيا الأردوغانية تعمل على ثلاث مرتكزات تتمثل في: التاريخ واللعب الدائم على المجد العثماني وتقديم نفسها على أنها الحامي للدول التي كانت تضمها الامبراطورية العثمانية، وثاني المرتكزات يتمثل في البعد الجيوستراتيجي للدول التي تتدخل في شؤونها فلا تهتم إلا بدول الامبراطورية ذات الموقع الحيوي كمصر أو منطقة الحجاز، والمرتكز الثالث يتمثل في القوة الناعمة وليست مقالات ممثلي أردوغان وعمليات التلميع المستمرة له من قبل التنظيم الدولي والمغرر بهم من الوعاظ والدعاة والمتعاطفين مع التنظيم الدولي من الإعلاميين، إلا جزءا من حراك القوة الناعمة.

هذه المرتكزات تدعم ثلاث سياسات تتبعها الحكومة التركية وصفها أحمد أوغلو في كتابه المشار إليه بسياسة «القوس المشدود» و«السهم المندفع»، وأخيراً بما وصفه في مقاله المنشور قبل خمس سنوات بعنوان «صفر مشاكل». إذن فهذا «الأردوغان» ليس أكثر من بيدق في رقعة شطرنج العثمانيين الجدد، لكنه الأكثر حماساً واندفاعاً نحو تحقيق هذا الحلم العثماني خاصة بعد أن وجد إعجاباً من عامة العرب، ودعماً من دهماء العلماء من دعاة ووعاظ (ولكل طبقة دهماؤها).

لا أشك للحظة أن الزميل قاسم يتذكر مقولة هانوي العرب وشعار كلنا فدائيون الذي رفعه ملك الأردن الراحل ومهد به الطريق لأيلول الأسود. ولا أشك للحظة بأنه يتذكر العرض الصدامي للمتاجرة بعواطفنا الدينية وكتابة (الله أكبر) على علم العراق لتحويل الصراع العراقي الإيراني إلى صراع عرقي إثني تخلى عن مكاسبه لاحقاً. ولا أشك كذلك بأنه يتذكر دموع السنيورة عام 2006 التي جعلت الكثير من العرب ينساقون خلف دعاية حزب الله ووهم المقاومة ثم النصر المزعوم.

لذلك يحق لي أن أستغرب أن يتأثر بالمهزلة الأردوغانية في دافوس ودموع حرمه على أطفال غزة والمتاجرة بدمائهم، والتي كانت المدخل الذي استغله هذا «الأردوغان» لتحقيق حضور في الساحة العربية ستتكفل قوته الناعمة فيما بعد بتضخيمها. ثم خدعة أسطول الحرية والسفينة مرمرة، وفي مرحلة لاحقة الإشارة لخيرت الشاطر لاغتنام فرصة الثورة وركوب موجتها، ثم المتاجرة بدموع فراق والدته لتظهر على أنها دموع على ضحايا رابعة وغير ذلك من مسرحياته ومزايداته التي نجح من خلالها أن يمحو جرائم أجداده في حق العرب والمسلمين، ويمهد من خلالها لقبول العثمانيين الجدد.

المؤكد أن هناك بعضا من العرب لا زالوا لا يقبلون بأقل من الاعتذار التركي لأسوأ فترة حكم مرت في تاريخهم، فلا زال سكان الجزيرة العربية يتذكرون ما حل بهم على أيدي أجداده، كما لا زالت مناحة جبران حية، ولا زال العرب يتذكرون جرائم جمال باشا وتحلل الجثث في شوارع بيروت وبيوتها، فيما يرتكز اهتمام الباشا التركي عما إذا أكلت الأم جثة ابنها الميت أو ليس بعد، ليتمكن من يصدر قراراً بأن حدثاً ما يجري في بيروت. المطلوب من أردوغان وتركيا الاعتذار للأرمن والأكراد والعرب وأن يعيدهم إلى مواطنهم الأصلية، وأن يعيد الاسكندرونة إلى سوريا، وأن يعترف بحق الأكراد السنة في الحياة والعيش الكريم بوصفهم مسلمين سنة قبل أن يكونوا أي شيء آخر.

المنجزات الأردوغانية هي منجزات تركية لا تعود بالفائدة على العرب ولا للمسلمين، والأهم أنها لا تحتاج إلى معجزة في ظل توفر الثروة الزراعية والحيوانية والمائية والنفطية والتعداد البشري الكبير. كل ما تحتاجه نزاهة مسؤول وهذا ليس صعبا في أي مكان. خاصة إذا كانت الحاجة لنزاهة ما لا تزيد عن عقد من الزمن يحقق فيها برنامج الحزب أو الجزء الأهم منه، بينما يترك لمن حوله أن يُفسد في الأرض، ولا بأس حين يتم كشفه أن يُقال أن ذلك “مؤامرة”.

الحق أنني لا أستطيع أن أصف العثمانية الجديدة وما تمثله إلا أنها الشيطنة والسلطنة في آن معاً، فقد أنتجت سياسات أردوغان تركيا انشقاقات كبيرة في المجتمعات العربية، وتسببت في إشكالات مجتمعية ليس من السهولة التخلص منها ما لم يتم كشف أستار الحلم العثماني وتوضيح التاريخ الحقيقي والجانب المظلم في تاريخنا الإسلامي منذ سقط العرب تحت الحكم الأعجمي، والأهم كشف أهداف هذا «الأردوغان» الذي تخصص في المزايدة على كل ما هو عروبي. ىأما عن إشارة الزميل في مقاله لإيران فيكفي الإشارة إلى أن هناك فرقاً بين التقارب والتفاوض، وعلينا ألا نخلط بينهما، ولعل لي وقفة أخرى في مقال آخر.


كاتب سعودي

8