بناء الوعي النقدي

الجمعة 2015/05/08

من الموضوعات المحورية التي طرحتها ولا تزال تطرحها للنقاش مجلة “الجديد”، التي أسسها ويرعاها الدكتور هيثم الزبيدي ببريطانيا، ويرأس تحريرها نوري الجراح، موضوع الوعي النقدي في الفكر والثقافة والسياسة والممارسات الاجتماعية في العالم العربي. ومما لاشك فيه هو أن قضية الوعي النقدي تتميز بأنها إشكالية، وهي من أخطر وأعقد القضايا، ولذلك فإنها تستحق أن يفعل ويطوّر النقاش الواسع والمستمر حولها من أجل بناء نظرية علمية متكاملة تساعدنا على تكوين هذا الوعي في مجتمعاتنا مع مراعاة خصوصياتها.

في هذا السياق بالذات أرى أن مجرد الاكتفاء بإبراز نقاط الضعف أو بؤر الفشل في بناء الوعي الفكري والثقافي والسياسي النقدي في مجتمعاتنا، أو الركون إلى الكشف المتقطع، على نحو فردي محدود التأثير والفاعلية، عن بعض ما تحقق في هذا المجال، الذي يتعرض بدوره للطمس والتجميد، لا يكفيان، رغم أهمية ذلك.

إن الأمر الأكثر إلحاحا واستعجالا لمجتمعاتنا التي يشل “طاقتها الحضارية” طغيان الأنظمة الاستبدادية، والأصوليات الدينية المتطرفة، فكرا وسلوكا، يتمثل في فتح الحوار العميق قصد تفكيك ونقد الأبنية الظاهرة والمضمرة داخل الفكر والثقافة اللذين ولدت وترعرعت في كنفيهما ظواهر الحكم الدكتاتوري، والعنف الديني الدموي، ومن أجل تقديم مشاريع نقدية تساهم في الإجابة على هذا السؤال: “كيف” يصنع هذا الوعي النقدي على أنقاض الوعي الزائف، أو الوعي الساذج كما اصطلح عليه المفكر البرازيلي المعاصر باولو فريري؟

لا بد من التوضيح هنا أنه لا توجد وصفة معيارية كلية ومطلقة للوعي النقدي الذي يطمح إلى نشر الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لأن المجتمعات مختلفة في تجاربها التاريخية، وفي مضامين ثقافاتها وعناصر هوياتها. إن أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار لا يتناقض مع ضرورة دراسة التجارب التي تمكنت من قطع أشواط معتبرة في بناء الوعي النقدي ومع أهمية الاستفادة من الآليات والأفكار التي تمثل أول خطوة باتجاه بناء أسس الوعي النقدي، وفقا لهذا المفكر البرازيلي، هو فك الارتباط مع نمط الوعي الساذج الذي يكتفي “بتبسيط شديد للمشكلات”، و”بشوق عميق غير سويَ إلى الماضي، وباتجاه قوي نحو التجمهر، وبالأسلوب المفعم بالانفعال إلى درجة كبيرة، وبممارسة الجدل العقيم في النقاش، ويظل فيه قدر من نمط الحياة في الأسلوب المغلق”.

تأسيسا على هذا فإن الوعي النقدي يفترض ويشترط مسبقا “تجاوز موقف التكيف”، و”الامتثال للأيديولوجيا التي ترعى وتبرر وتسوغ هذا التكيف وتخلق عادات إعادة إنتاجها في السلوك وتثبيتها في العلاقات. لاشك أن هذا المسعى لن يتحقق في ظل عدم الانفصال الحاسم عمّا يدعوه فريري بـ”الوعي الخيالي الوهمي”، المستغرق في “حالة من التفكير المشوه” الذي يعرقل العقلانية النقدية وتبلور وسيادة الفكر الحر.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن
15