"بنات ثانوي" حبكة تقليدية لمشاكل المراهقات

الفيلم المصري "بنات ثانوي" يركز على سلوكيات المراهقات في المناطق الشعبية التي تدهورت أوضاعها نتيجة الصعوبات الاقتصادية.
الجمعة 2020/02/21
حياة موازية للمراهقات على مواقع التواصل الاجتماعي

حاول صنّاع الفيلم المصري “بنات ثانوي” السير على نفس النهج الذي اتبعه عدد من السينمائيين عبر الاعتماد على مشكلات المراهقين والمراهقات لضمان النجاح التجاري للفيلم، غير أنه لم يستطع جذب القاعدة الشبابية الكبيرة داخل مصر، والتي تولي اهتماما أكبر بما تعرضه المنصات الإلكترونية، ولديها أزمة ثقة في جدية ما تقدّمه الأعمال المحلية التي تجيزها الرقابة وتتناول تفاصيل حياتها.

القاهرة- يصاحب نوعية الأفلام التي تسلط الضوء على الجوانب الخفية في حياة المراهقين اهتمام جماهيري واسع، وكان ذلك حاضرا بشدة في أفلام “أوقات فراغ” و“مذكرات مراهقة” و“أسرار البنات” و“الماجيكو”، وغيرها من أفلام جرى طرحها خلال السنوات الماضية.

ويرى العديد من النقاد أن الخيوط الدرامية لفيلم “بنات ثانوي” هي التي جعلته يبدو النسخة النسائية من فيلم “أوقات فراغ”، لأنه يطرح مجموعة من الحكايات الاجتماعية والعاطفية لعدد من المراهقين، لكن الثاني حقّق نجاحا جماهيريا وحاز على إشادات النقاد وقت عرضه في العام 2006، بالرغم من عدم وجود وجوه معروفة على ملصقه الدعائي.

من التلفزيون إلى السينما

يمكن تصنيف “بنات ثانوي” على أنه ضمن نمط أفلام “المراهقين أو المدارس العليا” التي تعد نوعا مستقلا بذاته في السينما الغربية، لأنها تخاطب شريحة عمرية محددة، لكن هذا النوع لا يحظى بالاهتمام المطلوب عربيا، لأسباب ترتبط بالرقابة التي تصطدم بالأفكار الجريئة التي تناقشها، أو لخشية المنتجين من الاعتماد على وجوه شابة تشكل العصب الرئيسي لتلك الأفلام.

حاول منتج الفيلم أحمد السبكي التعامل مع حتمية الارتكان على النجوم الشباب من خلال اختيار مجموعة من الفتيات اللاّتي حققن نجاحات جماهيرية مؤخرا، مستفيدا من الإحلال والتجديد اللذين يمر بهما الفن المصري، واستعان بالفنانات: جميلة عوض، هدى المفتي، هنادي مهنى، مي الغيطي ومايان السيد، للمشاركة في بطولة الفيلم، مع الفنان الشاب محمد الشرنوبي.

مي الغيطي قدّمت رسالة للفتيات في سن المراهقة، مفادها أن العمل والاجتهاد يحصنان الفتاة من الانجراف نحو الأفعال الخاطئة
مي الغيطي قدّمت رسالة للفتيات في سن المراهقة، مفادها أن العمل والاجتهاد يحصنان الفتاة من الانجراف نحو الأفعال الخاطئة

ويناقش الفيلم قضايا الفتيات المراهقات بالمرحلة الثانوية، وتدور قصته حول 5 صديقات، طالبات في المرحلة الثانوية بإحدى المدارس الحكومية يتعرضن لمشكلات وأزمات اجتماعية تؤثر على سلوكهنّ، ليكون لكل منهنّ خط درامي مستقل يطرح قضية أو مشكلة تختلف في قصة كل فتاة عن الأخرى، لكن يربطهن إطار واحد يتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي التي يتفاعلن معها.

وقال أيمن سلامة، مؤلف الفيلم، إنه استوحى فكرة العمل من قصص واقعية، وكان من المقرّر تقديم القصة في مسلسل مطول، غير أنه لم يحصل على الدعم المطلوب، وتجوّل بين عدد من المدارس الحكومية، والتقى العديد من الفتيات اللاّتي ينتمين إلى الطبقة المتوسطة وسمع لهجاتهنّ وتعرّف على المصطلحات الدارجة بينهنّ، وواجه عدة مغامرات أوصلته لظهور الفيلم بهذه الصورة.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن هوس الفتيات بمواقع التواصل الاجتماعي يعد مدخلا مناسبا لفكرة الفيلم التي تناقش ارتباط المراهقات بحياة موازية عبر الوسائل التكنولوجية. والتحذير من استغلالهنّ نتيجة عدم قدرتهنّ على التعامل معها بشكل سليم، وانعكاس ذلك بالسلب على المجتمع، باعتبارهنّ يشكلن عصب الأسرة في المستقبل.

وجسدت الفنانة جميلة عوض شخصية سالي التي تعرضت أسرتها إلى هزة اجتماعية نتيجة التغيرات التي مرت بها مصر خلال سنوات ما بعد ثورة يناير 2011، وتسببت في أن يخسر والدها الميسور الحال جميع أمواله، فقرّرت الهروب من مشكلاتها عبر الانزواء مع هاتفها المحمول لتتعرّف على أحد الشبان عبر مواقع التواصل قبل أن تكتشف خداعه.

وقالت جميلة عوض، لـ“العرب”، إن الشخصية تسلط الضوء على الفتيات اللاّتي يتمتعن بجرأة في حياتهنّ من دون أن يرتبط ذلك بسلوك انحرافي، وانفتاحها على الحياة بشكل كبير لا يتعارض مع تمسكها بعاداتها وتقاليدها. ومواقع التواصل بالنسبة لها عالم آخر تريد أن تعيش فيه حياتها التي تتمناها، لكنها تستعرض خلالها حياة صديقاتها ما أوقعها في مشكلات معهنّ.

وأوضحت أن الفيلم يركز على سلوكيات المراهقات في المناطق الشعبية التي تدهورت أوضاعها نتيجة الصعوبات الاقتصادية، باعتبار أن الغوص في تفاصيل حياتهنّ من المحظورات التي لا يجري رصدها بدقة، لذلك ركز الفيلم بشكل أكبر على الدوافع النفسية وراء تغير سلوكهنّ.

حكايات متشعبة

يسلط فيلم “بنات ثانوي” الضوء على نموذج آخر تجسده الفنانة الشابة مي الغيطي، شيماء، التي تعيش في ظروف سيئة بسبب انفصال والديها، ما جعلها تسكن مع والدها الذي لا يعمل ويدمن المخدرات، واعتاد إهانتها وضربها، وإجبارها على الزواج من صديقه المدمن، ما يؤثر على سلوكها سلبا في المدرسة.

وقالت مي الغيطي، لـ“العرب”، “شخصية شيماء قهرتها الظروف، ومع ذلك كانت تتعايش مع أصدقائها في المدرسة، وتحاول الخروج من الأزمات التي تتعرّض لها بسبب والدها الذي جردها من أموالها، وأقدم في مرات عدة على ضربها. ولم تجد من يحنو عليها في ظل زواج والدتها برجل آخر وإقامتها مع أب مدمن”.

وأشارت إلى أن شخصيتها قدّمت رسالة للفتيات في سن المراهقة، مفادها أن ظروف الحياة الصعبة لا يجب أن تكون دافعا نحو تدمير المستقبل. والعمل والاجتهاد يحصنان الفتاة من الانجراف نحو الأفعال الخاطئة، وأقصى خطأ ارتكبته يتمثل في تدخين السجائر، لكنها في النهاية أصبحت شخصية ملتزمة وغيرت من سلوك والدها.

والقصة الثالثة التي يقدّمها الفيلم، تتطرّق إلى فتاة توفي والداها في حادث، فأصبحت تعيش مع خالتها رغما عن إرادتها. تحاول دائما لفت النظر إليها للاهتمام بها من خلال قصص وهمية ومغامرات مع الشباب، وعندما ضاقت الدنيا من حولها قرّرت الانتحار قبل أن تقوم إحدى صديقاتها بإنقاذها.

أفلام المراهقين لا تحظى بالاهتمام المطلوب عربيا، لأسباب ترتبط بالرقابة التي تصطدم بالأفكار الجريئة التي تناقشها

وتقول مايان السيد، التي تجسد شخصية فريدة، إنها فتاة تعاني الإحساس بالظلم وتشعر بالفراغ والوحدة بشكل مستمر، رغم وجود خالتها معها. لذلك كانت تتمسك بصديقاتها، وعندما اكتشفن كذبها عليهنّ واختراعها لقصص وهمية تشاجرن معها، ما جعلها تقدم على الانتحار خوفا من تركهنّ لها قبل أن يقمن بإنقاذها.

وأكدت الفنانة الشابة مايان لـ“العرب” إلى أنها ذهبت إلى منطقة فيصل الشعبية، جنوب غرب القاهرة، لتتعرّف على نماذج كثيرة من الفتيات الشعبيات والتحدّث مثلهنّ، وحاولت التجرّد من شخصيتها الطبيعية لصالح أخرى شعبية ما ساعدها على التعايش مع الشخصية وتجسيد المعاناة التي تتعرّض لها.

وعلى النقيض تماما، فإن شخصية رضوى التي جسدتها الفنانة هدى المفتي، تنتمي إلى أسرة متماسكة وميسورة الحال، غير أنها تنبهر بشخصية معلمها في المدرسة، وهو زوج مدرّسة تعمل في نفس المدرسة، وتفعل كل شيء للتفريق بينهما.

وسلط الفيلم الضوء بشكل أكبر على أيتن الفتاة المتدينة المحجبة التي تعيش مع شقيقها بعد سفر والديها لإحدى دول الخليج، وتعشق الغناء.

وهي تعيش قصة حب مع شاب لديه قدر من التدين الظاهري وينشر معتقداته الخاطئة في المجتمع، ويمنعها عن الغناء ويتقدّم لشقيقها للزواج منها الذي رفضه لتفاوت المستوى الاجتماعي بينهما، فأقنعها الشاب بالزواج العرفي شفاهيا دون إثبات ذلك في أوراق رسمية.

وفي إحدى المرات ذهب إلى منزل الفتاة التي تجسدها الفنانة هنادي مهنى، في غياب شقيقها، وتناول بعض المنشطات أدت إلى وفاته، لتستعين بصديقتها وتقومان بإلقاء جثته من أعلى أحد الجبال البعيدة لإخفائها قبل أن تتشاجرا وتقوم السلطات الأمنية بإلقاء القبض عليهما، ثم الإفراج عنهما، فتعلنان رغبتهما ببدء حياة جديدة مختلفة عن سابقتها.

غابت الجرأة عن فيلم “بنات ثانوي” إلى الدرجة التي دفعت مؤلف العمل أيمن سلامة لتقديم رسائل وعظ للأسر والفتيات في نهاية الفيلم تطالبهن بالتمسك بالعادات والتقاليد.

وهو أمر لاقى تحفظات واسعة من النقاد الذين رفضوا الأمر، واعتبروا أن هذا النوع من الأفلام يطرح المشكلات وليس مسؤولا عن تقديم حلول لها، كما أن الحل المطروح في النهاية سطحي ولا يتماشى مع التطورات التكنولوجية المتسارعة حاليا.

16