بنت البطل الذي مات وبعينيه دمعتان

الاثنين 2015/07/06

سرعان ما انتشرت تدوينة بنت البطل التي علقت بها القاضية مروة هشام بركات ابنة النائب العام هشام بركات على استشهاد والدها الذي اغتالته جماعة الإخوان “المتأسلمين” الإرهابية الظلامية بخسة ونذالة، وتوالت التعليقات تواسي رئيسة المحكمة الشابة، وتنعى النائب العام أكبر شخصية قضائية بمصر.

لم تنكسر ولم تهزمها أيادي الغدر كما كانت تهدف حين زرعت 400 كيلوغرام من المواد المتفجرة اخترقت سيارة هشام بركات المدرعة نصف تدريع، لم تلو الحركات الإرهابية بفكرها الممزوج بالدم ويداها الملطخة بدماء أعناق كل الأبرياء وأذرع الشرفاء.

أدركت بنت البطل التي تربت ببيت أرضعها معنى العزة والكرامة والكبرياء، معنى حب الأوطان وأن الوطن ليس أرضاً يسال لها لعاب الطامعين أصحاب اللحى المزيفة وسفراء العار، وإنما الوطن معنى أكبر وأسمى من أطماعهم الدنيئة.

منذ طفولتها وهي تعرف هذا القدر للأرض التي توازي العرض أهمية وصونا وحماية، ولكن الجبناء من مدعي الإسلام ـوالدين من براءـ لم يعرفوا أن للوطن قداسة وأن الأرض ليست مجرد ذرات تراب وجبال ومساكن وأن حبات العرق وقطرات الدماء الشريفة حين تتساقط من الشرفاء فتعجن حجارة تشيد حضارة وتبني تاريخا يحكي الكثير.

الوطن لا يفديه غير أبنائه من صلبه، أما هؤلاء اللقطاء فلن يجدوا لهم مكاناً بيننا، لن نترك لهم موطأ قدم غير مروي بعرقنا ودمائنا، لن نمنحهم شرف البقاء بأرض لا تسكنهم، فكيف نتركهم يسكنونها؟

مروة ليست بنظري ابنة هشام بركات التي أفجعها موت أبيها بهذه الطريقة البشعة، وكسر موته ظهرها، ولكنها ابنة البطل الذي انتصر للقانون ولم ترهبه التهديدات التي تلقاها من قبل وظل على الرغم منها صامداً لا ترضيه شريعة الغاب ولا يعرف وساطات لتخفيف أحكام قضائية نافذة ولا الضغط على أبنائه “وكلاء النائب العام” لتكيفات غير قانونية.

هشام بركات رجل قانون بامتياز ومن طراز فريد لم ينل حادث اغتياله عالمياً الاهتمام المناسب، كما انتفضت منظمات دولية للدفاع عن أعضاء الجماعات الإسلامية المحبوسين على ذمة قضايا إرهاب وتخريب وتدمير منشآت وحرق ممتلكات عامة وترويع الأبرياء.

تلك المنظمات التي تشدقت بحقوق الإنسان من أجل أناس انتهكوا كل القيم والمبادئ الإنسانية، تناسوا أن للرجل أسرة تنتظر عودته كل يوم، وابنة تتوق لحضن أبيها الدافئ وحبه الدافق تنتظر معه قهوة الصباح لتقاسمه حلماً رأته في نومها، ودعابة جديدة بين ابنة وأبيها ومعلمها الأول.

رغم طزاجة الحزن الذي كان طرياً غير مكتمل بعد، كتبت مروة فخريتها ومواستها لقلبها، ربتت على كتف نفسها قبل أن تدركه أياد صافحت أبيها بجلال ووقار، نشرت عبراتها المهدرة على مثلها الأعلى بينما منظمات حقوق الإنسان لم تدرج اسم الرجل العظيم ضمن قوائمها من شهداء الواجب والقانون.

أعتقد أن صاحب أكبر وأهم شخصية قضائية بمصر مات قبلاً حين رأى رجالاً يحملون نفس جنسية البلاد التي أنفق من أجلها الكثير من أبناء الوطن أرواحهم وضاع من أجل ترابها الكثير من النبلاء.

مات هشام بركات وفي عينيه دمعتان، أولهما على وطن تمزقه يد الإرهاب وقلوب رجال باعوا الجميع من أجل نهم السلطة المستحيلة، ودمعة على أسرة وابنة سيطول انتظارهما لشمس الغد التي ستشرق دون الأب.

قدم الرجل عمره لمصر وسال دمه على أرضها، وأطبق جفنيه على صورة وطن يلملم أشلاء أبنائه من أنياب جماعات فقدت رشدها.

21