بنت البواب

الاثنين 2016/11/28

طفولتها قاحلة كصحراء هجرها الزرع والماء، لا ترفيه ولا ألعاب أو دمى كتلك التي يعبث بها الصغار، حتى العيد الذي يحمل لنا جميعا ذكريات جميلة مع الأهل والأصدقاء وملابس جديدة لا تذكر له خيرا ولا تحمل منه ذكرى سوى “مسح السلالم، وغسل السجاجيد”، ملابس العيد الجديدة لم تكن سوى ما تبقى من ملابس بالية عافها أصحابها، ملابس ذات “عاهة” فمنها ما اهترأت أنسجته، ومنها ما سقطت أزراره أو انفجرت سحابته.

لم يترك لها الفقر فرصة التنزه أو الاستمتاع بشيء من ترف الحياة، طفولة رمادية غائمة وضباب لا يخلف وراءه سحابة تبشر بأمطار خير، هذا ما استشعرته من حديث عابر مع طبيبة مجتهدة في تخصص جراحات القلب والأوعية الدموية، نالت تقديرا علميا يؤهلها للتدريس في الجامعة، ولكنها لم تنل هذا الشرف بالإنضمام إلى هيئة التدريس نظرا لكونها ابنة حارس عقار معدم “بواب” فقير لا يملك شيئا يورثه لابنته المتفوقة والتي حرصت كل الحرص على الكفاح في الدراسة لتعويض شظايا سقطت من روحها في طفولتها البائسة وحققت حلم التفوق بدلا من فرح لم تعرفه، كافحت لتصبح طبيبة، فكانت.

ولكن نظرة المجتمع الطبقي ظلت تلاحقها كظل سخيف لا يتوارى حتى في الظلام، نظرة مقيتة لا تفارقها وكلمة لصيقة تحرمها المساواة مع غيرها في نفس درجتها العلمية وربما هي تتفوق عليهم علما وثقافة واطلاعا، كانت كلمة “بنت البواب” مفتاح الحديث مع الجميع حتى ذلك التفوق الذي حققته لم يمنحها صك التحرر من عبودية المقولة القاتلة بكونها بنت البواب وما يعقبها من ذلك التصنيف المتدني لها في فئة الجهل والفقر والتخلف، مجتمع طبقي يحرمها من جني ثمار مجهودها وذكائها، حتى هذا الشاب الذي أحبته وهو خريج كلية نظرية، رفضت والدته الارتباط بفتاته لذات السبب.

تساءلت الفتاة، لماذا لم تنظر والدة حبيبي إلى تفوقي ودرجتي العلمية وما حققته، لماذا حكمت على علاقتي بابنها بالفشل، رافضة أن يكون جد أبنائها بوابا فقيرا، وهل أظل هكذا في تصنيف “مواطنة درجة ثالثة”، متى أكون أنا هي أنا، ولست غيري، لست أبي أو أمي، مع كونهما يستحقان كل التحية والتقدير بأن أتاحا لي الفرصة لخلق بيئة جديدة والانضمام إلى طبقة متعلمة حتى وإن كانت ترفضني، تلفظني، وتظل قدماي معلقتين بطبقة يعتبرها المجتمع أقل.

وبدوري أتساءل، متى نتخلى عن تصنيفاتنا الطبقية المعلبة كطعام فقد صلاحيته ونصر على الاحتفاظ به، متى نكف عن إصدار أحكامنا بناء على الأنساب وأسماء العائلات والقبلية الفكرية والفكر العشائري المترهل، متى يكون أصل الإنسان فعله وليس اسم عائلته أو حسابه البنكي.

لا أحد ينكر الدور الرائع للمذيعة الأكثر شهرة والمثيرة للجدل أوبرا وينفري، أكثر الشخصيات الإعلامية تأثيراً في تاريخ التليفزيون، ورغم البيئة الفقيرة التي نشأت فيها وحياة العوز التي عاشتها إلا أنها استطاعت وبجدارة أن تكتب لنفسها تاريخا جديدا بعيدا كل البعد عن النظرة النمطية بتوريث العائلة الفقيرة الفقر لأبنائها، أوبرا السمراء ذات الأصول الأفريقية، في بيئة تعاني تمييزا عنصريا ضد السود، حفرت اسمها بحروف التمرد، والأمثلة كثيرة لمشاهير في الفن والسياسة والإعلام انحدروا من أسر فقيرة، معوزة ولكنهم أحدثوا طفرات كبيرة، كل في مجاله، مارغريت تاتشر، هيلاري كلينتون، وغيرهما الكثير والكثير عصاميات وعصاميون بنوا أنفسهم دون الاعتماد على أحد، ولكنها تبقى أمثلة في الغرب للأسف.

ليت المجتمعات العربية تتبنى فكرا مختلفا خاصة بعد بزوغ نجم الكثير من أبناء الطبقات المتوسطة والدنيا في كافة المجالات.ِ

كاتبة من مصر

21