بنت وأب وحلم ثورة يخطون رواية سيجارة سابعة

الجمعة 2015/02/27
الكاتبة دنيا كمال استطاعت أن توصل بين جيلين مختلفين وموقفيهما من الثورة

"سيجارة سابعة" هي الرواية الثانية للكاتبة المصرية دنيا كمال، الصّادرة عن دار ميريت، والحاصلة مؤخّرا على جائزة ساويرس (الدورة العاشرة 2014) في أدب الشباب، وقد افتتح تصديرها بعبارة من رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ «ولا يحول بيننا وبين السّعادة، إلا العفاريت الكامنة في أعماقنا». تمثل الرواية سردا ذاتيّا يغلّفه الحنين إلى زمن ماض مفتقد، تتجوّل فيه الكاتبة بكاميراها لتلتقط لحظات الحياة وسط جدّيها، ومنها إلى الحديث عن أبيها وأمها، ثمّ عن مراهقتها وأحداث الثورة.

التيمة الأساسيّة لرواية “سيجارة سابعة” للكاتبة دنيا كمال هي الفقد والأحلام غير المكتملة، التي تشير إلى الهزائم بمعنى أوضح، فمنذ مشهد الافتتاح تفجع الراوية نادية بفقد الجدّ فجأة، وهو يستمع لصوت أم كلثوم الهادر من المذياع، ثم فقد الأب، ففقد الحبيب زين أيضا فجأة، رغم أنها كانت تعلم أنّ مشروع الزواج به لن يكتمل، لأنه يكبرها بثلاثين عاما، إلى فقد عليّ بهروبه منها، ثمّ فقد الأمل من التغيير أيام الثورة، مرورا بإحساسها بفقدها لوالديها في مرحلة الطفولة أثناء رحلة اغترابهما للعمل في الخليج، وهو ما كان تأثيره واضحا على شخصيتها، حيث صارت كما تروي عن نفسها «فتاة عصبية، سخيفة، أستمع إلى الموسيقى في سماعات الكاسيت الكبيرة ولا أدندن بصوت عال في أيّ جلسة، بل كنت أتدرّب أمام المرآة على تكشيرات منفّرة حتى يبتعد من يفكّر مجرد التفكير في الاقتراب».

الغريب أنها تعترف أن غرضهما من الهجرة كان يتمثّل في الحصول بعد العودة على شقة في مدينة نصر أو مصر الجديدة، وسيارة صغيرة، كشأن أحلام الطبقة المتوسطة، التي كان حظها قليلا، ولم ترق أبدا إلى أحلام وطموحات «الحيتان» بتعبير والدها.

الساردة تنجح عبر سرد بسيط وعفوي، في تسجيل وقائع الثورة، ومشاهدها الأولى بلغة صادقة مجردة من الزخرف


نوستالجيا وثورة


عبر أربع وثلاثين وحدة، أو مقطع قصير أشبه بكادرات سينمائيّة حيث المشاهد السينمائيّة بكافة عناصرها (الحركة، الألوان، والرائحة، إلخ..)، مهيمنة على مقاطع النص الذي جاء في 199 صفحة من القطع المتوسط، متراوحا بين أزمنة متداخلة من الماضي، عبر التداعيات والذكريات التي تعود جميعها إلى ماض تفتقده الرّاوية تارة، خاصّة ذكريات الطفولة مع الأم التي كانت العلاقة بينهما تشهد توترا نسبيا، وعن أبيها في زياراته العائلية، وتارة أخرى يفتقده الأب الذي هو الآخر يشعر بنوستالجيا له، لما فيه من ذكريات للكاتب الروائي المهم ونضاله في الستينات، وكذلك فيه ذكريات العاشق للأم حيث الخطابات الملتهبة بينهما، والرّسائل والقصص غير المكتملة التي احتوى عليها درج مكتبه، والتي تمثل المحك الذي كان له تأثير على الفتاة التي تميّزت بنوع من الاستقلالية في الحياة، وبين حاضر مهيمن هو حاضر الرّاوية، بعلاقاتها المتعدّدة والمتذبذبة دوما مع أحبة تفتقدهم تدريجيا، أولهم زين الذي يكبرها بثلاثين عاما، والمهووس بالشّعر، والذي كان يشعرها بامتلاكها العالم وهي تنام على فخذه مستمعة إلى الشعر الذي يلقيه عليها، ثمّ يرحل فجأة دون مقدمات. وحبيب آخر هو علي عندما تقع في حيرة من أمرها، لمّا تفتقده.

تنجح السّاردة عبر سرد بسيط وعفوي، في تسجيل وقائع الثورة، ومشاهدها الأولى منذ لقاءاتها بأصدقائها وترقبهم للغد المجهول، وخوفهم وحذرهم، وما تخلّلها من علاقات حبّ بينها وبين جلال، وبوقائعها المؤلمة بعد اقتحام الميدان من قبل عناصر البلطجية، وبما فيها من أمل بالنصر، إلى نقيضه الشعور باليأس أو«ما فيش فايدة» كما رددتها كثيرا أمام جلال، أو حتى أمام السائق الذي أظهرت من خلاله روحا من روح الميدان التي تجلّت خلال الثمانية عشر يوما، وحمايته لها من الذين اعتبروها جاسوسة وأرادوا الفتك بها. يأتي كل هذا بلغة صادقة يغلب عليها البعد عن الزخرف اللغوي أو حتى التقعر اللفظي، وقد يختلط فيها أحيانا الفصيح بلغة الخطاب اليومي الشائع، وبعباراته الجارحة نسبيا.

تبني السّاردة مرويتها إلى جانب اعتمادها على سرد ذاتيّ أقرب إلى التداعيات الحرّة، على تضمينات واقتباسات لمقتطفات من أغنيات لأم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز ووردة وكذلك على نصوص شعرية لأمل دنقل وكوليريدج «أنشودة الملاح العجوز» وفنون أخرى كمشاهد لأفلام، وتسجيلات لموسيقى الروك وغيرها، العجيب أنّ هذه التضمينات تأتي مرتبطة بمواقف داخل نسيج الحكاية، فأغاني فيروز تأتي مع صباحات زين المفعمة بالحبّ والاشتياق رغم أنّها دائما ملتصقة به، في إشارة إلى الأمان الذي تحقّق لها بعلاقتها به، أما عتابات وردة فتأتي عند انفصالها عن عليّ، كنوع من المسوّغات لهذا الانفصال، أمّا أغنيات الشيخ إمام فتأتي كمحفز ووقود للصبر وانتظار الأمل، أثناء الثورة.

في الرواية أزمنة ماض متداخلة عبر التداعيات والذكريات التي تعود جميعها إلى زمن تفتقده الراوية خاصة ذكريات الطفولة


الغائب الحاضر


تعدّ شخصية الأب المثقف الستيني والروائي، الذي عاش أحلام الثورة وسجن مع مثقفي الستينات، الشخصية الثانية في الأحداث بعد نادية، فهو الذي خلق فيها الشخصية المتمرّدة على المدرسة وعلى الدروس، وأبرز ملامح التمرّد تجلّت في رفضها المشاركة فيما أسمته العبث أثناء الاحتفال بيوم اليتيم في المدرسة.

وقد خلق منها ذلك شخصية مستقلة استطاعت أن تنتقل لتعيش في بيت بمفردها بعد تجاوزها مرحلة المراهقة، فحق لها أن تفتخر به قائلة «علمني أبي ألا أكون أبدا على الهامش»، كما شجّعها على النضال بحكاياته عن ماضيه وسجنه، وهزائم جيله، ومن ثمّ تستحضره الكاتبة بكافة أشكال حضوره الماديّة والمعنوية، صديقا وناصحا، ومريضا تذكّره بتناول حبّات الدواء، أو وهي تعدّ له طعامه المفضّل وتجهّز له السّلطة التي يفضّل أن تكون فيها قطع الطماطم كبيرة، أو في حرصها على أن تحدّثه عن برنامج يومها في الميدان، وأين سيكونان كتعويض عن أيام الطفولة التي حرمت منها. أو حتى وهي خائفة عليه من الغازات الخانقة، فهو مصاب بأزمة قلبية مع ضيق في التنفس، أو خشيتها أن يصيبه حجر طائر أو رصاصة طائشة. من صورة الأب أيضا أنه هو الخائف عليها من اختياراتها في الحب، (فقد أنبأها بفشل علاقتها بعلي، إلا أنّها أصرّت أن تكمل حتى يعلن هو النهاية) أوفي صورة الأب القلق المتلهف على سماع أخبارها وهي في الميدان، أو أثناء غيابها عند صديقتها رضوى في أميركا.

لكن بعد كل هذا الحضور الطاغي لشخصية الأب، حيث كان يتحرك معنا في السّرد وهي متأبطة ذراعه عند التجوّل في الميدان، أو عندما يفتح لها الباب صائحا فيها معبّرا عن قلقه فترتمي هي في حضنه باكية، وغير ذلك من التفاصيل، نكتشف في نهاية الرواية أنه في الأصل كان ميتا منذ تسع سنوات.

وهي الحيلة الماكرة التي استطاعت الكاتبة أن توصل بين جيلين مختلفين وموقفيهما من الثورة، التي أرادها الأول ولم تتحقق، وكانت شاهدتها الثانية بما فيها من لحظات يأس، حتى تحققت بالتنحي.

حضور الأب في الثورة على وجه التحديد، قد ارتبط في ذاكرة الفتاة من صورة المُعارض حين كان يأخذها قبل سنوات إلى ميدان طلعت حرب كي يشاهدا معا المظاهرات، فقد كانت تسخر منها في الغالب لأنّ العدد لم يكن يتجاوز العشرات، إلا أنه لم يفقد الأمل في تحقيق حلم الثورة بآلاف ينزلون للتظاهر، وما إن حدث ما كان يأمله حتى رحل، فتستدعيه الابنة عبر مخيلتها، ليرى حلمه الذي لم يتحقّق في وجوده.

15