بنجامين فون وونغ فوتوغرافي الديستوبيا القادمة

فون وونغ يستمد نجاحه من إخراجه الملحمي للصور الشمسية التي ينجزها، وتقوم على أسلوب فني بالغ الواقعية، يمزج فيه بين صور عن واقع ما ومؤثرات خاصة.
الاثنين 2018/04/30
البيئة لا صوت لها، فلنكن صوتها

هي تجربة فريدة لفنان كندي من أصول صينية اسمه بنجامين فون وونغ، هجر هندسة التعدين إلى التصوير الشمسي، ليبدع صورا يخرجها إخراجا فنيا مذهلا حسب ثيمة يختارها في العادة للتنبيه إلى المخاطر التي تتهدّد البيئة، في البر والبحر والجوّ.

ولد بنجامين فون وونغ عام 1984 من أبوين صينيين هاجرا من ماليزيا إلى كندا واستقرا في تورنتو، حيث درس وتحصل على دبلوم في هندسة التعدين من جامعة مكجيل عام 2008، بدأ حياته المهنية في شركة “غولدر أسوشييتد” كمهندس في تصميم المناجم بولاية نيفادا الأميركية، ولكن سرعان ما هجرها ليمارس هوايته المفضلة، أي التصوير الشمسي، ثم يحترفها كامل الوقت.

ويفسر فون وونغ ذلك التحوّل بقوله “كنت أريد أن أكون مختلفا، أن أفعل شيئا لم يفعله أحد من قبلي. وكان السأم وانفصالي عن صديقة قد ولّدا لديّ رغبة في البحث عن شيء يسليني، فاشتريت كاميرا زهيدة الثمن من ‘فالمارت’ والتقطت صورا لبعض النجوم، ثم صرت أنجز أعمالا خارجة عن المألوف كلما سنحت الفرصة، وأنزّلها بالفيسبوك. وفي يوم، اكتشفت أن لي 7 k (أي سبعة آلاف من المعجبين)، ما يعني أن بإمكاني مزاولة عمل أعشقه، وبإمكاني أيضا جمع الناس وإقناعهم بأن في مقدورنا أن نقوم معا بأشياء مذهلة”.

حاز فون وونغ شهرته من خلال إخراجه الملحمي للصور الشمسية التي ينجزها، وتقوم على أسلوب فني بالغ الواقعية، يمزج فيه بين صور عن واقع ما ومؤثرات خاصة أو خدع فنية، كما في سلسلته “أبطال سوبر على السطوح”، وكان لمعرفته بالهندسة ما مكنه من حل مشاكل الخلق والريتوش بيسر، ومن جعل كل صورة تروي حكايتين يود مقاسمتهما مع العالم: الحكاية الموجودة في الصورة، والحكاية الموجودة وراء ابتكارها.

وبدأ فون وونغ حياته الفنية عام 2012، بعد أن استقر بمونريال، بمشروع أسماه “فون وونغ في أوروبا”، تمثل في جولة أجراها رفقة المتخصّص في تقنيات الفيديو إيروان كلواريك للحثّ على تعاون دولي لأجل صيانة البيئة، وأنجز خلال تلك الجولة صورا وأشرطة فيديو أخّاذة. والطريف أن رواد الموقع الإلكتروني “التمويل الجماعي” هم من موّلوا جولته تلك.

كل صورة لفون وونغ تروي حكايتين يود مقاسمتهما مع العالم، حكاية الصورة، والحكاية من وراء ابتكارها

وفي العام 2013 تعاون مع نيكون والموسيقار أندريو كسيلر في إعداد “سيمفونية نيكون”، ثم ذاع صيته عام 2014 عندما أنجز صورا تحت الماء على سواحل بالي في إندونيسيا.

وقد أبهر الملاحظين بالتقاطه صورا قرب سفينة غارقة في أعماق البحر، فتحت له أبواب موقع “فليكر” الشهير، إذ كان من بين النجوم الذين عرض الموقع صورهم أسابيع متتالية. ثم عاد بعدها ليصوّر تحت الماء أيضا عروسي بحر وسط تشكيلة من قوارير البلاستيك الفارغة، لتحذير الرأي العام العالمي من تلوث المحيطات، وقد استعان في ذلك بغطاستين محترفتين متخصصتين في الغوص مع قطع الأنفاس، استوجب وقوفهما في أعماق البحر دون أكسجين وسط جو غير عادي تمارين خاصة طيلة أيام.

وفي سلسلة سريالية بعنوان “ماد ماكس يلتقي بأميركا ترامب” يقدّم فون وونغ صورة قاتمة عن مستقبل ممكن، بسبب قرار دونالد ترامب القاضي باستئناف استغلال الطاقات الصخرية إرضاء للوبيات البترول. وهذه السلسلة التي يمكن إدراجها ضمن الفن الديستوبي، أي تصوّر كوارث محتملة انطلاقا من معطيات الحاضر، هي صور سريالية تتخذ من ثقافة “ستيمبونك”  خلفية لها (والمعروف أن ستيمبونك هو تيار حاضر في الأعمال الفنية وعالم الخلق والابتكار بعامة، ويحيل على مرحلة الثورة الصناعية باعتماد رؤية وهمية لمكانة الإنسان في مجتمع مُشغّل آليا)، يبالغ في رسم ملامحها ليُسائل الرأي العام، ويشفع ذلك بشريط فيديو يشرح فيه مسعاه.

ويكتشف المتلقي صورة عن أميركا، وسط ديكور من الخيال العلمي بمناطق صناعية حقيقية، وهي نهب لعصابات مسلحة تتحرك في جو ملوّث خانق يدفع الناس إلى التزوّد بقناني الأكسجين.

ويقول فون وونغ إن ذلك ليس بالأمر المستحيل، وسوف يجيء يوم يضطر فيه الناس إلى شراء الأكسجين، والدليل أن الصين، أكبر بلد ملوّث في العالم، صارت تستورد الهواء النقي، والغاية كما يقول هي الدفاع عن البيئة، لأن البيئة لا صوت لها، وفي رأيه أن الصمود وحده لا يكفي، بل ينبغي أن نصدع بقناعاتنا عاليا، لأن الفنانين لهم دور هام لا بدّ من القيام به.

ولا يخفي فون وونغ عن الناس أسرار صنعته، ففي الورشات التي درج على تنظيمها والإشراف عليها، اعتاد أن يبين لهواة فنه كيف يحصل على أفضل النتائج باستعمال المؤثرات الخاصة، وكيف يضيف نوعا من الضبابية على صوره، وكيف يتحكّم في الريتوش ليحوّر أو يتمّم صورة برذاذ عجيب من الحبر الأسود في الفوتوشوب، فالغاية بالنسبة إليه هي تحسيس أكبر قدر ممكن من المدافعين عن البيئة، كما فعل في عمله الأخير الذي يحذر فيه من الفضلات الإلكترونية التي لا تخضع لإعادة تدوير، وقد استعمل فيه حواسيب منتهية الصلاحية شكلها في لوحة فنية بديعة، مؤكدا أن إعادة دورة المواد الإلكترونية لا تشكل سوى 27 بالمئة من نفاياتنا.

16