بنس يجس النبض بشأن خطة السلام الأميركية الموعودة

تثير زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى منطقة الشرق الأوسط تشاؤم أكثر المحللين تفاؤلا، خاصة لجهة توقيتها الذي يتزامن مع انكباب إدارة الرئيس دونالد ترامب على إعداد خطة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يرجّح أن يطرحها قبل نهاية النصف الأول من العام الجاري، وتشي جميع المؤشرات بأنه سيكون من الصعب على العرب هضمها فكيف الحال بالنسبة إلى الفلسطينيين؟
الجمعة 2018/01/19
تحد صعب

القدس - يبدأ نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، السبت، جولة إلى منطقة الشرق الأوسط، هي الأولى لمسؤول أميركي رفيع إلى المنطقة منذ تفجير الرئيس دونالد ترامب قنبلة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 4 ديسمبر الماضي.

وكان بنس قد أجّل زيارته التي كانت مقررة في العشرين من الشهر الماضي، على خلفية موجة الاحتجاجات التي عمت المنطقة بسبب الإعلان الأميركي، ورفض السلطة الفلسطينية اللقاء.

ويرى مراقبون أن زيارة بنس التي ستشمل كلا من مصر والأردن وإسرائيل ستكون بغاية تثبيت واقع القدس عاصمة لإسرائيل وجسّ النبض، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي عن خطوته التالية وهي “صفقة القرن” التي كثرت التكهنات بشأنها في الأشهر الماضية.

ويطلق مصطلح “صفقة القرن” على خطة تبلورها إدارة ترامب، لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي توقفت مفاوضاته منذ أبريل 2014؛ جراء رفض تل أبيب وقف الاستيطان والإفراج عن الآلاف من الأسرى، وتنصلها من حل الدولتين، على أساس دولة فلسطينية على حدود ما قبل حرب 1967، وعاصمتها القدس الشرقية (تحتلها إسرائيل منذ 1967).

وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير كشف الشهر الماضي عن أن إدارة ترامب تعكف على بلورة خطة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بيد أنها لم تنته منها بعد، وأن الرياض على اطلاع بالتفاصيل التي يجري البحث بخصوصها.

وسبق وأن أعلن ترامب أن حل الدولتين ليس الخيار الوحيد لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذا يزيد من سوداوية التكهنات بشأن خطة السلام الموعودة.

ويرى متابعون أن بنس سيعمد خلال لقاءاته مع القيادتين المصرية والأردنية إلى الكشف عن الخطوط العريضة لهذه الخطة، لجس نبضهما حيالها مع عدم استبعاد أن يمارس ضغوطا على الجانبين للقبول بها.

ويقول مسؤولون فلسطينيون إن ما يقع الإعداد له في البيت الأبيض من توليفة للسلام الموعود ربما يكون أسوأ على الإطلاق بالنسبة إلى الفلسطينيين، وهناك مؤشرات عديدة تشي بذلك من قبيل القرار بشأن القدس، الذي تلاه تجميد نصف التمويل الأميركي المقدم لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وما يعنيه ذلك من نية لطمس ملف “حق العودة” للملايين من الفلسطينيين، والذي يعتبر أحد الملفات الشائكة التي تحول دون التوصل إلى سلام.

وكانت واشنطن جمّدت الثلاثاء منحا بقيمة 65 مليون دولار من المساعدات المقررة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، ما يمثل أكثر من نصف الدعم الأميركي للوكالة.

ومعلوم أن الولايات المتحدة الداعم الأكبر للأونروا، يليها الاتحاد الأوروبي، وبهذه الخطوة فإن الوكالة مهددة بالإغلاق.

ويرجح مراقبون أن ما تحمله زيارة بنس إلى الأردن ومصر لن يكون من السهل هضمه، في ظل قلق لدى عمان والقاهرة بأن يستخدم الجانب الأميركي سلاح المساعدات الاقتصادية والعسكرية للضغط عليهما، للقبول بخطة السلام المثيرة للجدل حتى قبل إطلاقها، والضغط على الفلسطينيين بخصوصها.

طارق فهمي: جولة بنس للمنطقة استطلاعية وليست لطرح حلول نهائية

وسبق وأن لوّحت الإدارة الأميركية بوقف المساعدات على الدول التي صوتت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ضد القرار الأميركي بشأن القدس، إلا أنها لم تنفذ تهديدها حتى الآن، ما فهم منه أن واشنطن تريد توظيف هذا السلاح في معركة “الصفقة الكبرى”.

ولن تشمل جولة بنس الأراضي الفلسطينية، بينما كانت ضمن جولته قبل تأجيلها تحت وطأة الغضب من قرار القدس، فيما يرى خبير عربي، أن “الأردن” سيحل محل فلسطين في الاستماع لوجهة نظر ترامب بشأن السلام.

وستكون بداية الجولة لنائب الرئيس الأميركي بمصر، السبت المقبل، أي بعد يوم من اختتام مؤتمر دولي رعته مؤسسة الأزهر لدعم القدس، بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومنظمات عربية ودولية، وهو ما يعده محللون “رسالة ضمنية مسبقة في مواجهة أي مطالب أميركية مكلفة”.

وكان بنس قد سعى قبل أيام في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، إلى تبني طرح مطمئن نسبيا، حيث قال إن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس يتطلب سنوات، مؤكدا أن جولته بالمنطقة هي للتأكيد على أن الإدارة الأميركية ملتزمة بعملية السلام.

ووفق الأكاديمي المصري، طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية، فإن “جولة بنس ستمضي في أحد المسارين، أولهما هو أن تكون جولة استطلاعية للمواقف وليست جولة لطرح حلول نهائية”.

ويضيف فهمي أن “الأميركيين سيرتبون لما سيطرحونه لاحقا، وسيحل الجانب الأردني محل الفلسطيني المقاطع لواشنطن”.

أما المسار الثاني، بحسب فهمي، فيتمثل في أن “إدارة ترامب لا تريد أن تمنح فرنسا ولا روسيا ولا الأمم المتحدة فرصة للتواجد في القضية الفلسطينية، لذا تبدأ بخطة إشغال سياسي”.

وسبق وأن أعلن الرئيس الفلسطيني ضرورة وقف احتكار الولايات المتحدة لعملية السلام وإدخال لاعبين جدد من قبيل روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ويقول البعض إنه سيكون من الصعب تحقيق هذا الهدف لعدة اعتبارات لعل من بينها أن الأطراف الثلاثة لا تبدي رغبة فعلية في لعب أدوار متقدمة في هذا الملف الذي لطالما كان تحت النفوذ الأميركي، كما أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر عمليا على ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي للعودة إلى المفاوضات.

ويتوقع رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية (غير حكومي مقره جدة) أنور عشقي، “أن لا تخرج جولة بنس عن تقديم تفسيرات لحل ترامب للأزمة وموقفه للسلام، مع ممارسة ضغوط على فلسطين”. ويرى أن “ترامب وفريقه يقدمان صفقة القرن غير واضحة الملامح، بطريقة تجارية تشمل تكتيكات مرحلية كبائع يطرح سعرا تفاوضيا”.

ويشدد عشقي على أن “أيّا كانت هذه الصفقة، فالعرب متمسكون بالمبادرة العربية للسلام، ولا بديل عربيا حاليا، وقبل وصول نائب ترامب عقد الأزهر مؤتمرا كبيرا لدعم القدس والتمسك بها، بحضور الرئيس عباس، وهي رسالة ضمنية بإمكانية التصعيد العربي”.

واعتمدت جامعة الدول العربية في قمتها بيروت عام 2002 مبادرة للسلام مع تل أبيب تنص على أن تطبع الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل، مقابل انسحاب الأخيرة من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. ودأبت إسرائيل على رفض هذه المبادرة.

2