بنك الاستثمار الآسيوي فصل آخر في مسار صراع النفوذ الصيني الأميركي

الثلاثاء 2015/08/25
اختلاف المسارات ينبئ بتشكل عالم متعدد الأقطاب

بكين - اتفقت سبع وخمسون دولة، مؤخرا، على العمل معا لإعداد قواعد وأنظمة بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، والذي من المتوقع أن يتمّ تأسيسه رسميا في نهاية العام الجاري بالعاصمة بكين، رغم تحريض الولايات المتحدة ضدّه. وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي لا تكون فيها واشنطن قادرة على إحباط إنشاء مؤسسة اقتصادية آسيوية منافسة، مما ينبئ بظهور منعرج جديد بدأ يتشكل في سياق الصراع الأميركي الصيني على النفوذ، وفق دراسة للباحث أحمد قنديل صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.

وقد أثارت الخطى المتسارعة مؤخرا لتأسيس البنك، الذي يعد أحدث مؤسسة تمويل متعدد الأطراف في العالم، جدلا ونقاشا ساخنا حول ما إذا كان العالم قد أصبح أمام منعطف تاريخي جديد يتضمن تحديا للنظام الدولي المالي والاقتصادي العالمي الذي تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بقيادة واشنطن، وأهم مؤسساته البنك وصندوق النقد الدوليين.

ومن اللافت أن عددا غير قليل من حلفاء الولايات المتحدة قد انضم إلى هذا البنك، كأعضاء مؤسسين، رغم التحفظات والاعتراضات الشديدة التي صدرت من واشنطن تجاهه. حيث التحقت دول أوروبية مهمة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا بهذا البنك، في شهر مارس الماضي، بالإضافة إلى دول عربية وازنة شأن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وهو الأمر الذي يعكس بوضوح، حسب كثير من المراقبين، أن عددا من أكبر الاقتصادات التي شاركت الولايات المتحدة في إرساء النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود السبعة الماضية، قد أصبحت تغرد خارج السرب الأميركي نتيجة ميلها إلى اللحاق بركاب العملاق الاقتصادي الصيني.

وكان عدد من دوائر الأعمال والمال في واشنطن وطوكيو قد نظر إلى البنك الجديد، المدعوم صينيا، بعين القلق خشية أن يقود إلى إرساء نظام اقتصادي مواز في آسيا يقوض البنك الدولي والمؤسسات المنحدرة منه، ويفاقم من ضعف معايير الشفافية الدولية ومن عدم المحافظة على البيئة المستدامة وحقوق العمال وحقوق الإنسان.

من المتوقع ألاّ تستسلم الولايات المتحدة، تجاه "كابوس" تعاظم النفوذ الاقتصادي والمالي والسياسي لبكين في آسيا
وفي ظل هذه المخاوف، سعت الولايات المتحدة واليابان على مدار أكثر من عام ونصف العام تقريبا إلى إقناع حلفائهما في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط بعدم الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، لكن الأمور تطورت فجأة على نحو لم يتوقعه كثير من الأميركيين واليابانيين، بعدما تقدمت المملكة المتحدة في 12 مارس الماضي، لتصبح عضوا مؤسسا بالبنك، مبررة ذلك بأن هذا الانضمام يصب في خانة مصالحها القومية، خاصة مع نضوب الأموال الروسية على وقع العقوبات الوثيقة الصلة بالأزمة الأوكرانية وانخفاض عائدات النفط.

وأعقب ذلك، حدوث صدع كبير في الجبهة التي حاولت واشنطن وطوكيو تشكيلها لمناهضة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، حيث أعلنت دول أخرى ذات ثقل مالي ودولي انضمامها إلى البنك.

وتكمن أهمية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والذي يبلغ رأسماله 100 مليار دولار، في أنّه يبدو كمن يتجاوز البنك وصندوق النقد الدوليين، ويعطي نافذة جديدة للاستثمار في مشروعات البنية الأساسية في آسيا. حيث يهدف هذا البنك بالأساس إلى تلبية الطلب الكبير على تمويل هذه المشروعات قدر الإمكان. وتشير كثير من التقديرات الصادرة عن مؤسسات التمويل العالمية إلى أن احتياجات الاستثمار في مثل هذه المشروعات تتجاوز 73 مليار دولار خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2020، مؤكدة على أن البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي وغيرهما من مؤسسات التمويل الدولية لا يمكنها تلبية مثل هذه الاحتياجات التمويلية الضخمة في الدول الآسيوية. ومن هنا تنبع أهمية هذا البنك المدعوم من الصين، التي تمتلك حاليا أكبر احتياطي عالمي من العملات الأجنبية مقداره حوالي 4 تريليونات دولار. ولذلك فإنّ هذا البنك من شأنه أن يكون عاملا مساعدا أو مكملا أساسيا إلى حد كبير لمؤسسات التمويل الدولية والإقليمية القائمة مثل صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الآسيوي. كما أنّه يمكن أن يساعد أيضا على بث روح تنافسية مطلوبة بشدة في ظل نظام الإقراض العالمي الحالي الذي تحتكره واشنطن.

ويفسر كثير من الخبراء حماس بكين لتأسيس البنك بكثير من العوامل المهمة، لعل في مقدمتها ميل القيادة الصينية في الآونة الأخيرة إلى بناء علاقات اقتصادية وثيقة مع جيرانها الآسيويين كوسيلة لزيادة نفوذها السياسي والدبلوماسي في آسيا لمواجهة ما بات يعرف بـ”الاحتواء” الأميركي المتزايد لها.

هذا الحماس الصيني يفسر المخاوف الأميركية من أن بكين سوف تستخدمه لتحقيق غايات سياسية أو اقتصادية ضيقة، خاصة أنّ حصتها فيه، والتي تمثل ما نسبته 30 بالمئة تقريبا، سوف تكون الأكبر من 57 دولة مشاركة، مما يمكن أن يعطي بكين عمليا ما يشبه الفيتو فيما يتعلق بقراراته. وهذا يعد مصدر القلق الرئيسي بين الاقتصاديين في مجال التنمية والمراقبين للعلاقات الخارجية.

ولذلك فمن المتوقع ألاّ تستسلم الولايات المتحدة، تجاه "كابوس" تعاظم النفوذ الاقتصادي والمالي والسياسي لبكين في آسيا وطموحها لمدّ ذاك النفوذ إلى مناطق. وهو ما ينبئ بفصول أخرى قادمة في سياق الصراع الحامي على النفوذ الذي بدأ يوحي بدوره بأنّ العالم مقبل على مستقبل يتّسم بتعدد الأقطاب.

7