بنك الجزائر المركزي يتدخل لتخفيف اختناق السوق النقدية

تحذيرات من تقلص هوامش مواجهة أزمة انهيار أسعار النفط ووباء كورونا.
الاثنين 2020/09/21
سيولة مفقودة

اضطر بنك الجزائر المركزي، للتدخل للمرة الثالثة على التوالي خلال الأشهر الستة الأخيرة، من أجل فك الاختناق على السوق النقدية، باللجوء مجددا إلى تخفيض سعر الاحتياطي الإلزامي للبنوك والمصارف التجارية في البلاد، بهدف السماح بضخ سيولة نقدية تستجيب لحاجيات المستهلكين بعد عدة أسابيع من التخبط.

الجزائر – يعكس تدخل البنك المركزي لتخفيف اختناق السوق النقدية بعد أشهر من شح السيولة في ظل تصاعد تحذيرات الخبراء من أزمة تمويل خطيرة، ارتباك السلطات في مواجهة تداعيات انهيار أسعار النفط والوباء في وقت يشتد فيه الاحتقان الاجتماعي.

وقررت لجنة عمليات السياسة النقدية التابعة لبنك الجزائر، اللجوء مجددا إلى خفض سعر الاحتياطي الإلزامي، وهو مستوى الأصول التي يتعين على المؤسسات المصرفية والمالية أن تحتفظ بها مع البنك المركزي، من 6 في المئة إلى 3 في المئة، كما قررت اللجنة تفعيل عمليات إعادة التمويل الرئيسية خلال شهر واحد.

وحسب بيان للبنك، فإن هذه القرارات جاءت لتعزز قرارات سابقة اتخذت في أبريل الماضي، حيث تجعل من الممكن للنظام المصرفي أن يعمل على تحرير كميات إضافية من الموارد، وإتاحة موارد إضافية للبنوك والمؤسسات المالية لتمويل الاقتصاد الوطني ودعم النشاط الاقتصادي.

وتأتي تدابير السياسة النقدية الجديدة، تفاعلا مع انكماش السيولة المصرفية، لاسيما مع ظهور أزمة سيولة نقدية خانقة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث ذكر البنك في تقرير له خلال شهر جوان الماضي حول الوضعية الاقتصادية في الربع الأول من العام الجاري، بأن “إجمالي السيولة المصرفية استمر في الانحدار خلال العام 2020”.

وأضاف “رغم الانخفاضات المسجلة خلال العامين 2015 و2016، إلا أن السيولة المصرفية استقرت بشكل جيد نسبيا، بعد إطلاق عمليات ضخ السيولة في السوق المفتوحة بداية مارس 2017 ثم نمت بقوة في نوفمبر 2017 بعد تنفيذ التمويل غير التقليدي (طبع النقود)”.

وأمام تشبع السوق النقدية، قرر البنك زيادة سعر الاحتياطي الإلزامي إلى 8 في المئة في يناير 2018، ثم إلى 10 في المئة في يونيو 2018، وأخيرا إلى 12 في المئة في فبراير 2019، ولأن لوحة الأوراق النقدية كانت في وضع الاستعداد منذ منتصف العام الماضي، فإن البنوك التجارية شهدت مرة أخرى انخفاضا في مستوى السيولة لديها، وهو ما اضطر البنك المركزي إلى خفض معدل الاحتياطي الإلزامي من 10 في المئة إلى 8 في المئة في مارس 2020. كما خفض أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساسية إلى 3 نقاط، بحسب تقرير البنك المركزي.

البنك المركزي يقرر خفض سعر الاحتياطي الإلزامي من 6 إلى 3 في المئة، وتفعيل عمليات إعادة التمويل الرئيسية

وفي شهر أبريل الماضي، عاد البنك إلى الانخفاض مجددا بمقدار 25 نقطة أساسية وهو السعر الأساسي المطبق على عمليات إعادة التمويل الرئيسية، إلى 3 نقاط أساسية، وأنزل الاحتياطي الإلزامي من 8 في المئة إلى 6 في المئة، بغرض توليد موارد تمويل جديدة للاقتصاد المحلي، قادرة على تخفيف التأثير المزدوج المترتب على جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط على النمو.

وكان مدير البنك السابق ووزير المالية الحالي أيمن عبدالرحمن، قد أرجع في تصريح له بأن “النقص النقدي الأخير في البلاد يرجع أساسا إلى تباطؤ الاقتصاد المحلي، نتيجة الإغلاق الذي فرضه وباء كورونا، خاصة في القترة الممتدة بين مارس ويوليو الماضيين”.

وقال “إن توفر السيولة من المتوقع أن يتم بحلول شهر أكتوبر على الأكثر، مع استئناف الأنشطة الاقتصادية”، لكن خبراء الاقتصاد يرجعون الظاهرة إلى “الصعوبات البنيوية التي يواجهها النظام المصرفي في ما يتعلق بتعبئة المدخرات واستخدامها، حيث يعتبر جمع الموارد بمثابة نقطة ضعف النظام المصرفي الجزائري”.

ومن بين حوالي خمسة آلاف مليار دينار من العملة الائتمانية المتداولة، والتي تمثل نحو 32 في المئة من إجمالي المعروض النقدي، فإن ما بين 1500 إلى 2000 مليار دينار تمثل مدخرات الوكلاء الاقتصاديين، باستثناء الدوائر المصرفية، وقد حدثت زيادة في عمليات السحب النقدي منذ بداية الوباء.

تراجع أسعار النفط عمّق الأزمة الاقتصادية
تراجع أسعار النفط عمّق الأزمة الاقتصادية

ويرى الخبير المالي فريد بورناني، بأن قرار البنك باللجوء مجددا إلى خفض معدل الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلى حدود 3 في المئة، يشير إلى الافتقار للسيولة النقدية، وأن الحكومة التي تبحث عن حلول فورية، لا تملك مجالا واسعا للمناورة في مواجهة هذا الوضع.

وقال “إنه مؤشر واضح على الافتقار للسيولة المصرفية، وهو ببساطة إعادة السيولة إلى البنوك، التي تعاني إلى حد كبير، وأن الشعور بانعدام السيولة صارا متفاقما، ويتعين علينا أن ننزعج لهذا الأمر، لأن المشكلة لا تكمن في القرار المتخذ، وإنما تكمن في التمويل”.

وأضاف “يتعين على الحكومة أن تقيّم الأرصدة المتعثرة، وهو ما يتطلب إما تمويل هذه المشاريع وإما تكبد المزيد من الخسائر، وفي كلا الحالتين، سيؤثر ذلك سلباً على رأس مال البنوك”.

وشدد “بدأت مشكلة السيولة خلال العام 2015 مع دخول صندوق الاستثمار الوطني إلى رأسمال شركة جيزي للاتصالات الخلوية، وبعد ذلك، كانت الأزمة الاقتصادية والقروض الممنوحة لمجموعات كبيرة”.

وفي إجراء يستهدف التخفيف من وطأة شح السيولة قرر بريد الجزائر مؤخرا بإيعاز من الحكومة، فرض قيود على سحوبات الشركات، كما علق عمليات السحب من المكاتب البريدية للأشخاص المعنويين الحائزين على حسابات بريدية، لكن الوضع بقي متأزما ولا يحمل بوادر حل للأزمة.

ولا يستبعد أن تطول الأزمة في ظل غياب حلول ناجعة، كما ينتظر أن تتوسع لتشمل مؤسسات مصرفية وشركات التأمين، خاصة في ظل تقلص الودائع من طرف الشركات الناشطة على غرار سوناطراك النفطية وسونلغاز (الكهرباء والغاز)، والخطوط الجوية والنقل العمومي، وهي قطاعات تأثرت بالجائحة الصحية.

10