بنما ليكس: عاصفة استقصائية تفتح صناديق الملاذات الضريبية

شكلت وثائق بنما التي تم تسريبها مساء الأحد والتي تضمنت أكثر من 11 مليونا ونصف مليون وثيقة سربتها الصحيفة الألمانية “زود دويتشه تسايتونغ” بالتعاون مع “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، الحدث الأكبر منذ بداية سنة 2016، نظرا لطبيعة المعلومات التي تضمنتها، والأسماء الكبيرة التي بدت حسب الوثائق في قفص اتهامات خطيرة. ورغم تعدد المسؤولين الذين وردت أسماؤهم في هذه الوثائق، إلا أن الكرملين اعتبر أن هذه التسريبات تمت فقط بهدف استهداف روسيا وخاصة الرئيس فلادمير بوتين.
الثلاثاء 2016/04/05
التهرب الضريبي مهنة جديدة لكبار الشخصيات في العالم

باريس - كشفت تسريبات جديدة تورّط عدد من قادة العالم والمشاهير ونجوم الرياضة في فضيحة عالمية تكشّفت خيوطها الاثنين حول حسابات مالية لتهريب أموال إلى ملاذات ضريبية. وجاءت كوريا الشمالية وسوريا وزيمبابوي وإيران وروسيا، في مقدمة الدول؛ فيما جاء في التوضيحات المصاحبة للوثائق المسربة أن القادة الأكثر نفوذا حول العالم هم من استغلوا ذلك النفوذ لإخفاء ثرواتهم.

وكشف هن هذه المعلومات تحقيق صحافي ضخم استمر عاما كاملا في نحو 11,5 مليون وثيقة سرّبت من مكتب المحاماة موساك فونسيكا الذي يعمل في مجال الخدمات القانونية منذ أربعين عاما وله مكاتب في 35 بلدا، عن شبكة من التعاملات المالية السرية تورط فيها عدد من النخبة العالمية من بينهم مساعدين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأقارب الرئيس الصيني شي جينبينغ، وعشرات النواب والمانحين الدوليين وعدد من مشاهير السينما والرياضة إلى جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي لم يستفق بعد من الفضائح المتتالية التي هزت أعلى هرمه في الأشهر الأخيرة.

وحصلت صحيفة “تسود دويتشه تسايتونغ” على الوثائق التي أصبحت تعرف باسم “أوراق بنما” من مصدر مجهول، ووزعها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين على 370 صحافيا من أكثر من سبعين بلدا من أجل التحقيق فيها في عمل مضن استمر حوالي عام كامل.

وكانت القناة الأولى بالتلفزيون الألماني “ايه آر دي” قد ذكرت أن المستندات المسربة تشتمل رسائل بريد إلكتروني ووثائق وبيانات مصرفية وصورا من جوازات سفر ووثائق أخرى عن نحو 215 ألف شركة أجنبية، وجاء من بين المستفيدين من خدمات هذه الشركات 12 زعيم دولة و128 سياسيا آخرين ومؤسسات مالية دولية وبينها 15 مصرفا ألمانيا أو مصارف تابعة لمصارف ألمانية.

تسريبات بنما تعتبر أكبر تسريب لأوراق في التاريخ، وهو لقب كان من نصيب تسريبات ويكيليكس الشهيرة

وتغطي وثائق بنما فترة تتجاوز 40 عاما من 1977 وحتى ديسمبر الماضي ويزعم أنها تظهر أن بعض الشركات التي توجد مقارها الرسمية في ملاذات ضريبية تُستغل فيما يشتبه أنها عمليات غسل أموال وصفقات سلاح ومخدرات إلى جانب التهرب الضريبي.

ورغم أن التعاملات المالية من خلال شركات أوفشور لا تعتبر غير قانونية بحد ذاتها، إلا أنه يمكن استغلالها لاخفاء أصول عن هيئات الضرائب، وتبييض أموال يمكن أن يكون مصدرها نشاطات لإجرامية، أو إخفاء ثروة تم الحصول عليها بشكل غير قانوني.

وتعتبر تسريبات بنما أكبر تسريب لأوراق في التاريخ، وهو لقب كان من نصيب تسريبات ويكليكس الشهيرة، التي استحوذت، ولاتزال، على الاهتمام العالمي، وكشفت عن الكثير من الأسرار التي لم تكن لتخرج للعلن إلا بعد أن تفرج عنها الحكومات بنفسها، وبعد مرور عدد محدّد من السنوات. وعادة ما تكون الوثائق المفرج عنها تأكيدا لقراءات سابقة قام بها الخبراء ونشرتها وسائل الإعلام، فيما عدى ذلك تبقى كثير من العمليات في طي الكتمان.

ويتوقّع أن تلاقي تسريبات بنما اهتمام مماثلا بل وأكبر، وفق المراقبين، نظرا لاتساع رقعة هذه التسريبات والأسماء المذكورة فيها، وبالأساس لأن موضوعها يركّز على الفساد المالي وتهريب أموال إلى ملاذات ضريبية، وأيضا للفترة الحرجة التي خردت فيها هذه التسريبات، والتي يقول خبراء وحتى سياسيون إنها جزء مما يجري في العالم من زخم وأحداث.

ويذهب بعض الخبراء إلى أن ما نشرته وثائق بناما، وقبل ذلك ويكيليكس، وحتى سنودن، عن بعض الحكومات العاملية والعربية كان متعمّدا وأحد أسباب ما يجري في منطقة الشرق الأوسط اليوم. ومن أنصار هذه النظرية الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، الذي، لم تذكر التسريبات اسمه هو شخصيا في التحقيق، لكن ذكرت أسماء مساعدين له. فقد أظهرت الوثائق أن بنوكا وشركات ومساعدين مقربين من الرئيس الروسي متورطين بتهريب أموال تزيد عن ملياري دولار بمساعدة من مصارف وشركات وهمية، وهو ما أكسبهم نفوذا خفيا لدى وسائل الyعلام وشركات صناعة السيارات في روسيا، بحسب الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

وندّدت موسكو بهذه التسريبات، معتبرة أن الرئيس الروسي هو المستهدف الرئيسي بها. وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن “بوتين، وروسيا وبلادنا واستقرارنا والانتخابات المقبلة، كلها الهدف الرئيسي وخصوصا من أجل زعزعة الوضع”. وأضاف أن “لا شيء جديدا أو ملموسا” حول الرئيس الروسي في التسريبات.

ورفض آخر، جاء من باكستان، حيث دافعت عائلة رئيس الورزاء الباكستاني نواز شريف عن امتلاكها لشركات أوفشور بعد أن ورد اسمها في أوراق بنما. وجاء في تلك الأوراق أن السجلات تظهر أن ثلاثة من أبناء نواز شريف الأربعة يمكلون شركة عقارية في لندن من خلال شركات أوفشور أدارها مكتب المحاماة.

وقال حسين ابن شريف، لإذاعة “جيو”، أكبر إذاعة خاصة في البلاد، أن عائلته “لم ترتكب أي خطأ”. وأضاف أن “ليس هناك ما يعيب” في ممتلكات العائلة في لندن، وقال “لم أخفها أبدا ولست بحاجة الى اخفائها”.

وقال رامون فونيسكا، أحد مؤسسي مكتب المحاماة إن التسريبات “جريمة، وجنحة” و”هجوم على بنما”. وأضاف أن “بعض الدول لا يعجبها أن لنا ميزة تنافسية تجذب الشركات”. وأعلنت حكومة بمنا أنها “لا تتساهل” مع أية صفقات مشبوهة، واعدة بـ”التعاون القوي” مع أي تحقيق قانوني.

تحرك أوروبي

فضحت أوراق بنما عشرات السياسيين الأوروبيين المتورطين في أعمال مالية مشبوهة، من بينهم عشرات من المانحين، وأسماء بريطانية كبرى، بما يضع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في موقف محرج وهو الذي ستستضيف بلاده “القمة الدولية لمكافحة الفساد”، الشهر المقبل، ويبدعو إلى المبادرة في تنظيف النظام الذي يضر ويؤذي بعض من أفقر الناس في العالم.

ومن فرنسا، أكد الرئيس فرنسوا هولاند، أن ما كشفته التحقيقات عن الملاذات الضريبية مهم وسيؤدي إلى فتح تحقيقات بشكل واسع في هذه القضايا وستُجرى محاكمات في فرنسا. كما اعتبر “التسريبات أنباء طيبة لأنها ستزيد من عائدات الضرائب المحصلة ممن يمارسون الاحتيال.”

وتتحرى السلطات في النمسا والسويد والنرويج وهولندا في أمر عملاء محليين لمؤسسة قانونية تتخذ من بنما مقرا لها وردت أسماؤهم في تسريبات ضخمة للبيانات وذلك للتحقق من حالات تهرب ضريبي محتملة.

ويحقق جهاز مراقبة الأسواق المالية في النمسا فيما إذا كان بنك رايفايسين الدولي وهايبو لاندسبنك فورارلبيرج قد التزما بقواعد مكافحة غسل الأموال بعد أن ورد اسماهما في تسريبات وثائق واسعة النطاق.

واتصلت هيئة الرقابة المالية في السويد بالسلطات في لوكسمبورج لطلب معلومات ذات صلة بمزاعم أفادت بأن مجموعة نورديا البنكية ساعدت بعض العملاء على فتح حسابات في ملاذات ضريبية في الخارج.

ووردت المعلومات بشأن نورديا ضمن تسريب أكثر من 11.5 مليون وثيقة من ملفات مؤسسة موساك فونسيكا القانونية ومقرها بنما. وقال كريستر فوروشدت، رئيس قسم مراقبة البنوك السويدية الكبرى في هيئة الرقابة المالية “نأخذ هذا الأمر على محمل الجد “.

وغرمت نورديا 50 مليون كرونة (6.14 مليون دولار) في مايو أيار 2015 بسبب عيوب في تعاملها مع غسل الأموال. كما قالت هيئة الرقابة المالية في النرويج إن الكشف عن مساعدة بنك “دي.ان.بي” النرويجي لعملاء في تأسيس شركات معاملات خارجية في جزر سيشيل قد يقوض الثقة في القطاع المالي بشكل عام.

وفي أمستردام قالت السلطات الهولندية إنها ستحقق في المزاعم المتعلقة بهولندا في الوثائق المسربة. وقالت وزارة المالية الهولندية في بيان أمس إن هيئة الضرائب “ستحقق بهمة فيما إذا كانت هذه البيانات لها صلة بعمليات تهرب ضريبي”.

وأشارت التحقيقات كذلك بأصابع الاتهام إلى عائلات عدد من كبار المسؤولين الصينيين وقالت إنهم استخدموا ملاذات أوفشور آمنة لاخفاء ثرواتهم. كما أوردت الأوراق أسماء 33 شخصا وشركة على الأقل مدرجين على قائمة وزارة الخارجية الأميركية السوداء بسبب تعاملاتها مع كوريا الشمالية وإيران وحزب الله اللبناني، بحسب اتحاد الصحافيين.

وفي العالم العربي كشفت تسريبات بنما عن فضائح الفساد المالي لعدد من الدول العربية، وجاءت مصر (في عهد حسني مبارك) على رأس هذه الدول، كما جاءت التسربات على ذكر ليبيا وسوريا. وتوقّفت عند إيران التي تعتبر من أكبر المستفدين من هذه العمليات، خصوصا في الفترة التي اشتدّت فيها وطأة العقوبات وتورّطت في العرق وسوريا وفي منطقة الشرق الأوسط ماديا وعسكريا.

تورط النظام السوري

أظهرت تسريبات “أوراق بنما” حول الملاذات الضريبية لشخصيات سياسية كبرى حول العالم لجوء النظام السوري إلى ثلاث شركات وهمية للالتفاف على العقوبات الدولية التي تستهدفه، وفق ما أفادت صحيفة “لوموند” الفرنسية.

وبحسب التحقيق الاستقصائي الضخم الذي شاركت فيه “لوموند” إلى جانب “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، فان سياسة تسجيل شركات في ملاذات ضريبية ليست جديدة على النظام السوري، إذ يتبعها الملياردير رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد منذ فترة طويلة.

ونقلت صحيفة “لوموند” أن “ثلاث شركات سورية تصنفها وزارة الخزانة الأميركية على أنها داعمة لإدارة القمع السورية لجأت إلى مكتب المحاماة البنمي “موساك فونسيكا” لإنشاء شركات وهمية في جزر السيشيل”.

وقالت الصحيفة “هذه طريقة يتبعها النظام السوري للالتفاف على العقوبات الدولية التي تستهدفه منذ بداية النزاع السوري وللتستر على ثروة عائلة الأسد”.

وأفادت صحيفة “لوموند” ان الشركات الثلاث، “بانغاتس انترناسيونال” و”ماكسيما ميدل ايست ترايدينغ” و”مورغان اديتيفز″، “وفرت الوقود للطائرات الحربية السورية، التي قتلت عشرات آلاف المدنيين منذ بداية النزاع″ في العام 2011. وتستهدف العقوبات الأميركية تلك الشركات الثلاث منذ يوليو 2014، و”تعود شركة بانغاتس، المتخصصة في المواد النفطية المكررة، إلى مجموعة عبد الكريم، المقربة من النظام السوري ومقرها دمشق”، وفق الصحيفة الفرنسية.

6