بنوا آمون فرنسي يحلم بالكمال يسميه اليمينيون "بلال"

السبت 2017/03/04
بنوا آمون داهية ضد العولمة همه استعادة المدينة الفاضلة

باريس- أطلقت عليه مجموعة يمينية متطرفة اسم “بلال” لتعيب عليه موقفه الإيجابي من المهاجرين عموماً والمسلمين على وجه الخصوص. لكنه ومن موقع السياسي الواثق بما يفعل كان ردّه بكل بساطة “أفخر بأن أحمل اسم بلال كما يشرفني اسمي إيليا وديفيد وبنوا”، في إشارة منه إلى احترام الديانات الثلاث وإلى تساوي المواطنين الفرنسيين بنظره بعيدا عن أصولهم العرقية أو القومية أو الدينية، فجنسيتهم الفرنسية وانتماؤهم لفرنسا هو الفيصل.

بهذه البداية المختلفة اقتحم وزير التربية الفرنسي السابق ومرشح الحزب الاشتراكي الحاكم بنوا آمون، أو “هامون” كما يسمى أحياناً، السباق الرئاسي مكتسحاً الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية لليسار بانتظار الانتخابات الرئاسية في مايو المقبل بنسبة تزيد عن 58 بالمئة من الأصوات في مواجهة رئيس الوزراء السابق مانويل فالس بعد مشاركة ما يزيد عن مليوني ناخب حسب معهد إيفوب للإحصاء.

عاش آمون بين خليط من الحضارات بحكم عمل والده المهندس في الإنشاءات البحرية حيث انتقل وهو ابن تسع سنوات إلى العاصمة السنغالية داكار وعاد منها وهو ابن ثلاثة عشر عاماً، عاد مع والدته بعد انفصالها عن والده.

وما لهذه الفترة من أهمية في تكوين شخصية الفرد فقد أثرت أيضا في شخصيته تأثيرا جمّا حيث جرّب أن يكون مختلفاً باللون والمنبت بين أقرانه، هذا الشعور الذي خبره باكرا قد يكون السبب المباشر في جعله يقبل الآخر بطريقة طبيعية غير متكلفة ومن دون قرار بالرغم من التربية الفرنسية العلمانية والتي تنظر للإنسان دون تمييز إلا أن طبقة من السياسيين كانت دائما مختلفة عن ذلك حتى وإن ادعت العكس، وما كان عندهم مجرد برنامج انتخابي كان عند آمون حقيقة خالصة وطريق حياة. ولد آمون في السادس والعشرين من يونيو عام 1967 في حي سانت رينان على ضفاف نهر إيفيلين وسط فرنسا لأب فرنسي كان يعمل مهندساً في ترسانة “دي سي إن” للإنشاءات البحرية ولأم فرنسية عملت كسكرتيرة مكتب لإحدى الشركات الوطنية.

شغف بالمظاهرات

بدأ اهتمامه السياسي باكرا. ففي التاسعة عشرة من عمره كان أحد المشاركين في تظاهرات الطلبة ضد مشروع قانون وزير التعليم السابق آلان ديفاكيه عام 1986، وكانت هذه المظاهرة تمثل أول نشاط سياسي للشاب المندفع فشاءت الأقدار أن يكون هو بعد عقدين من الزمن وزيرا للتعليم في مكان الوزير الذي احتج عليه.

التربية الفرنسية العلمانية والتي تنظر للإنسان دون تمييز لم تستطع إجبار طبقة من السياسيين كانت دائما تضمر عكس ذلك على الالتزام بها، وما كان عندهم مجرد برنامج انتخابي كان عند آمون حقيقة خالصة وطريق حياة

التحق بجامعة بريتاني الغربية حيث حصل على إجازة في التاريخ والتي أهلته للعمل كمنظم في الاتحاد القومي لطلاب فرنسا، ليترأس بعدها منظمة حركة الشباب الاشتراكي والانضمام للحزب الاشتراكي في مدينة بريست ويصبح عضوا في منتدى الاشتراكيين بالمدينة برئاسة مانويل فالس، ومن هنا كانت علاقته السياسية بفالس والتي استمرت حتى اليوم وكانت السبب في اختياره وزيرا للتعليم في ما بعد والذي سيصبح غريمه السياسي لاحقا.

ترأس حركة الشباب الاشتراكيين، ثم عمل مديراً التخطيط الاستراتيجي لمعهد الإحصاء الوطني في فرنسا وكان بمجلس إدارة بريتاني سور أورج، وذلك قبل أن يصبح نائباً في البرلمان الأوروبي، ثم الناطق الرسمي باسم الحزب الاشتراكي. وكان دائما رئيس الجناح الليبرالي في كونغرس الحزب الاشتراكي. بالتزامن مع مهمته كناطق رسمي باسم الحزب الاشتراكي صار نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية عن الدائرة الانتخابية الحادية عشرة لإقليم الإيفيلين.

عام 2012 شهد نشاطا سياسيا لافتا لآمون حيث اشتغل على أكثر من مهمة في ذات الوقت ليثبت نشاطه وحماسه وقدرته على التنسيق في العمل وقدرته على الإنجاز. ففي مايو من نفس العام وقع تعيينه من قبل فرنسوا هولاند كمساعد لوزير الاقتصاد في الاقتصاد الاجتماعي، واعتبر العام 2012 هو الذي فتح له أبواب السياسة على مصراعيها.

آمون المتلاعب

كان آمون قد أخذ يصبح رقما سياسيا معروفا في حزبه وبين السياسيين وفي الإيليزيه والشارع معاً، ليتوج عامه باختياره وزيراً للتعليم الوطني العالي والبحث المنصب الذي استمر فيه من أبريل حتى أغسطس 2014 حيث استقال احتجاجاً على تخلي هولاند عن سياسة اليسار التي يعتبر آمون نفسه مدافعاً شرسا عنها.

عندما ينظر الفرنسيون إلى البرامج الانتخابية لمختلف المرشحين للرئاسة فإنهم يضعون في حساباتهم أن هذه الخطب تحمل في طياتها بعضاً من الاستعراض ما يبرر التفاوت الواضح أحياناً بين استطلاعات الرأي الإعلامية حول مرشح ما وبين عدد الأصوات الفعلي الذي يجنيه في الجولات التمهيدية.

هذه المفارقة أو الحقيقة تبدو مختلفة عند آمون الذي يعتبر اشتراكياً في كلامه ومواقفه. يعرفه الناخب الفرنسي منذ زمن بسمعته الحزبية حيث يدين له الاشتراكيون بموقفه الداعم لحقوق المستهلكين إبّان شغله منصباً في وزارة الاقتصاد والتضامن الاجتماعي، أما الانتقاد الوحيد أو المأخذ الذي يؤخد عليه وكان من باب العتب إذ لا يعتبر خطأً سياسياً ولا كبوة بقدر ما كان نوعاً من المثالية الحزبية، إذ تعرض لانتقادات حادة حينما استقال من منصبه كوزير للتربية بعد وقت قصير جداً من توليه فوصفه مناصروه بأنه تخلى عن مهامه حتى قبل بدء أول عام دراسي في ولايته مع أن أسبابه كانت طوباوية ومقنعة، وكما ذكرنا فقد استقال اعتراضاً على تخلي هولاند عن سياسة اليسار.

مجلة ماريان الأسبوعية تصف آمون بـ"الداهية المتلاعب" مطلقة عليه لقب "عميل الحكومة"

تعرض بعدها لحملة انتقادات من وسائل إعلامية فرنسية حيث وصفته مجلة ماريان الأسبوعية بـ”الداهية المتلاعب” وأطلقت عليه “عميل الحكومة”، إلا أن هذه الانتقادات لم تؤثر على قبوله ومواقف الناخبين منه لا داخل الحزب ولا خارجه، وإن كانت قد أثارت حول آمون فترة من التوتر لكنها غاية في القصر مقارنة مع غيره من السياسيين، وهذا ما اتضح في حملته الانتخابية التي عنونها منذ انطلاقتها ”القلب النابض”.

فقد احتشد الآلاف من الشباب المناهض للعولمة والباحث عن سياسة أخرى أو اشتراكية حقيقية في مؤتمرات حملته الانتخابية وراء شعاره “القلب ينبض مجددا” حيث رفض أن يقتصر خطابه على قضايا الأمن والحزم والهوية، وأتاحت له المناظرات الثلاث التي نظمت قبل الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية أن يحقق جماهيرية عريضة.

فالس الذي بات غريمه السياسي اليوم هاجمه متهماً إياه بالتساهل مع المتطرفين الأجانب بعد تصريح آمون بفخره باسم بلال الذي أطلقه عليه اليمينيون نسبة إلى مؤذن الرسول بلال بن رباح الذي تعرّف عليه خلال دراسته للتاريخ الإسلامي.

صحيفة لوفيغارو اليمينية سخرت من أنه يجسد نوعا من اليسار النقي والمثالي والذي يتضح من مسيرته باعتبار أنها مثالية حقيقية وليست ادعاء سياسيا. أما مجلة أوبزيرفاتور اليسارية فترى أنه يجسد اليسار الطوباوي، وقد وصلت المغالاة بمثاليته إلى درجة وصفه بـ”مبعوث العناية الإلهية للاشتراكيين”، وهو اللقب الذي استنكره آمون واعتبره تندرا ووصفه بأنه فكرة غير مسؤولة من قبل من أطلقه، مصراً على كونه قد افتتح طريقاً فقط، مضيفاً “يمكنكم أن تعتبروها صالحة أو لا. لكنها طريق”.

برنامج انتخابي خلاق

في بداية هذا العام فاز آمون أمام خصمه فالس بالانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي الفرنسي ليصبح بذلك مرشح الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة بعد أن أطلق حملته الانتخابية رسمياً الصيف الماضي.

يعرف آمون اليوم بتمثيله للجناح الليبرالي في الحزب الاشتراكي وحزب الخضر وبتقاربه الواضح من المرشح الرئاسي السابق للرئاسة الأميركية بيرني ساندرز والذي اعتبره حليفه عبر الأطلسي، إذ يشترك الاثنان بالكثير من الأفكار الطوباوية ومنها مثلاً أنه يطمح لإعادة صياغة المجتمع الفرنسي وعلاقته بالعمل عبر توفير دخل ثابت لكل المواطنين الفرنسيين ويعتبره مشروعه.

فيرى أن المستقبل هو العمالة التكنولوجية وليس البشرية، وبالتالي من الكافي للعامل الفرنسي 35 ساعة عمل أسبوعيا فقط لا غير. وفي نفس الوقت هو مع ترخيص القنب الهندي، الماريخوانا، والحشيش للقضاء على مافيات الاتجار العابرة للحدود ولتكون هذه التجارة مراقبة بصرامة من الحكومة حرصاً على الشباب الذين لن يفيدهم منع تجارة هذه المواد من الحدّ من انتشارها بل سيترك المجال للمتلاعبين ليعيثوا فسادا بمجتمع الشباب. إضافة إلى ما سبق فهو من المناصرين والحالمين باستغلال الطاقات المتجددة النظيفة والاستثمار فيها بحيث تصبح الكهرباء في كامل فرنسا على الطاقة المتجددة بحلول عام 2025.

بنو آمون يعرفه الناخب الفرنسي منذ زمن بسمعته الحزبية حيث يدين له الاشتراكيون بموقفه الداعم لحقوق المستهلكين إبّان شغله منصباً في وزارة الاقتصاد والتضامن الاجتماعي

ومن دعواته أيضا، والتي تدخل ضمن برنامجه الانتخابي، أنه يريد الانتقال للجمهورية السادسة بدستور جديد؛ الطاقات الثابتة، الماء، الهواء والتنوع البيولوجي. وهو ضد ما يعرف بالليبرالية الجديدة التي تدعو للنمو الاقتصادي غير المحدود ويعتبرها السبب الرئيسي في دمار الكوكب والذي لا بد أن تتضافر كافة الجهود للحفاظ على وطننا الكبير، كوكب الأرض.

حراسة العلمانية

أما في ما يخص علمانية فرنسا والتأكيد عليها فقد أكد آمون مراراً وتكرارا أنه مع الفصل التام للدين عن الدولة مع حماية المعتقدات الدينية الفردية ومنع تشريع أي قانون استنادا على دين معين مهما كانت المطالبات فيه قوية، ما يؤكد صدق الرجل بالفصل الكامل بين تأييده للمعتقدات الفردية من جهة والدفاع عنها وإيمانه بعلمانية دولته هذه العلمانية التي تميز عظمة فرنسا.

لا ينسى آمون الوضع الاقتصادي للبلاد، فهو يصرّ على أن يُضمّن مشروعه نيته بإعادة المفاوضات مع البنوك الكبيرة العابرة للقارات لتكون كل البنوك تحت سقف القانون بمنطقه الذي ينص على أن “فرنسا قادرة على مفاوضة البنوك لكنها غير قادرة على مفاوضة الكوكب”. تلميحاً منه إلى أن من يعرقل مشاريع حماية البيئة والطاقة النظيفة هي البنوك الكبرى الداعمة للمشاريع الضخمة ذات المساهمة الأكبر بدمار كوكبنا وهذا ما يؤكده مراراً.

حيث يؤكد على أن مستقبل الأرض والأجيال القادمة أهم بكثير من مصلحة هذه البنوك التي تشكل الوسيط الأهم في صفقات البترول والطاقة وهي العائق الذي يكاد يكون الوحيد أمام التحول للطاقة النظيفة. وصلت حملة آمون إلى ذروتها في الأسابيع الأخيرة إذ تضاعف عدد مؤيديه ثلاثة أضعاف حجمهم عند بداية مشواره الانتخابي ولم يحملوا عليه أيّ ملاحظة منذ انطلاقته في أغسطس الماضي وحتى اليوم إلا مأخذاً واحداً لا غير وهو الطوباوية والأحلام الوردية.

13