بنوك المغرب تمهد دروب التنمية في أنحاء أفريقيا

دراسات عالمية تؤكد أن انتشار المصارف المغربية في أنحاء أفريقيا يمثل ظاهرة فريدة وبوابة لا غنى عنها للاستثمارات الباحثة عن الفرص الواعدة في القارة.
الخميس 2019/01/17
الدبلوماسية الملكية مفتاح التوسع الأفريقي

الرباط - يقول خبراء إن حضور المصارف المغربية في أفريقيا أوجد نوعا من التكامل الاقتصادي المغربي مع دول القارة، وأن ذلك التكامل أصبح يجذب كبرى الشركات العالمية لزيادة استثماراتها في المغرب والتحالف مع شركاته للتوسع في أفريقيا.

وتشير دراسة لمركز ستراتفور الدولي للدراسات والاستشارات إلى أن المغرب أصبح المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر في العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ويؤكد خبراء المركز أن الرباط باتت تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار الاقتصادي والسياسي نتيجة للإصلاحات السريعة والحاسمة خلال السنوات الأخيرة، والتي عززت النمو القوي في قطاعات التصنيع والمصارف والسياحة والطاقة.

ومع اختفاء البنوك الأوروبية من أفريقيا، يستخدم المغرب دوره المالي لإبراز قوته في جميع أنحاء القارة على أمل أن يصبح بلدا أكثر ثراء ونفوذا على الصعيد الدولي مستفيدا من كونه من أكثر الدول استقرارا في أفريقيا.

ويغيب المغرب عن النقاشات المقلقة بشأن استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن ظل بعيدا عن الفوضى التي ضربت المنطقة قبل ثماني سنوات، على عكس العديد من دول المنطقة.

وقد تمكن خلال تلك الفترة من توسيع نفوذه بهدوء في جميع أنحاء أفريقيا، من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

المغرب يحرّك المال

وتقود البنوك المغربية تعاملات مالية كبيرة عبر أفريقيا، وتملك حاليا شراكات وحصصا في أكثر من 20 دولة أفريقية معظمها في غرب القارة. ومع شراء التجاري وفا، أكبر بنك في المغرب، لبنك باركليز مصر سنة 2016، ظهرت النية للتوسع في كل أرجاء أفريقيا.

انتشار المصارف المغربية في أنحاء أفريقيا يمهّد الطريق لزيادة حضور استثمارات الشركات المغربية في الدول الأفريقية.

ومنذ ذلك الحين، دخلت البنوك المغربية في عمليات استحواذ في مناطق بعيدة مثل جزيرتي موريشيوس ومدغشقر. وأشار ممثلون في القطاع المصرفي ومسؤولون في بنك المغرب المركزي، إلى خطط للتسلل إلى القطاع المالي في بلدان شرق أفريقيا مثل رواندا وكينيا وحتى إثيوبيا التي تفرض قيودا مالية مشددة.

وفي الوقت الذي تنغمس فيه البنوك المغربية بشكل أكثر عمقا في أنحاء أفريقيا، تواصل العمل كبوابة للشركات المغربية الكبيرة والمتوسطة التي تسعى إلى الحصول على فرص في الأسواق الأفريقية الواعدة.

وأعلنت شركة اتصالات المغرب قبل أسابيع عن زيادة سنوية في قاعدة مستخدميها بلغت 9.7 بالمئة لتصل إلى 60 مليون مستخدم، ينتشر جميعهم في أكثر من نصف دول في وسط وغرب أفريقيا.

وفي تلك الأثناء، وقّع العاهل المغربي الملك محمد السادس اتفاقا مع الرئيس النيجيري لبناء خط أنابيب الغاز الذي يمتد بين البلدين بموازاة سواحل غرب أفريقيا وسيكون له دور كبير في إنعاش الدول التي يمر بها.

كما دخلت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط المملوكة للدولة، وهي شركة عملاقة يقع مقرها في الدار البيضاء، في شراكة مع إثيوبيا لبناء أكبر مصنع للأسمدة في القارة بتكلفة إجمالية تبلغ 3.6 مليار دولار.

وكان المغرب يخطط في البداية لإنفاق أموال في ميناء بجيبوتي حتى يتمكن من التعامل مع شحنات حامض الفوسفوريك العادية، لكن عودة العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا قد تسمح للرباط بتوجيه استثماراتها نحو الموانئ الإريترية.

دوافع استراتيجية

ونجا المغرب إلى حد كبير من الركود العالمي الكبير، حيث لم يكن لديه سوى الحد الأدنى من الاندماج مع الأسواق المالية الدولية. لكن تباطؤ منطقة اليورو عرقل في السنوات الأخيرة نمو قطاع الصادرات المغربية، الذي يعتمد على أوروبا.

ومنذ ذلك الحين، أعادت الرباط صياغة سياستها المالية بهدف تنويع دخلها مع تزايد الفرص في اقتصادات دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى القريبة جغرافيا ونمو طبقتها المتوسطة.

ويعتزم المغرب ترسيخ مكانته كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا، حيث تلعب مصارفه دورا محوريا في تسهيل الاستثمارات في الفرص الأفريقية الكبيرة.

وقد راقبت الشركات الأوروبية مشاريع المغرب الأفريقية بحماس، متلهّفة إلى اتساع دوره كبوابة إلى الأسواق الأفريقية. وبدأت الحروب التجارية، التي أدت إلى زيادة التعريفات الجمركية وإلحاق أضرار بالكثير من الشركات الكبرى في الدول المتقدمة وتقليص قدرتها على التصدير للبلدان الأفريقية.

وأصبحت تلك الشركات ترى في التكامل الاقتصادي للمغرب مع أفريقيا جنوب الصحراء بمثابة فرصة لإنشاء مصانع في المغرب كقاعدة للتوسع في الأسواق الأفريقية.

وأصبحت لدى شركات صناعة السيارات الفرنسية والإيطالية رينو ومجموعة بيجو ستروين وفيات، مصانع إنتاج في المغرب. كما تبني شركة بي.واي.دي. أوتو الصينية، المدعومة من المستثمر الأميركي الثري وارن بافيت، مصنعا للسيارات في مدينة طنجة.

البنوك المغربية تبدي اهتماما متزايدا بأفريقيا وهي مستعدة للمخاطرة بسبب قدرتها التنافسية وخبرتها بالأسواق
البنوك المغربية تبدي اهتماما متزايدا بأفريقيا وهي مستعدة للمخاطرة بسبب قدرتها التنافسية وخبرتها بالأسواق

ووعدت الحكومة المغربية المصنع الصيني بتقديم حوافز ضريبية وتقديم الأراضي المدعومة مقابل إقامة وحدات صناعية جديدة خلال خمس سنوات.

ويتطلب التكامل الاقتصادي المغربي مع الدول الأفريقية الأخرى بعض التنازلات، وتعزز البلاد دفعها الاقتصادي بالجهود السياسية وتوفر الخدمات المصرفية.

ونجح الملك محمد السادس المعروف بجولاته الماراثونية الدبلوماسية في 2017 في إعادة بلاده إلى الاتحاد الأفريقي بعد عقود من احتجاجها على موقف الاتحاد الأفريقي من جبهة البوليساريو وتمكن من تغيير مواقفه من تلك الجبهة الانفصالية.

وتكشف عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي عن أن الرباط تعمل على تحولات استراتيجية، وتتطلع إلى ما هو أبعد من تأمين مصالحها الجيوسياسية، وتركز على نفوذها الاقتصادي في أفريقيا.

وظهر ذلك بوضوح عندما تقدمت الرباط بطلب للحصول على عضوية المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيداو)، وهي اتحاد إقليمي يتكون من 15 دولة.

وبينما يضغط الاتحاد الأفريقي لتحرير التجارة في القارة، فإن العضوية الكاملة للمغرب من شأنها أن تسهّل الصادرات إلى البلدان الأعضاء من خلال القضاء على الحواجز القائمة.

وفي الوقت الراهن، تضغط النقابات العمالية النيجيرية لعرقلة قبول الرباط خوفا من هيمنة الشركات المغربية متعددة الجنسيات بخبرتها الكبيرة وتقدمها التكنولوجي.

كما طالب أعضاء آخرون في الكتلة المغرب بتخفيف قيود السفر المفروضة على مواطني مجموعة سيداو. وهذا من شأنه أن يجعل دولا أوروبية غير راضية، لأنه قد يشجع المزيد من سكان غرب أفريقيا على السفر إلى المغرب على أمل عبور الحدود إلى أوروبا بشكل غير قانوني. وتناقش دول الاتحاد الأفريقي حاليا اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية عبر تسليط الضوء على اتفاقيات تجارية قائمة أو مقترحة بين المغرب والدول الأخرى. وحتى تصبح الاتفاقية سارية المفعول يجب مصادقة 22 دولة على شروطها.

مخاطر التقدم

وكانت البنوك الأوروبية خلال السنوات الماضية تبتعد عن أفريقيا لأسباب مثل انخفاض أسعار السلع، وقد أثر ذلك على العديد من الاقتصادات الأفريقية.

وعلى عكس ذلك، فإن البنوك المغربية تبدي اهتماما متزايدا بأفريقيا، وتبدي استعدادا أكبر للمخاطرة ويرجع هذا السلوك جزئيا إلى طبيعة قدرتها التنافسية وخبرتها في أفريقيا التي توفر مساحة كبيرة لنمو طموحات الرباط.

استثمارات مغربية في أفريقيا

  • البنوك المغربية تملك حصصا في 20 دولة أفريقية
  • خطط جديدة للتوسع في رواندا وكينيا وإثيوبيا
  • خدمات اتصالات المغرب تغطي نصف دول غرب ووسط القارة
  • بناء خط أنابيب للغاز مع نيجيريا إلى موانئ المغرب
  • استثمارات أفريقية كبيرة للمكتب الشريف للفوسفاط

ويسلّط تقرير لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني في عام 2017 الضوء على الدور المتنامي للبنوك المغربية في الاستثمار في البلدان الأفريقية. وكانت الوكالة تخشى من ضعف رؤوس أموالها مقلة متانة أصولها، الذي قد يجعلها عرضة لقسوة التقلبات الاقتصادية.

لكن المصارف المغربية نجحت في الامتحان وأصبحت تحقق ما يقرب من ثلث إجمالي أرباحها من الشركات التابعة في جميع أنحاء أفريقيا.

وحتى لو بقيت أسواق رأس المال المحلية قوية وظلت ديونها العامة منخفضة، فإن أي ركود مستقبلي تتعرض له اقتصاديات أفريقيا، يمكن أن يعرض البنوك لخسائر كبيرة ويعيد المغرب إلى وضع أقل استقرارا مما كان عليه قبل عقد من الزمان.

ويبقى ارتفاع البطالة في المغرب وخاصة بين الشباب من العوائق الرئيسية أمام سعي الرباط لتعزيز نفوذها الدولي في الدول الأفريقية. وتشير البيانات إلى نسبة البطالة بين الشباب تصل إلى 27 بالمئة، أي ما يعادل 3 أضعاف المعدل الوطني.

ويبدو أن صناع القرار في الرباط يدركون الحاجة الملحة لإشراك الشباب العاطلين عن العمل في جدول أعمالهم التنموي.

وقد خصّصت الرباط في السنوات الأخيرة الإيرادات التي حققتها من خفض دعم الطاقة لدعم برامج التوظيف. لكنها إذا لم تتمكن من إحراز تقدم ملموس وتحسين الأوضاع الاجتماعية في الداخل، فإنها قد تضطر إلى إيقاف خطط التوسع في أنحاء أفريقيا.

10