بنو معروف أهل المعروف

الأربعاء 2015/06/17

مجزرة قلب اللوز التي ارتكبت بحق الموحدين الدروز في سوريا، تزامنت مع محاولة النظام البعثي إشعال الفتنة بين درعا والسويداء. ولله الحمد، تم تدارك الأمر باعتذار جبهة النصرة، الذي لا يعني خروجها من تصنيف الإرهاب، عن مجزرة إدلب، ويقظة الجيش الحر (الجبهة الجنوبية) وأهل السويداء، حيث صدر بيان مشترك من قادة الجبهة وشيوخ السويداء أدان أساليب النظام القمعية والتأجيجية.

لقد أراد محور الممانعة معاقبة الموحدين الدروز بسبب مواقفهم الصادقة مع العروبة، فدروز سوريا انحاز أغلبهم إلى الثورة رفضا للاستبداد وللتبعية الفارسية، ودروز لبنان كانوا حجر الزاوية في الاستقلال الثاني عبر وليد جنبلاط الذي تصدر حملة طرد الوصاية السورية من لبنان.

بنو معروف، أو الموحدون الدروز، المعروفة تاريخيا باسم “فرسان السنة”، لم يغيبوا يوما عن المفاصل التاريخية في المنطقة، بل هم المتفاعلون مع قضايا محيطهم إلى درجة التصدر، فحين نذكر الثورة العربية الكبرى لا يغيب عن سياقاتها سلطان باشا الأطرش، وحين نذكر القضية الفلسطينية لا بد أن نستحضر كمال جنبلاط وسميح القاسم، ومن ينسى الأمير شكيب أرسلان المفكر الإسلامي التجديدي، وحين نتحدث عن القومية العربية فنحن نشير إلى كل موحد. وقبل كل ذلك، لعب الدروز دورا مؤثرا في صد الهجوم المغولي على العرب، وكانت مساندتهم للمماليك في معركة عين جالوت من أسباب النصر الرئيسة.

ونذكر هنا بمؤتمر الدروز الأول في لبنان عام 2010، حيث أكد ممثلو الطائفة الدرزية من كل أنحاء العالم بما في ذلك الأراضي المحتلة، انتماء الطائفة إلى القومية العربية والاسلام، ودعوا إلى تعزيز التواصل لحماية معتقداتهم. وقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط “أردنا التأكيد على قوميتنا العربية لأن العروبة حمايتنا”، وتابع “نحن أقلية ولا نستطيع أن نعيش دون الإطار العربي العام، نحن عرب ولسنا انعزاليين”.

بنو معروف هم أهل سلم وسلام إلا في حال الاعتداء عليهم أو في حال تلبية القضايا الكبرى، من مزاياهم غياب التبشير والطقوس، والغوص في الفلسفة، يمكننا أن نعدّها إحدى طرق التصوف كما يعرفها أحد شيوخهم “ترك المذمومات وتبني المحمودات وصولا إلى تجلي رب السماوات”.

في أكتوبر 2014، صرح الزعيم اللبناني والرمز الدرزي وليد جنبلاط مطالبا طائفة الموحدين بالعودة إلى أصول الدين الإسلامي وأركانه الخمسة، مشددا العزم على بناء جامع في المختارة وابتعاث طلاب العلم الدروز إلى الأزهر.

موقف جنبلاط ليس شاذا، فمن أراد التعرف على عقائد الموحدين الدروز بإمكانه مراجعة كتاب “مذاهب الإسلاميين” لعبدالرحمن بدوي، وكتاب “أضواء على مذهب التوحيد” لسامي مكارم، وكتاب “الموحدون الدروز في الإسلام” للشيخ مرسل نصر.

يعتقد الموحدون الدروز أن الله واحد أحد، لا إله إلا هو، ولا معبود سواه الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الأزواج والعدد، وهو الحاكم الفعلي والأزلي للكون وممثوله في القرآن (على العرش استوى) و(أحكم الحاكمين)، فهو الحاكم الأحد المنزه عن عباده ومخلوقاته وعن وصف الواصفين وإدراك العالمين. وغاية مذهبهم هي رفع البشر إلى منازل عالية، وهي تبدأ من مرحلة الموحد وهي اتباع حلال الحلال، أي أفضله، ومبادئ التوحيد، وهي الفضائل العفية والعدل والطهارة، ثم منزلة حرف الصدق، ثم منزلة الحدود، ثم منزلة المؤانسة أو الناسوت، وهي سعادة السعادات وغاية الغايات من خلق النفوس وهي جوهر التوحيد.

والوصايا السبع عند الموحدين الدروز، هي: صدق اللسان، حفظ الإخوان، ترك عبادة العدم والبهتان، البراءة من الأبالسة والطغيان، التوحيد، الرضا والتسليم. وكتاب عقيدتهم الأساسي (رسائل الحكمة) هو تفسير باطني للقرآن الكريم.

الأزهر موقفه واضح من الطائفة، أصدر شيخ الأزهر عام 1959 فتوى صريحة ترفض تكفير الدروز ويؤكد انتماءهم إلى الإسلام، وأعاد الأزهر تأكيد موقفه عبر لجنة الإفتاء عام 1983.

هذا الموقف لم يكن حكرا على الأزهر، فقد أصدرت دار الفتوى السورية قرارا يعترف بالعلويين وبالدروز ضمن النسيج الإسلامي، وامتدت هذه المواقف إلى شخصيات علمية مرموقة، سنيّا كالقاضي اللبناني الفقيه مصطفى الرفاعي الذي قال “إن الدروز (والأصح تسميتهم الموحدون) مسلمون عرب. لم يجانبوا الصواب ولم يخرجوا على حكم قطعي ثابت من الدين بالضرورة، بل بنوا أحكامهم على اجتهاد مقبول وفقه جيّد”، وقال إن “الفوارق بين مذهب التوحيد - الدرزي - وبقية المذاهب الإسلامية التي بنيت على وجهات نظر اجتهادية لا تعدو أن تكون من قبيل الاجتهاد المباح الذي لا يكفر صاحبه”. وشيعيا، قال العلامة محمد حسين فضل الله “العقيدة الدرزية من خلال تصوراتها الإسلامية في الخطوط العقيدية العامة لا تختلف عن أي أساس عقائدي للمسلمين جميعا مع بعض الاختلافات الاجتهادية”.

وأغلب القضايا الخلافية مع الدروز تنحصر في منع التعدد، الطلاق الواحد، شخص المهدي ومسألة التقمص، وكلها قضايا لا تمس جوهر التوحيد.

يدور الجدل السياسي حول الدروز بسبب وضع الموحدين في فلسطين المحتلة وانخراطهم في الجيش الإسرائيلي، والحقيقة أن العرب يتحملون جزءا كبيرا من هذه الإشكالية بسبب تخليهم عن عرب 1948 ومعاملتهم كخونة أو كإسرائيليين، وهنا يجب لفت النظر إلى أن الدروز المجندين إجباريا في الجيش الإسرائيلي ضحايا لا جناة، وحالات مقاومة الدروز للتجنيد واضحة وفي تزايد، ويحسب للزعيم وليد جنبلاط موقفه المناهض للتجنيد وتدشينه لأكثر من مؤتمر يدعو لإنقاذ الدروز من براثن الجيش الإسرائيلي بمشاركة موحدي الأراضي المحتلة.

ومن داخل إسرائيل، أعلن رؤساء المجالس المحلية الدرزية في مؤتمر ضمهم خلال 2014، رفضهم القاطع لقانون “قومية الدولة اليهودية”.

لقد تعرض بنو معروف لحملات تشويه مغرضة، من أسبابها، سرية التعاليم التي فرضتها ظروف الاضطهاد التالية لوفاة مؤسس الطائفة الفاطمي (الحاكم بأمر الله)، واليوم هم مستهدفون من الإرهاب التكفيري الذي يريد إلغاءهم، ومستهدفون من الإرهاب الإيراني الذي يريد استخدامهم لتقسيم المنطقة إلى دويلات أقلوية.

لقد سبقت دول كبرى الإرهابيين إلى محاولة إلغاء الدروز وفشلت، كما فشل الاستعمار ثم إسرائيل في إغواء الدروز بدويلة طائفية، والسبب هو تماهي بني معروف مع العروبة، فإن لم يكن كل عربي درزيا، فكل درزي عربي، لذلك لا بد من تحيتهم والتضامن معهم واستيعابهم، خصوصا في هذا الظرف الدقيق والحساس.

صحافي سعودي

8