بنيان للمجهول

الأربعاء 2015/04/08

حين سقطت بغداد في أبريل سنة ثلاث وألفين، خلدت اللحظة عبر قنوات الأخبار العالمية، بسلسلة تطيح برأس تمثال لصدام حسين تجره دبابة، سقط الرأس أولا، قبل أن ينهار الجذع، لينهال عليه الجمهور بالأحذية، كانت ثمة رغبة عارمة في انتهاك الجسد الرمزي للطاغية والتمثيل به. وبعدها بأزيد من عقد من الزمان، خلدت لحظة سقوط إدلب بأزاميل ومطارق الثوار وهي تهشم صنم حافظ الأسد الذهبي، وتطمس ملامح الوجه القاسية، في المشهدين معا ثمة عقيدة “البعث” الطامحة للخلود، وثمة تماثيل ناهضة ينكل بها في الدقائق الأولى من سقوط نظام طاغية، وكأنما التماثيل هي الدولة، والدكتاتور، وفضاء الاستبداد، والمعتقلات، والبوليس، وآلة التعذيب الجهنمية، هي المظالم كلها، مكثفة صامدة وباقية، في “الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة”، بالطبع ولدت تلك الأصنام لتخليد المثال، وتأبيد التملك، والعقيدة، والأثر. وضعت لتبقى بما أنها من حجر أو معدن برونزي أو رصاصي، ولتنوب عن الشخص المختفي والآفل، غير الموجود في كل مكان، وجدت للإحالة وللتشبيه والاستعارة، ولمضاعفة الجسد الحسي، لهذا كان طبيعيا أن يكون سقوطها مفعما بالرمزية، هو كناية عن المحو والتنكيل بالزمن الماضي والمنقضي، ومجاز عن تطهير الجغرافيا.

حين سقطت تماثيل الطغاة، كان ثمة مفارقة، مؤداها أن التمثال في البدء والمنتهى قرين الموت، هو سعي لرهن الجسد الحسي في المادة، لتلطيف التلاشي، وأسر للروح الحاكمة في الصورة، وفي انهيارها اختفاء للموت، هو موت مضاعف، موت متعال، ومجرّد، يسخر من الموت الحسي، بالطبع هي في البدء والمنتهى مجرّد شيء حجري أو معدني، لكن وجودها كان سعيا إلى نقل الصنمية المتحجرة والكلسية إلى المحيط الحي، عبر رقابة التمثال، لهذا كان مفهوما أن يطاح بالرأس في التماثيل السياسية، في كل ثورة، فهو الوجه والشبح والقناع المخيف.

وجدت تماثيل الطغاة في كل المدن المقهورة، المرهونة للسلط الشمولية، والعقائد الحزبية الواحدة، تناسلت بكثرة أفقدتها ميزة الندرة اللازمة للفن، ونزعت عنها نعومة الوجود في الحنايا الدافئة، وقد وضعت في البؤر الحارة والباردة، في الوسط المزدحم، بين البشر والسيارات والجدران وأرصفة المقاهي، لهذا كان طبيعيا أن تبنى من قبل مجهولين، لأن الفن فيها حيلة رمادية، يداري آياته أمام التقنية والحرفية الدقيقة في صناعة الشبيه، ولأن الشبيه الحاد والنقي بقي من غير معرض ولبّس في المرجع الحي، كان النظر ضدّه لا له.

لا جرم إذن عزيزي القارئ أن تبدو الحضارات القديمة على قدر معتبر من الحياء، حين وضعت تماثيل الملوك والجبابرة في المدافن، حيث التشبث بالحياة لن يزعج الأحياء، ولن يعذبهم، لقد وضعتها في المحيط المنطقي للبناء للمجهول.

كاتب من المغرب

15