بن برادلي معادل متفائل للضجيج الإخباري

السبت 2014/10/25

مع رحيل صحفي بمستوى بن برادلي نستطيع أن نجد “معادلا متفائلا” لكلام مثل الذي أطلقة الكاتب بيتر بريستون عندما يتهم الصحافة بحق لا غبار عليه بأنها تطلق فقاعات وتحتار بها، بالإشارة إلى “الضجيج الإخباري” عن شخصيات سياسية وجدت ثقلها في الصحافة أكثر مما قدمته في السياسة.

كلام بيتر بريستون، يعول عليه في كل الأحوال، فهو كاتب عمود في صحيفة “اوبزيرفر” و“الغارديان” التي ترأس تحريرها لعشرين عاما من 1975 إلى عام 1995، وأصدر كتابين عن الدولة والسياسة.

و”المعادل المتفائل” حيال “الضجيج الإخباري” يكمن بما أنجزه الراحل بن برادلي رئيس تحرير “واشنطن بوست” خلال مهامه الصحفية، ومنح الجريدة الحق بالفخر عندما أرغم رئيس دولة على التنحي بعد قصص إخبارية لا يمكن عدها إلا ضمن الإنجاز الصحفي التاريخي.

يكفي الراحل بن برادلي أن يفسر إنجازه بإسقاط الرئيس الأميركي في حينه ريتشارد نيكسون، بأنه فعلَ بالحق ما يمكن أن تقدمه القصة الإخبارية في “ووترغيت”، أكبر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة. إذ حدث للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الأميركية، أن تحصل الحكومة على أمر قضائي ضد صحيفة، بمنعها من استمرار النشر على أساس الضرر الذي تسببه للأمن القومي.

إنجازه يكمن باعتقاده ببساطة أن عليه الالتزام بنشر الحقيقة، بغض النظر عن الضغط الحكومي الخفي والمعلن، ومهما فاقمت تلك الحقيقة من الحرج لذوي السلطة. وبعد أكثر من أربعين عاما من اتهام بن برادلي بالخيانة والإضرار بالأمن القومي، يصل هذا الرجل الذي يحمل لقب صحفي بامتياز وبقوة الكلمة المكتوبة إلى البيت الأبيض ليمنحه الرئيس باراك أوباما وسام الحرية الرئاسي. فكم قصة إخبارية قبل ووترغيت، وبعدها أسقطت رئيسا، ربما وصف دونالد غراهام مدير النشر في واشنطن بوست آنذاك، لبرادلي أنه “كان أفضل محرر صحفي أميركي في عصره”، تجيب على مثل هذا السؤال.

هذا الرجل الذي ودعنا، أمس الأول، كان صحفيا يتحدى السلطة ويفسر العلاقة التي يجب أن تكون بين الصحافة والحكومة، لأنه كان يعتقد بأن الصحافة ليست مجرد مهنة من أجل الصالح العام وفق التشريعات الديمقراطية. هو يرى أن الصحفي طالما يقول الحقيقة بضمير وإنصاف، فعليه ألا يقلق بشأن العواقب، كما كتب في رسالة قبل أربعين عاما. فالحقيقة بالنسبة إلى الصحفي الذي يكمن في داخله هي ليست خطرة كما يشاع دائما، وإنما هي من تصنع الرجال الحقيقيين دون مقابل.

يمكن هنا أن نعود إلى ما يعتقده ويسلي برودن، رئيس التحرير السابق لـ”واشنطن تايمز”، جازما باستقلالية التحرير، وتحري الحقيقة في الإخبار دون خوف، للحصول عليها أولا، صحيحة ودقيقة.

أما ليونارد داوني، رئيس التحرير التنفيذي السابق لواشنطن بوست الذي عاصر أربعة رؤساء أميركيين: بوش الأب، وبيل كلينتون وبوش الابن وباراك أوباما، فيرى أن هناك خطا فاصلا بين أخبار الجريدة ورأيها، ويقول في حوار معه “لا يؤثر في أخبارنا سوى واجبنا الصحفي بأن نقدم الحقيقة إلى القارئ، ونترك له أن يحكم على ما نقدم”.

لكن سيبقى بن برادلي يمثل الصورة التي ينبغي أن يكوّنها الصحفي، وليس ذلك الذي يتفاخر بصورته يحتسي القهوة في ضيافة الرئيس.

18