بن سدرين تثير جدلا حول استغلال فرنسا لثروات تونس

السفارة الفرنسية تكذب وثائق هيئة الحقيقة والكرامة، واتهامات لباريس بالتدخل في الخيارات الاقتصادية لتونس.
السبت 2018/03/17
من توظيف العدالة الانتقالية إلى تزييف التاريخ

 تونس - أثار نشر هيئة الحقيقة والكرامة (هيئة دستورية تشرف على مسار العدالة الانتقالية) وثائق قالت إنها “حقائق تُثبت الاستغلال الفاحش من قبل المستعمر الفرنسي للثروات الباطنية التونسية” جدلا أجبر سفارة فرنسا بتونس على الرد على كل هذه الاتهامات وتكذيب ما ورد بالوثائق المنشورة.

وأصدرت السفارة بلاغا توضيحيا بشأن ما ورد في وثائق أرشيفية نشرتها الهيئة أكّدت فيه عدم تمتّع أي مؤسسة فرنسية بأي امتيازات أو حقوق خاصة لاستغلال الثروات الطبيعية التونسية، في قطاعات المياه والفوسفات والنفط.

وأوضحت أن الوثائق التي أعادت هيئة الحقيقة والكرامة نشرها والتي تهم الحقبة الاستعمارية، هي وثائق معروفة لدى المؤرخين، ومتاحة أمام الجميع منذ وقت طويل.

وشدّدت على أنه على عكس ما تم تداوله فإنها تُعد الجهة الوحيدة الممثلة لفرنسا في تونس والتي مكنت الهيئة من هذه الوثائق خلال عام 2017 من أجل مساعدتها على إنجاز أعمالها.

وتؤكد الوثائق المنشورة أن “الاحتلال الفرنسي” قام بتكوين شركات منحها حقوق استغلال الحقول النفطية والمقاطع في إطار عقود استغلال أو رخص تفتيش لضمان وضع يدها على الثروات الباطنية بالأراضي التونسية.

وأصرّت سهام بن سدرين في عدة تصريحات إعلامية عقب نشر هيئة الحقيقة والكرامة للوثائق، على التأكيد على أن الدولة التونسية تمتلك ستة في المئة فقط من نفطها المستخرج والذي تستحوذ عليه الشركات الأجنبية والاتفاقيات الموقعة منذ الاستقلال، مشيرة إلى أن القرار السيادي للبلاد ما زال “مصادراً” لصالح فرنسا.

وشدّدت على أن الاتفاقية الموقعة بين تونس وفرنسا قبل الاستقلال بعام (1955) تتضمن شروطا مجحفة بحق تونس وخاصة في ما يتعلق بالشق الاقتصادي.

وادعت أن الدولة التونسية ممنوعة من مراجعة العقود الموقعة خلال فترة الاستعمار الفرنسي مع الشركات الأجنبية التي تنقّب عن الثروات الباطنية، مشيرة إلى أن بعض هذه الاتفاقيات ما زالت سارية حتى اليوم.

خالد عبيد: سهام بن سدرين تخوض حربا وهمية تهدد مسار العدالة الانتقالية
خالد عبيد: سهام بن سدرين تخوض حربا وهمية تهدد مسار العدالة الانتقالية

وكشفت مصادر رسمية من هيئة الحقيقة والكرامة لـ”العرب” أن جل أعضاء مجلس الهيئة المعنية بإرساء مسار العدالة الانتقالية في تونس متذمّرون من اتخاذ رئيسة الهيئة سهام بن سدرين لقرار نشر هذه الوثائق.

وأكد أن بن سدرين اتخذت هذا القرار بصفة أحادية ودون أيّ تزكية أو مصادقة من جل أعضاء مجلس الهيئة.

وأوضحت أنه يصعب الرد الآن على بلاغ السفارة الفرنسية الذي كذّب كل المعطيات المنشورة على موقع الهيئة وذلك إلى حين انعقاد مجلسها لمناقشة في المسألة وتحميل المسؤوليات إن كان هناك خطأ أو مُغالطة.

وأدانت المصادر الرسمية من هيئة الحقيقة والكرامة تصرّفات رئيسة الهيئة وتعاملها مع ملف خطير تضمنته الوثائق المنشورة، مُتّهمة إياها بتوظيف أعمال وملفات الهيئة لخدمة أجندات سياسية.

وأكّدت في المقابل أن ملف الطاقة في تونس على درجة كبيرة من الأهمية وأن العديد من الشكايات الواردة على هيئة الحقيقة والكرامة تؤكّد وجود العديد من الخروقات في علاقة بالشركات الأجنبية المتعاقدة مع الدولة التونسية بشأن ثروات طاقية حيوية كالفوسفات أو حقول النفط والملح. ويقول مراقبون إن الوثائق التي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة من شأنها توتير العلاقة بين تونس وباريس وذلك نظرا إلى ما تضمنته من اتهامات لفرنسا بفرض تدخّلها في الاختيارات الاقتصادية لتونس واستغلال ثرواتها الباطنية رغم استقلالها منذ عام 1956.

وقال المؤرّخ التونسي خالد عبيد لـ”العرب” إن هيئة الحقيقة والكرامة تعمّدت بنشرها وثائق أرشيفية الانحراف بالمسار الحقيقي للعدالة الانتقالية، موضّحا أن سهام بن سدرين لا تعلم أن وجود أرصدة أرشيفية في فرنسا أمر معلوم وليس بحقائق مثيرة مثلما ادّعت لدى نشرها الوثائق المذكورة على موقع الهيئة.

وأكّد عبيد أن مسألة الوثائق الأرشيفية التي تخص تونس بفرنسا هي ملف معلوم وليس بالجديد على المؤرخين وذلك منذ سبعينات القرن الماضي.

وأشار إلى أن بن سدرين اقترفت خروقات بالجملة وتعمدت انتهاج سياسة المغالطات لأنها تجهل أن الجهة المخوّل لها جلب الوثائق الأرشيفية هي المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر وليست مؤسسة الأرشيف الوطني. واعتبر المؤرخ التونسي أن ما أقدمت عليه سهام بن سدرين بنشر الوثائق أو تكرّر تصريحاتها المتعلقة بالمسألة لا يعدو أن يكون سوى محاولة لشن حملات بشعة تهدف إلى نشر الحقد والكراهية بين التونسيين.

وأكّد خالد عبيد أن تصرف بن سدرين يدخل في خانة الحرب الوهمية التي تهدّد فعلا مسار العدالة الانتقالية والوحدة الوطنية بين التونسيين باعتبار اقتران تصريحاتها ووثائقها المنشورة بحملات تجييش مماثلة مفادها أن فرنسا ما زالت تستعمر تونس.

4