بن كيران وشباط وإلياس: سياسيو مرحلة يرفضون التخلي

الخميس 2017/09/28

لن ترى في أسلوب سياسيي المرحلة التي نعيشها بالمغرب أيّ محاولة لرتق ما فتقته الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالبلاد. بل العكس هو الحاصل، فبين الجمعة والأحد شهدنا خروجا سياسيا أولا بالصورة تمثل في شراء عبدالإله بن كيران لسروال فضفاض، والخروج الثاني لأمين عام حزب الاستقلال حميد شباط، والثالث تدوينة فيسبوكية من غريمهما السابق والحالي والمستقبلي إلياس العماري.

لكل مريدوه ومشايعوه، بن كيران يدافع بقوة من أجل البقاء على صهوة جواد العدالة والتنمية وإن اضطره ذلك إلى حرث القانون الداخلي لاستنبات مادة تقول بولاية ثالثة أو رابعة وخامسة ما دام الحزب الإسلامي خلق الحدث في الانتخابات وأطلق جناحيه في دواوين الحكومة الحالية والماضية.

الذي التقط صورة بن كيران وهو يبتاع سروالا من أمام مسجد السنة بالرباط بعد صلاة الجمعة كان في المكان والوقت المناسبين، يعرف مبتغاه، فقد كانت الصورة معبّرة وذات دلالة سياسية أكثر منها تجارية، فتسويق الصورة في الفضاء العام له ثمنه سيقبضه مؤجلا في المؤتمر القادم، فالصورة تقول إن “الزعيم لازال معنا يمشي في الأسواق ويأكل ويلبس من ملبس الناس”.

أما حميد شباط فقد أراد بظهوره وحيدا في ندوة صحافية بمقر حزب الاستقلال بالرباط، الثلاثاء 12 سبتمبر 2017، أن يعطي انطباعا بأنه صامد ومستقل وليس مسنودا من أحد أيّا كان، وأنه لازال متشبثا بمكانه ومكانته داخل الحزب ولن يتنازل عن حقه في الميراث مهما وقع.

وأن يخرج شباط الآن ليكشف لنا أنه كان ضحية لعبة سياسية وأنه لن يرضخ للمساومات كما فعل إلياس العماري الذي كان “يرفض تقديم استقالته، لكنه رضخ للأمر بعد أن توصل بمكالمة هاتفية ليلا فقام بتقديم استقالته صباحا وبشكل مفاجئ”، يجعلنا نطرح سؤال الهدف من توقيت الخروج وأهدافه وغاياته، فالمعلوم أن حميد شباط شارك بإرادته في محاولة تقويض حكومة بن كيران الأولى.

لقد شدد رأسا حزب الاستقلال والعدالة والتنمية على ما اعتبراه فضحا لأسرار وملابسات ما وقع بعد انتخابات السابع من أكتوبر 2016، وتأكيد رئيس الأصالة والمعاصرة مع وقف التنفيذ، على أنه سيقول الكثير في المؤتمر المقبل الذي يريده أن يكون كاشفا للنوايا والطريق السياسي الذي سيسير فيه.

وهذا سيلهمنا الاستبصار عن بعد والقول إن الثلاثة مساهمين بطريقة أو أخرى في تأزيم الوضع السياسي الحالي وبتصريحاتهم يزيدون الوضع هشاشة.

إن تصحيح المسار أو زيادة إعوجاجه عند حميد شباط سيان، لا يهم أن يطلق العنان للسانه وربما يديه إذا اقتضى الحال فهو نقابي حريص على المكسب الآني

بعد أقل من أسبوعين من الندوة تجمَّل شباط بابتسامة والتقطت له صورة مع أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ومنهم غريمه داخل الحزب ومنافسه نزار بركة، هؤلاء الذين شكلوا له غصة في حلقه وهدفا لمدفعيته الثقيلة، ربما تمهيدا لتسلقه أحد كراسي المسؤولية في مؤتمر الحزب المقبل المقرر في نهاية سبتمبر الجاري.

إن تصحيح المسار أو زيادة إعوجاجه عند حميد شباط سيان، لا يهم أن يطلق العنان للسانه وربما يديه إذا اقتضى الحال فهو نقابي حريص على المكسب الآني، ولم يكن في يوم ما رجل دولة يقيس الخطوات والقرارات بميزان مصلحة البلاد والعباد قبل مصالحه الشخصية.

مؤتمرات ثلاثة وشخصيات أثثت المشهد، هؤلاء يريدون البقاء لا يبغون عن المنصب حولا ولا عوضا.

وما دامت السلطة لئيمة ولها قوة ساحرة فإن إلياس العماري الذي طلق رئاسة حزبه الأصالة والمعاصرة طلاقا بائنا في أغسطس الماضي، بعد عام من تسلم مهامه بداية 2016، ضاق ذرعا بمن يقحم أطر ومناضلي الحزب في عمليات انتقادية لسلوكه السياسي.

وتراه بعد ذلك يقول في تدوينة بتاريخ 24 سبتمبر، إنني حاولت بعد استقالتي من الأمانة العامة للحزب تفادي الكلام، حيث اعتبرت أن ما كان يجب قوله قلته في الندوة الصحافية، وما لم يقل ويجب قوله، سأقوله في الدورة القادمة للمجلس الوطني. المنطوق والمسكوت عنه لغة يتقنها السياسي الذي يتشبث بمفرداتها إلى الوقت المعلوم.

إنه يعترف أنّ الجميع لديه نقاط ضعف بحكم الطبيعة البشرية، لكنه لا يتفق مع تشويه صورة السياسي من خلال نقط ضعفه. وهذه مثالية أمام ما نراه ونسمعه من اختراق فظيع لخصوصيات الأفراد وخلط الشخصي بالعام وتعرية الخصم السياسي بجرأة لا مثيل لها.

هذا واقع عرفته كل الأحزاب إلا القليل من منتسبيها يتعففون عن تشويه الخصم من خلال استغلال حياته الشخصية. أما إضعاف الخصم سياسيا بإظهار نقط ضعفه في التدبير والفشل في التسيير، فهذا مبتغى وهدف اللعبة السياسة في أبعادها الكبرى.

واستغرب إلياس ممن يستعجل كتابة السير الذاتية للناس ولا يؤجل ذلك إلى ما بعد اعتزاله، لأنه ينسى أنه من الوارد أن يتحوّل بدوره في أي وقت إلى موضوع مغر للكتابة حول سيرته الذاتية.

مشكلة السياسي الكبرى هي مع الإعلام، حيث ازدادت حدة المواجهة مع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي. وما اختيار إلياس العماري لهذا الفضاء إلا وسيلة أخرى لاكتساب أرضية يلتمس فيها أنصارا آخرين ومؤيدين مفترضين لأفكار بدأ يعرضها.

وها هو يعبّر من خلال تدوينته الفيسبوكية أن “الارتقاء بالسياسة والإعلام يحتاج إلى شروط نعرفها جميعا ولا تتسع هذه التدوينة للخوض فيها، لكنني على يقين أن الذين أقصدهم ممن ‘يكتبون’، يعرفون أنفسهم ويعرفون تلك الشروط جيدا”.

المعلوم أن الكثير من السياسيين يضيق صدرهم بالنقد ويكونون أكثر حرجا إذا جاء من أحد شركائهم في الطبق والأكلة. إلياس العماري لم تعجبه خرجة عبداللطيف وهبي، القيادي بالأصالة والمعاصرة، الذي قال فيها إن “إلياس ليس شخصا داخل الحزب بل هو توجه داخل الأصالة والمعاصرة، وهذا التيار يجب أن يقدّم استقالته”.

بعدها طالب إلياس مناضلي الحزب بتجاهل مواقف الأشخاص، ففي النهاية يقول، إن جميع الأفراد ملزمون باحترام المؤسسات التي يخوّل لها القانون وحدها، صلاحية التعبير عن القرارات والمواقف الرسمية. إنها لغة توحي بتجاهل ما طالب به وهبي في أن “الحزب يمكنه إعادة النظر في نفسه وفي هياكله وفي خطابه”.

وبهذا يكون إلياس متكئا على روافد داخل الحزب يريدها أن تمدّه بقوة الاستمرار، فيما يطمئن بن كيران إلى أن التيار المناهض له سيفشل في تطويعه، وأن حميد شباط يناور من داخل وخارج حزبه للصمود في وجه إعصار لن يلبث أن يعصف بسياسيي الشعبوية الطافحة.

كاتب مغربي

9