بن كيران يجهز على ما تبقى من ديمقراطية حزبه المفترضة

الاثنين 2016/05/30
بن كيران الحزب يكرس مفهوم الزعيم الأوحد

طرحت نسبة المصوتين على ترحيل المؤتمر الوطني العادي للعدالة والتنمية المغربي إلى ما بعد الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر المقبل، العديد من علامات الاستفهام حول ديمقراطية الحزب الداخلية.

فأن يصوت لصالح التأجيل 95.26 في المئة من عدد المصوتين، فهذا مؤشر على أن الحزب الذي يتغنى بديمقراطيته الداخلية قد عاد إلى طريقة عمل الزوايا الصوفية بتقديس الشيخ، وانتفاء كل أشكال المعارضة وإبداء الرأي.

صقور الحزب اختاروا الاصطفاف وراء زعيمهم عبدالإله بن كيران ضد قوانين الحزب التي تمنع ولاية ثالثة للأمين العام. والغرض من وراء تأجيل المؤتمر العادي إلى السنة المقبلة هو إعطاء فرصة للزعيم الأوحد كي يحقق ما اعتبره معطيات تشير إلى أن “العدالة والتنمية سيتصدر الانتخابات البرلمانية المقبلة”، كما جاء في خطابه أمام المؤتمرين السبت 28 مايو الجاري.وهذا دليل مادي على أن الحزب يكرس مفهوم الزعيم الأوحد والرؤية الوحيدة والمقاربة الطاغية التي لا تقبل النقاش.

نعتبر 28 مايو الجاري تاريخ قتل مأجور لمفهوم الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية المغربي. فعندما يتحدث عبدالإله بن كيران منتشيا بنتائج المؤتمر الاستثنائي، ويقول هل تتخيلون كيف سيحس الشعب المغربي إذا سمع نتائج غير تلك التي ينتظرها؟ فهذا مؤشر على أنها بداية نهاية حزب شغل الدنيا ببراغماتيته. وكأن الشعب المغربي كله “عدالة وتنمية”، وكأن الشعب المغربي طارئ على الساحة السياسية، وكأنّه يمتلك ذاكرة سياسية مثقوبة.

الغرض من وراء تأجيل المؤتمر العادي إلى السنة المقبلة هو إعطاء فرصة للزعيم الأوحد كي يحقق ما اعتبره معطيات تشير إلى أن العدالة والتنمية سيتصدر الانتخابات البرلمانية المقبلة

من الآن فصاعدا يجب الحديث عن حزب بن كيران. لا يمكن التكلم عن عدالة ولا تنمية لأن الزعيم بن كيران، ومن والاه ومن خطط له، أعدموا كل فرصة لجيل من الشباب في احترام القواعد المؤسسة للديمقراطية. فعندما يجهز بن كيران على قواعد الممارسة داخل حزبه، لا يمكن التعويل عليه لتعزيز سلوك الديمقراطية أو الحديث عنها.

من حيث يدري أو لا يدري استطاع بن كيران تدمير ما تبقى من تجربة حزب هناك من تلمس فيه – مخدوعا – شيئا من التغيير والممارسة الديمقراطية، وقضى على كل أمل في إنتاج بذرة تقطع مع التحكم والنظرة الدوغمائية للأشياء والناس والسياسة.

إن قول بن كيران بأن الأحزاب القوية هي القادرة على الدفاع عن المغرب وحفظ ثوابته وحماية مصالحه لم يسنده بدليل عملي؛ إذ لم يستطع أن يجيبنا عن سؤال ماذا بشأن الديمقراطية الداخلية والتداول على كرسي المسؤولية والكفاءة في اختيار المسؤولين، إضافة إلى الاتكاء على مشروع مجتمعي واضح وواقعي، باعتبار أن كل ذلك قواعد لا بد منها لتأسيس أحزاب قوية خادمة للشعب.

لقد تم قطع رأس الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتمكين لبن كيران ومجموعته بالعمل على تمرير أجنداتهم، لما بعد انتخابات السابع من أكتوبر المقبل. إن نجاح العدالة والتنمية في انتخابات 2011 كان نتيجة ظروف إقليمية معقدة ولا علاقة لذلك بما قاله بن كيران في خطاب 28 مايو، بأنه نتيجة “مرتبطة بمصداقية الحزب”.

ما معنى أن يقول لنا بن كيران إن “العدالة والتنمية لمّا احتاجه الوطن لبى نداءه”، وكأن هذا الحزب كان مرابطا في ثكنة وتم استدعاؤه لمواجهة العدو المتربص باستقرار وأمن البلد؟ يتبين من ذلك أن بن كيران يجهل أن الحزب الديمقراطي ليس ميليشيا أو فرقة عسكرية تخضع لأوامر القيادة، بل مهمته الأساسية تقوم على تدبير السياسة وتطويع المشاكل واقتراح الحلول وخلق المشاريع المجتمعية والدفاع عن مستوى عيش الطبقة والفئة اللتين يدافع عنهما.

على المدى البعيد سَيُنهَك الحزب ولن يبقى له ذلك الوهج بفعل التصرفات الفردية لدى القيادة، وتنامي المصلحة الضيقة لدى الصفوف الثانية والثالثة داخل الحزب

نتائج المؤتمر الاستثنائي للعدالة والتنمية المغربي ستؤثر، لا محالة، على ما ستفرزه الانتخابات المقبلة، فهل هو استباق للنتائج بالتمديد لمن يشغل المواقع القيادية الحالية وإعطائهم سلاح شرعية الأصوات حتى يتسنى لهم تدبير التوافقات والتحالفات ولو ضد رغبة القواعد وقيادة الصف الثاني وهتك الخطوط الحمراء في ما يتعلق بالتحالفات المقبلة؟

لا يمكن إعادة حكومة ما كان بعد انتخابات نوفمبر 2011 لأن ظروف تشكيلها تغيرت، وبالتالي يحاول العدالة والتنمية الصمود في وجه التحولات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة والمغرب، ويظهر هذا من خلال مخاطبة بن كيران للملك المغربي قائلا”أنت تقود معارك مع جهات خارج الوطن لها إمكانيات هائلة، نحن معك وخلفك ومستعدون للتضحية في سبيل المسار الذي تسير فيه لرفع رأس بلدنا عاليا”.

التصويت على تأجيل المؤتمر العادي إلى ما بعد الانتخابات التشريعية في أكتوبر القادم، خاضع فقط لحسابات ربح المقاعد داخل البرلمان ولما لا قيادة الحكومة المقبلة. فتمديد الولاية سنةً كاملة لهياكل الحزب وعلى رأسها الأمانة العامة بقيادة بن كيران هو ابتزاز للأصوات التي تنادي بتكريس دمقرطة الحزب وعدم الزج به في تحالفات تضعف مكانته.

فهل العدالة والتنمية يقوم بالتحضير للاحتفال بالعرس الانتخابي المقبل؟ ربما سينجح في الفوز بمقاعد بالبرلمان نتيجة عوامل منها الكتلة الانتخابية التي لازالت تحتفظ بولائها للحزب، ولضعف المعارضة التي لازالت تتلمس طريقها في اكتساب قاعدة انتخابية تستطيع مجابهة بن كيران وخطابه الشعبوي.

لكن على المدى البعيد سَيُنهَك الحزب ولن يبقى له ذلك الوهج بفعل التصرفات الفردية لدى القيادة، وتنامي المصلحة الضيقة لدى الصفوف الثانية والثالثة داخل الحزب، والإجهاز على الديمقراطية الداخلية وفتح المجال للأصوات المعارضة بالجهر برأيها والتعبير عن أفكارها.

كاتب من المغرب

6