بن لادن الغائب الحاضر في دراما "القاهرة–كابول"

طارق لطفي: البراعة أن تكون إرهابيا ورومانسيا في دور واحد.
السبت 2021/05/08
مثقف وشاعر ورومانسي، لكنه إرهابي

شقّ الفنان المصري طارق لطفي طريقه نحو عرش البطولة بخطى متأنية بعيدا عن  القفزات السريعة والمتسرّعة، بحسبة فنية تعتمد الجودة والتنوّع في الأعمال وليس وفرتها العدديّة ليصل إلى مرحلة الممثل النجم في مسلسل “القاهرة ـ كابول” المعروض حاليا على بعض الفضائيات المصرية ضمن السباق الدرامي الرمضاني، متنقلا بسلاسة بين مكونات مركبة ومتنافرة لزعيم تنظيم إرهابي يحلم بالخلافة.

القاهرة – يتناول مسلسل “القاهرة – كابول” المعروض حاليا على الفضائيات المصرية ثلاث قصص مثيرة حول المؤامرات التي تُحاك ضد المنطقة العربية، ويسلّط الضوء على الأعمال الإرهابية التي تقع فيها، والتي يخطّط لها “الشيخ رمزي” المعروف بـ“أبومنصور المصري” ويجسّده الفنان طارق لطفي، والذي ينصّب نفسه خليفة للمسلمين ويتولى زعامة جماعة متشدّدة، ويحاول ضابط الشرطة “عادل” (الفنان خالد الصاوي) التصدّي له، بينما ينقل الصورة المذيع “طارق” (الفنان فتحي عبدالوهاب).

وقال طارق لطفي في حواره مع “العرب”، إن اختيار اسم “رمزي” كان مقصودا لأنه يرمز بالفعل إلى عدة شخصيات إرهابية حقيقية موجودة في واقعنا المعاصر، ويجمع بين كل التناقضات، فهو شاعر رومانسي كتب الغزل في ابنة خاله، وهو مرهف الأحاسيس يحلم بمستقبل مشرق مع أصدقائه، ومتعلم ومثقف يقرأ الكتب والدواوين، ووسطي نشأ في منطقة السيدة زينب بوسط القاهرة، قبل أن يصبح إرهابيا يتحوّل إلى خليفة للمسلمين ويتبنى العنف والقتل من أجل مصالحه الشخصية.

طارق لطفي: الدراما باتت اليوم أنجع وسيلة لتغيير الأفكار المغلوطة
طارق لطفي: الدراما باتت اليوم أنجع وسيلة لتغيير الأفكار المغلوطة

شخصية معقدة

استطاع الفنان الإمساك بتفاصيل دور الزعيم الإرهابي بقوة رغم تعقيداته الشديدة التي تصل إلى كونها أربع شخصيات في واحدة، فهو شاعر ورومانسي ومثقف وإرهابي، وتتداخل تلك المكوّنات معا في أثناء تناول رحلة تحوّل إنسان وسطي إلى متشدّد، بالتوازي مع العديد من القضايا الجانبية الهامة، مثل دور وسائل الإعلام في تزييف وعي الناس، وتأثير الفن الهابط على الشعوب، ومساعي البعض إلى تحقيق المصلحة الشخصية عبر تسخير الدين والشرع.

وأوضح لطفي أن المسلسل يفتّش كثيرا في الأسباب التي تصنع التطرف وتحوّل إنسانا بسيطا إلى عاشق للدم والقتل مع التطرّق إلى الصراع الأزلي بين الفكرين الوسطيين والمتشدّدين، فالمؤلف عبدالرحيم كمال كشف في العمل الأسباب التي غرست بذور الإرهاب في قلب وعقل رمزي عندما بثّ معلمه الشيخ المتطرّف في نفسه أن الغناء وحضور جنازة أم كلثوم حرام، وأموال والده الذي يعمل في مؤسّسة صحافية من الإعلانات حرام أيضا.

وأضاف الفنان المصري لـ“العرب” أن المتطرّف في الأصل إنسان يخلع عباءة الإرهابي والخليفة المزعوم حينما يختلي بنفسه، ليتبدّى ذلك في بعض المواقف التي تظهر إنسانيته المفقودة وحنينه إليها، مثل مشاعر أبومنصور المصري، عندما رأى جثة صديقه المُخرج الذي قتل غدرا بيده، واحتضانه جثة ابنه بعد وفاته وبكائه بين يديه، وضحكاته حينما يتذكّر أصدقاء طفولته وماضيه معهم ومواقفهم السعيدة.

ويظهر الفنان الكثير من قناعاته ومكوناته الفكرية في الحوارات التي أثّرت بشكل غير مباشر على تجسيد دوره، فالدراما عنده قوة ناعمة ساحرة تستطيع عبرها مناقشة القضايا
خاصة الإرهاب الذي يرى أنه كيان منظم شبيه بشركة لها مقر رئيسي وفروع كثيرة تجمعها وحدة الهدف مع منظمات قوية تُديرها، وظهرت بشكل غير مباشر خلال العمل عبر إظهار دور المنظمات الماسونية والمخابرات الغربية في تشكيل الجماعات المتطرّفة ودعمها.

ويدلّل الفنان المصري على نجاح العمل في توصيل رسائله بتصدّر الحلقات الأولى منه ترنّد موقع تويتر، خاصة الجمل التي قالها رمزي لصديقه الإعلامي، مثل “اكتب في مذكراتك أنك شربت سيجارة مع خليفة المسلمين.. اللي ربه ربنا.. واللي ربه الفن.. واللي ربه الطاغوت.. واللي ربه الفلوس” وتتضمّن تورية عن نفسه وأصدقائه الذين جمعهم في الماضي الحب والحلم بمستقبل بريء.

وأشار لطفي إلى أن شخصية “أبومنصور المصري” تتّبع منطق المفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلي “الغاية تبرّر الوسيلة” ويستغل الدين لمصالحه الخاصة، فهو يُبيح تجارة الحشيش ويتّفق مع الملحدين من وجهة نظره، ويسمح لصديقه الإعلامي بتدخين السجائر التي يحرّمها لمصلحة ذاتية وليس لشرع الله.

ونفى تجسيده شخصية إرهابي بعينه، لكنه يجمع بين عدد من الشخصيات الإرهابية في الواقع، وعلى المشاهد أن يعرفها بنفسه، فالتشابه بين لحيته في المسلسل ولحية أسامة بن لادن، مؤسّس تنظيم القاعدة في أفغانستان، بسبب رؤية المخرج لكنها تمرّ بأربع مراحل حسب تطوّر شخصيته في المسلسل.

تكامل تمثيلي

Thumbnail

رسم الفنان الشخصية التي أدّاها من ورق السيناريو وقراءة الكتب عن تطوّر الجماعات المتشدّدة منذ نشأتها وحتى العصر الحالي، وأوصلته إلى قناعة بأنها جميعا تحمل الأفكار والطريقة والأسلوب ذاته من أجل تأهيل نفسه لتجسيد الشخصية بعيدا عن سماته الخاصة التي يرفض فيها العنف.

واتسم العمل في بعض جوانبه بالأسلوب الخطابي المباشر خاصة في شخصية “حسن” التي أدّاها الفنان نبيل الحلفاوي الرجل الوسطي الذي كانت جمله الحوارية تقترب كثيرا من حلقات الوعظ والإرشاد، وربما تعمّد المؤلف تقديمها بهذه الصورة حتى لا يتوه المشاهد في استنتاج المعاني المقصودة، وكردّ مباشر على الأفكار التي يقدّمها المتطرّفون للحيلولة دون تأثيرها على المشاهد.

واستبعد لطفي أن يكون دوره خطف الأنظار من باقي المشاركين في المسلسل، وأكّد أن جميعهم أبدعوا في أداء أدوارهم تحت توجيه المخرج حسام علي، الذي جعل العمل مباراة تمثيلية رائعة بين كل الفنانين والفنانات لصالح المشاهد، خاصة الفنانة حنان مطاوع التي قدّمت دورها بنعومة وبساطة وعفوية، ليأتي المسلسل متماشيا قلبا وقالبا مع شعاره، رحلة البطل من القاهرة حيث السماحة والوسطية إلى كابول حيث العنف والإرهاب.

وعاش لطفي واقعا صعبا في أثناء تصوير العمل بسبب البرد القارص سواء المشاهد التي جرى تصويرها في صربيا، أو أخرى تمت في إحدى القرى المعزولة في مدينة الغردقة بمحافظة البحر الأحمر، لكنها استحقت المعاناة بعدما ظهرت الصورة لتعبّر بمصداقية عن أجواء المسلسل وأهدافه.

ولا تمثّل أجواء التصوير المشكلة الوحيدة، فالدور ذاته يحمل مخاطر كبيرة بترصّد قطاع كبير من أنصار الجماعات المتطرفة الذين هاجموا الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها تعبّر عن الكثير من أفكارهم المغلوطة.

لكن لطفي، أكّد أنه لم يلتفت كثيرا إليهم، فالمتطرّفون آلة إعلامية، وحتى لو وصل الأمر للإيذاء فستكون إرادة الله وقضائه، فالإنسان يجب أن يدافع عن أفكاره مهما كان الأمر.

ولم يتلق لطفي تهديدات مباشرة بسبب “القاهرة ـ كابول” واكتفى مهاجموه بإبداء سخطهم على مواقع التواصل الاجتماعي، على عكس الممثلة التونسية يسرا المسعودي التي أدّت دور الزوجة الثالثة لقائد التنظيم الإرهابي، ورغم مشاركتها في دور بسيط. لكنها تحدّثت لوسائل الإعلام عن  تلقيها رسائل تهديد من أرقام  غريبة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، ما دفعها إلى الاتصال بشرطة الإنترنت.

وسبق للطفي تقديم دور المتطرّف في مسلسل “العائلة” في التسعينات من القرن الماضي، غير أن هناك اختلافا بين الشخصيتين، فقد تطرّق الأول إلى الأسباب التي تدفع الإنسان إلى التطرّف، مثل الفقر والاحتياج المالي وتنمّر الأقران برصد رحلة تحوّل طالب الجامعة ابن حارس العقار من الوسطية إلى المغالاة، على عكس “القاهرة – كابول” الذي تناول الخداع الفكري الذي يتعرّض له الشباب وآليات جذبهم إلى عالم الإرهاب حتى لو كانوا من أبناء الطبقات الميسورة.

14