بن يوسف ملوك وجهاً لوجه مع المتسلّلين إلى السلطة في الجزائر

القضاء يحوّل الملف الذي كشفه ملوك إلى تهمة "نشر أسرار المهنة واختلاس وثائق سرية"، ولم يسلط الضوء على ما ورد في اتهاماته رغم شغب الجزائريين بمعرفة الحقيقة المغيبة.
الخميس 2021/04/22
مطارد المجاهدين والقضاة المزيفين المثير للجدل

بجسده النحيف وهندامه البالي وحقيبة تحمل ملفات وقصاصات جرائد يواصل المناضل بن يوسف ملوك مسيرته المناوئة للوبيات الفساد المالي والسياسي المتغلغلة في مفاصل الدولة، وعلى رأسهم الأذرع الإدارية الموالية لما يعرف بـ”حزب فرنسا”، وحين اندلعت الاحتجاجات الشعبية العام 2019 لم يتأخر مفجر قضية “المجاهدين المزيفين” عن الانضمام للصفوف الأولى رغم السن المتقدم والمضايقات التي كلفته كثيرا.

تلقى المناضل المثير للجدل بن يوسف ملوك استدعاءات أمنية من أجل الاستماع إليه في قضايا لم يكشف عنها، لتكون بذلك حلقة جديدة من مسلسل التضحيات التي قدّمها الرجل منذ فضحه لملف “المجاهدين المزيفين”، ولو أنه لا يتوقع أن تكون بعيدة عن مشاركته الفعالة والرمزية في احتجاجات الحراك الشعبي، فإن عمره المتقدم وتضحياته الجسيمة يجعلان منه مناضلا استثنائيا في الجزائر.

وفجّر ملوك العام 1992 قنبلة مدوية في الجزائر تمحورت حول ما عرف بـ”المجاهدين المزيفين” ويقصد بهم الفئة التي حازت بطرق ملتوية على عضوية جيش التحرير الوطني (1954 – 1962)، من أجل الاستفادة من الامتيازات المادية والمالية التي يتمتع بها هؤلاء.

وذهب أبعد من ذلك حين أماط اللثام عمّا عرف آنذاك بقضية “القضاة المزيفين” التي أثارت حينها لغطا كبيرا في البلاد، وفتحت المجال أمام انكشاف ممارسات الفساد، الأمر الذي كلفه مضايقات كبيرة، فقد فيها منصبه في وزارة العدل وتقاعده، ومنصب زوجته، وحتى أبناؤه حرموا من التمدرس.

ويعتبر ملوك، والمناضل والقيادي التاريخي في جيش التحرير العقيد محمد طاهر شعباني، الذي أعدم العام 1963، من طرف سلطة الاستقلال، بسبب موقفه الرافض للوبي الموالي للفرنسيين في السلطة الجديدة، نموذجان استثنائيان للتيار المعادي لـ “حزب فرنسا”، ويقصد به اللوبي السياسي والإداري والمالي والبشري الموالي للفرنسيين، وإذ دفع شعباني حياته ثمنا لمعاداة هؤلاء، فإن ملوك، يواصل مسيرة النضال ضدهم وضد من يحميهم وهو في خريف العمر.

الثورة تأكل خصومها

ملوك معتاد على الاستدعاءات الأمنية، ومنها ما هو جديد من أجل الاستماع إليه في قضايا لم يكشف عنها، لتكون حلقة جديدة من مسلسل التضحيات التي قدّمها
ملوك معتاد على الاستدعاءات الأمنية، ومنها ما هو جديد من أجل الاستماع إليه في قضايا لم يكشف عنها، لتكون حلقة جديدة من مسلسل التضحيات التي قدّمها

وحول ما ورد في كتاب “الطابو الأخير” للمؤرخ الفرنسي بيار دوم، حول بقاء الغالبية الساحقة من “الحركى”  أي “الخونة” في الجزائر بعد الاستقلال، علق ملوك بالقول “الحركى لم يبقوا في الجزائر فحسب وإنما صاروا يحكمونها اليوم، وأن المجاهدين المزيفين والحركى هي قضية ناضلت لكشفها طوال حياتي، ولن أتنازل عن نضالي مهما كلفني من تضحيات”.

وأضاف “الحقيقة التاريخية تثبت فعلا أن كثيرا من الحركى بقوا في الجزائر، وأولادهم اليوم صاروا في السلطة وتغلغلوا في كل أجهزة الدولة، عاشوا في الجزائر بعد الاستقلال دون أن تتعرض لهم جبهة التحرير الوطني، باستثناء بعض العناصر التي كانت معروفة بممارساتها الفظيعة أثناء الثورة، وهذا الوضع استغله هؤلاء لصالحهم فتبوأوا مراكز مسؤولية في أجهزة حساسة مثل القضاء الذي كشفت فيه 520 حالة، لكن العدالة لم تنصفني”.

ملوك عمل في وزارة المجاهدين (قدماء المحاربين) لغاية العام 1972 ثم التحق بوزارة العدل كمسؤول قسم الشؤون الاجتماعية والشكاوى لغاية طرده في 1992 بعد أن كشف النقاب عن أكثر من 50 ملفا لمجاهدين زيفوا وثائقهم الإدارية وراحوا يزعمون أنهم شاركوا في ثورة التحرير، بهدف الاستفادة من مناصب عالية في وزارة العدل ومن علاوات مالية مرتفعة.

السلطة في الجزائر تنطوي على الكثير ممن يسمّون في الجزائر بـ"الحركى" أي عملاء فرنسا، الذين حصلوا على صفة مجاهد، كما كشف ملوك، وهو ما ينعكس على التحالفات والصراعات التي دارت وتدور اليوم في البلاد.
السلطة في الجزائر تنطوي على الكثير ممن يسمّون في الجزائر بـ"الحركى" أي عملاء فرنسا، الذين حصلوا على صفة مجاهد، كما كشف ملوك، وهو ما ينعكس على التحالفات والصراعات التي دارت وتدور اليوم في البلاد.

ولفت إلى أن بعض أولئك حصلوا على صفة مجاهد، ممّا يحوّل الملف إلى بؤرة فساد حقيقية تنضاف إلى بؤر أخرى فجّرت غضب الجزائريين في احتجاجات سياسية دخلت عامها الثالث.

وفي خطوة تعكس انقلاب السحر على الساحر حوّل القضاء الجزائري الملف إلى تهمة “نشر أسرار المهنة واختلاس وثائق سرية”، أفضت إلى عقوبة ثلاث سنوات سجنا غير نافذة بحق ملوك، وفي المقابل لم يتم تسليط الضوء على ما ورد في اتهاماته للإدارة رغم شغف الجزائريين بمعرفة الحقيقة المغيبة بشأن قطاع عريض من كبار المسؤولين في الدولة يزعم الانتماء إلى جيش التحرير الوطني.

ويتساءل ملوك مستغرباً “كيف تحول موظفون وعناصر في الجيش الفرنسي فجأة إلى محاربين ومجاهدين بشهادات مزيفة سلمت لهم من قبل منظمة المجاهدين؟”. وهو الانطباع الذي يجمع عليه الكثير من الجزائريين، في شكواهم من سرقة ثورتهم التحريرية من طرف “الخونة والموالين لفرنسا”، وكيفية استحواذ هؤلاء على مصادر القرار في الدولة.

وندد المحامي والحقوقي مقران آيت العربي، الذي تولى الدفاع عن الرجل، بما أسماه بـ”التحرشات التي يمارسها القضاء ضد موكله”، واتهم القضاء بـ”عدم النزاهة وبالارتهان”، واستدل على ذلك بالقول “عدم ملاحقة المتورطين الحقيقيين في الفضيحة، كونهم يتمتعون بنفوذ كبير في الدوائر الحكومية وفي النظام الجزائري بشكل عام، وتم الاكتفاء بمتابعة موظف كان خطأه الوحيد هو القيام بواجبه المهني بشرف”.

ويشدّد العربي على أن ملوك مسّ مصالح شخصيات كبيرة في أجهزة الدولة وأزعجهم كثيرا، وهم يريدون الآن إسكاته بكل الوسائل، لكنه لم يذعن للضغوطات والمضايقات، واستمر في طريق النضال السياسي من أجل محاربة الفساد واستقلال القضاء وإجلاء الحقيقة.

ولم يتوان عن اتهام أحزاب سياسية بالتواطؤ مع السلطة، إما خوفا، تنفعا أو توددا من أجل دفن ملف المجاهدين والقضاة المزيفين، وتحدى السلطة علنا بأن تناظره أمام الجزائريين، وأرجع الأمر إلى “استحواذ الحركي على مقاليد الحكم وهيمنتهم على مناصب حساسة في الدولة، بعد أن تسللوا إليها خلسة مباشرة بعد الاستقلال، تقاسموا الامتيازات فيما بينهم، والأخطر أنهم يحضّرون أبناءهم لخلافتهم، من بعدهم”.

الدولة المختطفة

جهات متنفذة في السلطة تحاول وبكل الطرق الممكنة، كما يقول ملوك، استرجاع الملفات الأصلية للمزيفين التي قال عنها إنها محفوظة في مكان آمن، لا يعرفها إلا هو وشخص آخر يثق فيه.
جهات متنفذة في السلطة تحاول وبكل الطرق الممكنة، كما يقول ملوك، استرجاع الملفات الأصلية للمزيفين التي قال عنها إنها محفوظة في مكان آمن، لا يعرفها إلا هو وشخص آخر يثق فيه

يقول ملوك إن جهاز العدالة يضم اليوم 520 قاضياً مزيفاً، يتصرفون في شؤون المواطن دون أيّ مؤهلات ودون أدنى حق، وأن عدد المجاهدين الحقيقين المقيدين في سجلات المجاهدين للولايات التاريخية الست الذين تم إحصاؤهم عام 1963 في عهد وزير المجاهدين محمدي سعيد، كان 126 ألف مجاهد، فكيف ارتفع بعد ذلك ليصبح عددهم 864 ألفا.

وتضمنت لائحة المجاهدين والقضاة المزيفين التي يحملها الرجل أقارب للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، الذي اتهمه بتسمية إحدى المؤسسات القضائية باسم أحد أقاربه الذي كان من القضاة المزيفين، وذكر بأنه كان على علي كافي، وهو أحد أعضاء الفريق الرئاسي خلال حقبة العشرية الدموية أن ”يلتزم الصمت كأقل شيء يمكن أن يقوم به، أو أن يعزل أقاربه الذين كانوا ضمن القائمة، بدلا من أن يتهم عبان رمضان، بطل الجزائر بالخيانة”، كما اتهم بعض الأفراد بالاسم بانتحال صفة المجاهدين، في الوقت الذي كان همهم الوحيد خلال الثورة، العمالة لفرنسا.

وكشف في ندوة له عن أن جهات متنفذة في السلطة حاولت وبكل الطرق الممكنة استرجاع الملفات الأصلية للمزيفين، التي قال عنها إنها محفوظة في مكان آمن، لا يعرفها إلا هو وشخص آخر يثق فيه، وأنه لن يسلمها إلا إذا سقط النظام، وحل محله نظام ديمقراطي، وأنه لم، لا، ولن يقبل أي مساومة مهما كانت صفتها، لا مناصب ولا أموال، حتى ولو كلفه ذلك حياته.

وأضاف بأنه سجن أربع مرات بسبب هذه القضية التي تعود أطوارها إلى سنوات السبعينات، زيادة على الضغوط العديدة التي مورست في حقه وفي حق أقاربه، إذ طردت زوجته وأخته من منصب عمليهما، وفُصِلَ ابنه عن الدراسة، ما دفعه إلى بيع جزء من ممتلكاته لتمكينه من مواصلة الدراسة في مدرسة خاصة.

وعلى الرغم من سنوات النضال الطويلة التي أنهكته، يبقى أمله في ثورة الشباب وفي نزاهة رجال الإعلام لمواصلة المسيرة الطويلة من خلال حمل هذا الملف الذي يعتبره ملفهم، ويشجعهم على مواجهة السلطة، وفك عقدة الخوف من أجل كشف حقيقة المزيفين الذين تسببوا في الانهيار الاقتصادي والسياسي والأخلاقي الذي تعيشه البلاد الآن. ويدعوهم في كل مرة إلى ضرورة التغلب على الصعوبات التي ستعترضهم في مسعى إجلاء الحقيقة، الناجم عن الدعم الذي يحوزه هؤلاء من الغرب وعلى رأسهم فرنسا، لأن رحيلهم اليوم لا يكفي، بل تجب محاسبتهم واسترجاع ما نهبوه، وأن العصابة المسجونة ليست حالة شاذة، وإنما هناك الآلاف الذين يصولون ويجولن ويتصرفون بمقدرات الأمة، دون رقيب ولا حسيب.

12