بهاء الدين الركاض وزوال جيل العمل السياسي العربي المخضرم

السبت 2014/11/01
الركاض رحل تاركا خلفه سيرة عطرة خصيصاً لدى نخب العمل السياسي الديرية

هدّ المرض المناضل والحقوقي بهاء الدين الركاض إلى أن وافته المنية في النصف الثاني من العام 2014، وهو الذي كان قد تفاعل مع مجريات الثورة السورية في كل مراحلها حيث فعل اعتقال ابنه “عبود” فعله في ذاته ما عجل في إصابته بالجلطة واستطاع قلبه في المرة الأولى تجاوزها والعبور منها، إلا أنه في الجلطة الثانية دخل في غيبوبة طويلة حتى رحل تاركاً خلفه سيرة عطرة خصيصاً لدى نخب العمل السياسي الديرية التي حاولت في نهاية العام الماضي وبداية العام الجاري إحداث نقلة نوعية في العمل السياسي بهذه المدينة الفراتية حيث أعلن عن تشكيل “تجمع ثورا الجزيرة والفرات” في محاولة لملاقاة العمل العسكري المسلح للفصائل الديرية من خلال إنضاج قيادة سياسية قادرة على المزاوجة بين العمل العسكري والعمل السياسي، وكتبت وثيقة سياسية برنامجية بخط يد الراحل، وعند الاتصال بثوار “مو حسن” و ” ثوار دير الزور” لإيجاد تشاركية سياسية- عسكرية، جاء الرد من المجموعتين أننا لا نحتاج لقيادة سياسية، ما نحتاجه هو تمويل”سلاح ومال”.


حركة القوميين العرب


وهكذا مضت محاولة النخب الديرية إلى مكان آخر غير ما قدرته تلك النخب. وهذا كان آخر ما شارك به الراحل بهاء الدين الركاض الذي كان قد ساهم في تأسيس حركة القوميين العرب حيث انضم إلى صفوف الحركة في العام 1962، وبقي فيها حتى العام 1969، لينخرط بعدها في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش)، ويصبح عضواً في اللجنة المركزية للجبهة في العام 1972، وهو الذي صاغ البيان الأول لجبهة الرفض في مايو 1974، في مدينة طرابلس اللبنانية، بمشاركة أربعة تنظيمات سياسية فلسطينية هي “الجبهة العربية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية – القيادة العامة، جبهة النضال الوطني الفلسطيني، منظمة الصاعقة – حزب البعث العربي الاشتراكي الفلسطيني، الجبهة الشعبية (جورج حبش). وغادر الجبهة الشعبية في العام 1975 لأكثر من سبب. ليشارك في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سوريا، وهيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين والرأي العام في سوريا بالعام 2001، مع الأستاذين أنور البني، ومحمد رعدون أثناء محاكمة النائبين “رياض سيف، ومأمون الحمصي”.


التضييق والخنق


عمل الركاض على إثبات أن دراسة متأنية لجملة الحريات والحقوق توصل إلى نتيجة مفادها أن كرامة الإنسان هي الهدف، ولهذه الكرامة ركيزتان هما «الحرية، والمساواة في الحقوق والواجبات»

عمل كمحامٍ في فرع دير الزور لنقابة المحامين في سوريا، وفي فرع دمشق لنقابة المحامين أيضا، حصل على جائزة المركز العربي لنشطاء حقوق الإنسان في القاهرة، ومنعه النظام السوري من السفر لاستلام الجائزة، وأقام فرع النقابة دعوى ضده لمنعه من مزاولة المهنة لكنها بقيت حبيسة الأدراج نتيجة الضغوط من المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية والعربية، ونقابة المحامين العرب. وشغل منصب أمين سر جمعية حقوق الإنسان في سوريا، ومدير تحرير مجلة المرصد الإلكترونية التي تصدرها الجمعية.


الخيار الديمقراطي


يعرّف بهاء الركاض الديمقراطية بكلام مبسط بعيد عن الفلسفات المختلفة لها، إنها “سلطة الشعب” المكتسبة لشرعيتها من تمثيل حقيقي عبر اختيار حر وفق عقد اجتماعي ارتضاه هذا الشعب الذي وافق على العقد، وغايته منه تأمين كافة الحقوق الأساسية لهذا الشعب مع توفير كل الضمانات التشريعية لممارسة هذه الحقوق وحمايتها من خلال “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1948، واتفاقية روما الأوروبية لحقوق الإنسان التي وقعت في العام 1950، والعهدين العالميين الصادرين عن الأمم المتحدة في العام 1966، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والبروتوكول الإضافي الاختياري الخاص بالعهد الأول. وفي العام 1981 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام، وتلاه في العام 1990 “إعلان القاهرة” حول حقوق الإنسان الصادر عن وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي، وصدر مشروع “ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي” في العام 1986، ومشروع “الميثاق العربي لحقوق الإنسان” الذي أعد في إطار الجامعة العربية.

ويعتبر ركاض أن الأنظمة الديمقراطية باتت تقر أن حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة هي العمود الفقري لدساتير هذه الدول، لذلك يؤكد على أن حرية المعتقد وصيانة كرامة الإنسان، ووضع قوانين للأسرة والعمل والمعاملات في المجتمع جزء أساسي من الأنظمة الديمقراطية، وكان للثورة الفرنسية أثر كبير في دفع الحريات العامة إلى الأمام، وأيضاً في دفع حقوق الإنسان، ففي العام 1789 صادقت الجمعية الوطنية على “إعلان حقوق الإنسان والمواطن”، واستفادت الثورة البلشفية في العام 1917 من الوعي الاجتماعي المتنامي تجاه الحريات السياسية في أوروبا من أجل بلورة مفهوم “الحقوق الاجتماعية والاقتصادية”، وبدا ذلك جلياً في دستور الثورة حيث جعلت هذه الحقوق واجباً من واجبات الدولة.


كرامة الإنسان


ويوضح الركاض أن دراسة متأنية لهذه الحريات والحقوق توصلنا إلى نتيجة مفادها أن كرامة الإنسان هي الهدف، ولهذه الكرامة ركيزتان هما “الحرية، والمساواة في الحقوق والواجبات”، وهي تستلزم بالضرورة إيجاد توازن دقيق بين حرية الفرد ومصلحته، أي بين الحقوق الفردية والعدالة الاجتماعية.

ويعلن الركاض أن هذه الحريات والحقوق عانت من صعوبات كثيرة حالت دون انتشارها أو نموها بفعل عوامل كثيرة من أبرزها الأخطار الخارجية على الأوطان والغزو الصهيوني لفلسطين، مؤكداً أنه دون الحرية لا يمكن تحقيق الانتصار على العدو أياً كان هذا العدو (التخلف، الاستبداد، إسرائيل، مشاريع الهيمنة الجديدة)، وأن النضال من أجل تطوير المجتمع وتحريره يبدأ “بالحريات وحقوق الإنسان”.


المواطنة


يعرف الركاض الديمقراطية بكلام مبسط، إنها «سلطة الشعب» المكتسبة لشرعيتها من تمثيل حقيقي عبر اختيار حر وفق عقد اجتماعي ارتضاه هذا الشعب الذي وافق على العقد، وغايته منه تأمين كافة الحقوق الأساسية لهذا الشعب مع توفير كل الضمانات التشريعية لممارسة هذه الحقوق وحمايتها

ويعدّ الركاض المواطنة جملة حقوق وواجبات أي أن المواطن له حقوق (مدنية، اجتماعية، سياسية)، وعليه واجبات تجاه وطنه هي (واجب الدفاع الوطني، المشاركة في المصاريف العامة، احترام القوانين). هذا الالتزام المتبادل بين الحق والواجب يخلق للمواطنة مركزاً قانونيا متميزاً يتمتع بالحصانة الدستورية والاحترام والنفاذ دون معوقات.


المواطنة في سوريا


آمن الركاض أن سوريا لم تشهد ترسيخاً لمفهوم المواطنة بمعنى “الحق والواجب”، بل الذي ترسخ فيها هو التجاوز على حق المواطن، وإظهار كبير لواجباته حيث بدا الاختلال واضحاً في هذه المعادلة بين الحق والواجب، ويتساءل الركاض عن واقع المواطنة في سوريا هل هي أن يحمل المواطن جنسية الوطن الذي يعيش فيه، وجواز سفره، ويعبر بشكل مطلق عن انتماء للجماعة السياسية “نظام ، حزب”؟، أم هي ممارسة يومية وفعالة للحقوق التي نص عليها الدستور، وشرعتها القوانين الوطنية وحمتها المعاهدات والقوانين الدولية؟

ويوصّف الركاض الواقع السوري بأن ممارسة الحقوق فيه بقيت مجمدة في “فريزر” الأحكام العرفية، وطغيان السلطة التنفيذية على صلاحيات وحدود السلطتين التشريعية والقضائية، ما أنتج تعقيداً للوضع الداخلي السوري في المجتمع أدى إلى استفحال ظاهرة الفساد على جميع المستويات الحكومية، وبهذا المعنى يكون مفهوم المواطنة “كحق وواجب” هو أحد جوانب الأزمة التي عاشتها، ومازالت تعيشها سوريا خصوصا بعد الثورة السورية، واستمرار فعلها في الواقع السوري الذي انحدر إلى درك لم يكن يتوقعه أسوء المتنبئين.


المدافعون عن المعتقلين


وعن موقفه من المحاميين المدافعين عن معتقلي الرأي والتنظيمات السياسية يسارية وإسلامية في غير الشروط القائمة حالياً في سوريا الذين تخصصوا في الدفاع عن بعض المعتقلين وليس عن كل من يحاكم يقول الركاض: “إن هؤلاء المحامين يعبرون عن الحالة الفردية والبحث عن الأضواء والنجومية في إعطاء الخبر للإعلام أو الفضائيات، وهذه الحالة التي تحكم للأسف سلوك بعض المحامين النشطاء في هذا المجال، بينما المطلوب من محاميي حقوق الإنسان العمل بشكل جماعي، ودون ضجيج إعلامي بما يمليه الواجب الحقوقي والمهني، من حق الدفاع المقدس المصان بالقانون الذي يحميه الدستور، والانتهاك القانوني كشرط لتحرك المحامين القضائي والإعلامي، وللأسف الشديد معظم حالات الاعتقال في سوريا تعاني من شرط الاختفاء والانتهاك، لذا نجد أن واجب الدفاع عن المعتقلين المنتهكة حقوقهم سواء كانوا من الأكراد أو الإسلاميين أو غيرهم وفق معادلة طرفاها الانتهاك القانوني أولاً، والتكليف الشخصي ثانياً، وهي رغبة المعتقل الذي يتولى المحامون الدفاع القانوني والحقوقي عنه”.


التداخل بين الحقوقي والسياسي


عانت الحركة الحقوقية في سوريا الكثير من التداخل ما بين الهم الحقوقي والهم السياسي، عن هذا الموضوع يوضح الراحل الركاض موقفه بالقول: “منظمات ومراكز حقوق الإنسان ليست أحزاباً سياسية، ولا يمكن أن تكون كذلك، وإقحام الحركة الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان في السياسة غاية في الخطورة خاصة أن سوريا تعيش في ظروف استثنائية، نحن ندرك العلاقة بين ما هو حقوقي وما هو سياسي، لكننا في عملنا نغلب الصفة الحقوقية على السياسية، البعض من العاملين في حقل حقوق الإنسان في سوريا من محامين ومهتمين ينساقون للفعل السياسي إما عن جهل وحسن نية، أو لغايات أخرى، وفي الحالتين التي ذكرت لا تؤسس لعمل حقوقي مهني، كما يفترض أن يكون. فعدم النضوج الفكري والوعي المعرفي، وعدم وجود آليات للعمل الحقوقي المجتمعي هي وراء مثل هذا التخبط، والمسألة يجب أن تحسب بدقة، فالعمل الحقوقي في الظروف الاستثنائية يجب أن يحسب بدقة”.


التغيير من الخارج


يعتبر الركاض أن الأنظمة الديمقراطية باتت تقر بأن حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة هي العمود الفقري لدساتير هذه الدول، لذلك يؤكد على أن حرية المعتقد وصيانة كرامة الإنسان، ووضع قوانين للأسرة والعمل والمعاملات في المجتمع جزء أساسي من الأنظمة الديمقراطية

في المعارضة السورية تاريخياً موقفان أحدهما مع التدخل الخارجي، والآخر مع التغيير من الداخل عن هذين الموقفين تحدث الراحل الركاض قائلاً: “لدى الإدارة الأمريكية ومن يؤازرها من الدول الأوروبية تصميم دائم على توظيف جميع الظروف الدولية والإقليمية والمحلية لتحقيق مشاريعها، وبعض قوى المعارضة السورية خاصة (معارضة الخارج) حسمت أمرها، ومعها بعض القوى والأشخاص في معارضة الداخل باتوا مقتنعين باستحالة التغيير من الداخل دون تدخل خارجي، حالة هؤلاء تعبر عن العجز واليأس، وهذا لا يعني أن الآخرين في المعارضة لديهم الإمكانية والقدرة على التغيير”.

يقول الركاض إن “صورة التغيير المستند إلى الخارج سوداء، والعراق مازال نموذجاً حياً على تدمير للوطن، تدمير للسلم الأهلي، تدمير لأمن المجتمع، دماء وقتل طائفي ومذهبي تحت شعار الديمقراطية والخلاص من الاستبداد، إنها باختصار ديمقراطية الطوائف، بل نخبها، بدل ديمقراطية الوطن القائمة على حق المواطنة، حالة العجز عن الفعل المجتمعي، وسوء الأداء السياسي لقوى المعارضة، وعدم قدرتها على استنباط آليات وبرامج تعبر عن هموم الجمهور صاحب المصلحة في أي تغيير يقابلها برنامج رمادي للتغيير”.

من كل ما تقدم به الحقوقي والسياسي بهاء الدين الركاض قبل رحيله يوضح عمق تحليله وبعد نظره تجاه القضية السورية التي تشكلت مع خروج قوات النظام السوري من لبنان بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، ويضاف إليه محاولاته مع النخب الديرية لملاقاة الفعل العسكري القائم في المناطق الشرقية حيث يصعب، وربما يبعد سيطرة داعش وأخواتها النصرة وغيرها من الفصائل الإسلامية الأصولية التكفيرية على هذه المناطق التي تشكل ثروة سوريا تاريخياً فيها.

13