بهاء جاهين مثقف عضوي يسير على خُطى والده

الشاعر بهاء جاهين مبدع رقيق ومهموم بوطنه وربما بالعالم كله. معجون بعذابات المتعبين والمكدودين. يحمل وجه شيخ وقلب طفل وروح طائر.
الأحد 2018/08/19
بهاء جاهين غربة المبدع وسط الزحام

قبل نصف قرن هتف الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي “هذا الزحام. لا أحد”، كأنه كان يُترجم ضعف تأثير المثقف والمبدع في مجتمع لا يقدر الإبداع. “لا أحد” تعني غياب الأثر، وأن المثقف قد يكون موجودا لحماً ودما وغير موجود أثراً ومعنى. أن يكتب فلا يُغيّر العالم، كما كان يتمنى الروائي الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، ويقول فلا تنفجر الأشياء كما كان يحلم الشاعر الراحل نزار قباني.

 بهاء جاهين الشاعر والمبدع يمثل نموذجاً واضحا لغربة المثقف. وجع اللاتأثير، وحسرة اللاتغيير. أحلام بحجم الدُنيا وآمال كما البحر دون ترجمة حقيقية على أرض الواقع. يوشك مِداد القلم أن يجف بعد أن تجاوز الشاعر الستين بقليل، لتنسحب من عينيه نظرات الأمل وتخفت في ملامحه بشائر الرضا.

في هذه الأيام، يُعيد بهاء ملامح من سيرة وتجربة والده في الاعتزال أواخر أيامه، ودخوله مرحلة حرجة من الاكتئاب. لذا لم يكن غريبا على أصدقاء وتلاميذ ومحبي بهاء ألا يجدونه حاضرا في المشهد الثقافي العام، ولم يكُن مدهشا لهم أن ينزوي ويرسم سياج عزلته وينقطع عن محيطه المليء بالزحام.

وجه شيخ وقلب طفل

جاهين شاعر رقيق ومهموم بوطنه وربما بالعالم كله. معجون بعذابات المتعبين والمكدودين. يحمل وجه شيخ وقلب طفل وروح طائر. يبحث عن الحرية والاستقلال والجديد. تخرج من كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية ودرس الأدب الأميركي وحصل على درجة الماجستير في الأدب المقارن من الجامعة الأميركية بالقاهرة، في الوقت الذي كان يكتب فيه الشعر والأغاني، قبل أن يلتحق بالقسم الأدبي بجريدة الأهرام.

هو ابن الشاعر المصري الراحل متعدد المواهب صلاح جاهين. ويكاد يكون نُسخة قريبة الشبه من والده شكلاً ومضمونا. عمل الأب رساما للكاريكاتير في الأهرام أيضا. المؤسف في حياة الأب أنه آمن وجدانيا بثورة يوليو 1952 وبأحلام زعيمها جمال عبدالناصر فكتب أغاني الثورة، مُبشرا بعصر الإنجازات والانتصارات، قبل أن تصدمه هزيمة يونيو سنة 1967، ويصاب باكتئاب صاحبه حتى انعزاله ووفاته سنة 1986 بعد تناول كميات من حبوب التربيتزول المهدئة.

اعتزال بهاء لكثير من مباهج الحياة وعدم التفاعل مع الوسط الثقافي يجعلانه يسير على خُطى الأب حذو النعل بالنعل. أمل وبهجة وانطلاق، ثم تحقق وتألق، فتجديد وتطوير وتعليم للناس ثم أزمة فمقاومة وصدمة فأخرى وتيبس وإحباط ثم حزن وانزواء.

ورغم أن الأب كان يرسم ويلحن ويمثل ويكتب القصص والأفلام، فإنه اعتبر أن الباقي منه هو الشعر وكرر كثيرا عبارته الأثيرة “الناس لن تذكر لي سوى الرباعيات” التي كان معروفا بها. كذلك اختار بهاء الشعر ميدانا له.

رباعيات إثر رباعيات

أمسيات الشعراء في مصر لم تعد تحظى باهتمام الشباب، كما كان يحدث مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد وغيرهما، ويبدو أن ذلك زاد جاهين حزنا على حزن
أمسيات الشعراء في مصر لم تعد تحظى باهتمام الشباب، كما كان يحدث مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد وغيرهما، ويبدو أن ذلك زاد جاهين حزنا على حزن

رفض جاهين الابن التقليد، وكان مُصرا أن يُثبت أنه بهاء الشاعر وليس ابن صلاح الشاعر والمتعدد المواهب. استرجاع قصة الأب ضرورة لتوضيح المعنى.

صلاح ابن بهجت حلمي القاضي رفض عندما كان صغيرا دراسة الحقوق كي يصبح قاضيا كما يريد والده، وقال له “أنا لا أحب أن يقال عني ابن بهجت حلمي، أحب أن يقال لي يا أبا صلاح”. بالفعل درس صلاح الفنون ونبغ. أما بهاء فرد على ذلك عمليا، فرغم تعلمه الشعر من رباعيات والده وقصاقيصه، إلا أنه غيّر لغته تماما عدة مرات لينجو من فخ ابن الفنان الشاعر.

يقول بهاء عن ذلك “هناك عادة موقف عدائي من ابن الفنان الذي يمتهن مهنة أبيه، لأن الجماعة تتعامل مع الابن باعتباره مفروضا بإرادة الأب، ومهما كانت موهبة الابن يظل في نظر الناس مفروضا كأنه ليس أصيلا أو غير موهوب.. عانيت هذا الأمر. كثيرون لا زالوا يتعاملون معي باعتباري مقلدا لصلاح جاهين وأنا اعتقد أن هناك ظلما كبيرا”.

ما فعله جاهين الأب في اللغة من تطوير وفك وتبديل كان غريبا، حتى أنه بمنطق شعراء الفصحى حوّل الفصحى إلى عامية، وبمنطق شعراء العامية حوّل العامية إلى فصحى. على الدرب نفسه مضى بهاء مطورا للغة بشكل مُدهش لكل متذوق للشعر.

بالدرجة نفسها، تبدو صدمة صلاح جاهين في نظام جمال عبدالناصر الذي أحبه حتى الجنون، قريبة الشبه بصدمة بهاء جاهين في نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي. فكما عبدالناصر يمثل أملا وحلما في نقل الإنسان المصري إلى الريادة والصدارة والمجد، كان السيسي أملا لترسيخ نظام ينتصر للفقراء ويمنحهم الحرية والكرامة.

عبدالناصر واليوم

 عبّر الأب عن علاقته بعبدالناصر في آخر حوار له قبل رحيله بشهرين، قائلا: “أنا علاقتي بعبدالناصر علاقة مرضية. أن تحب شخصا لدرجة أن يتغلغل في نفسك ويكون جزءا من تكوينك السيكولوجي ويتحول إلى حالة نفسية عندك. ويصبح ارتفاع الشخص أو انخفاضه أو انهياره أو انتصاره أو هزيمته ينعكس عليك”.

كانت المفاجأة أن نعرف بعد سنوات من رحيل صلاح جاهين أنه كتب سيناريو فيلم “الكرنك” الذي تناول التعذيب في سجون عبدالناصر، وأنه رفض كتابة اسمه مع ممدوح الليثي، واكتفى بصفة مستشار السيناريو.

الناقد محمد شعير يروي أنه كان معروفا عن صلاح جاهين اختفاؤه الدائم. ذات مرة عندما أصيب والد صلاح بمرض السرطان وساءت حالته، قرر صلاح أن يختفي، ومرت عشرة أيام دون أن يظهر، فذهبت شقيقته لمنزل المطرب عبدالحليم حافظ لتسأله عن شقيقها. فتصرف عبدالحليم بشكل أكثر جنونا، ونشر إعلانا في اليوم التالي في {الأهرام} كتب فيه "ارجع يا صلاح.. أهلك بيدوروا عليك"

أما بهاء فمثل الكثير من المصريين انتفضوا خلف الجموع رافضين أخونة الدولة المصرية وقاموا بثورة 30 يونيو 2013، وحلموا بمخلّص نقي يفتح أبواب المستقبل ويعيد مصر لمكانتها، ورأوا في السيسي بطلا شعبيا واعدا، غير أن تلالا من تلك الشعبية انهارت مع لجوء الحكومة لصندوق النقد الدولي وفرض إصلاحات قاسية ضربت الطبقات الدُنيا بشكل واضح، وإخفاقات متتالية على مستوى تخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين.  لم يُفصح بهاء جاهين بشكل واضح عن غضبه وتمادى في الاختفاء، غير أن قصائده الأخيرة تنضح بتلك الفكرة. يقول:

“يجيءُ فلانٌ.. ويمضي فلان

 ولا مُشْتَكا من مُضِي الزمان

ولكن بقاءُ الفتى وهو شيخٌ

بلا قطرةٍ من نبيذ الدِّنان

 باكُل بلوظة وفَتّة

وامضي استمارة سِتة”

الاعتزال محطة أخرى من محطات صلاح جاهين، يمر بها الابن بهاء. كان الأب كلما أصابه حزن اعتزل الناس واختفى، كأنه يتبخر. ذلك المعنى الذي عبّر عنه بهاء جاهين شعرا في ما بعد بقوله

 “أنا مش مش باحبك

 بس باتبخر

 وأقدر أعيش.. أقدر

 لما تاخدني المراكب

 وأنت مش راكب”.

يحكي الناقد محمد شعير، أنه كان معروفا عن صلاح جاهين اختفاؤه الدائم. كان يختفي عن الجميع، إذا مر به موقف صعب. ذات مرة عندما أصيب والد صلاح بمرض السرطان وساءت حالته، قرر صلاح أن يختفي، ومرت عشرة أيام دون أن يظهر، فذهبت شقيقته لمنزل المطرب عبدالحليم حافظ لتسأله عن شقيقها. وأكد لها أنه لا يعرف أي شيء، لكنها لم تصدق، فوعدها أنه سيعثر عليه، ويأتي به غدا لمنزلهم.

بالفعل تصرف عبدالحليم بشكل أكثر جنونا، ونشر إعلانا في اليوم التالي في “الأهرام” كتب فيه “ارجع يا صلاح.. أهلك بيدوروا عليك”، فعاد في اليوم التالي إلى منزل والده، واكتشفوا أنه كان يختبئ من أحزانه في الإسكندرية.

الابتعاد عن البشر

اعتزال جاهين لكثير من مباهج الحياة وعدم التفاعل مع الوسط الثقافي يجعلان حياته أملا وبهجة وانطلاقا، ثم تحققا وتألقا، ثم أزمة فمقاومة وصدمة
اعتزال جاهين لكثير من مباهج الحياة وعدم التفاعل مع الوسط الثقافي يجعلان حياته أملا وبهجة وانطلاقا، ثم تحققا وتألقا، ثم أزمة فمقاومة وصدمة

الشاعر بهاء هو الآخر معروف باختفاءاته كلما ألمّ به حُزن. يقول عنه أحد أصدقائه “بهاء كثيرا ما تنتابه حالات حُزن فيختفي عن الجميع ولا يرد على أحد. يغيب فلا تعرف إن كان في القاهرة أو سافر هنا أو هناك”.

 اختفاء بهاء لمسه كاتب هذه السطور في محاولته التواصل معه. لم يرد على الاتصال به ست مرات في اليوم الأول وتكرر الأمر في اليوم التالي، ولم يلتفت لرسالتين تطلبان لقاءً للحوار أو الاعتذار. الخصام مع العالم بلغ درجة حادة مع بهاء جعله يدخل مرحلة يتجاهل فيها كل شيء.

أصبح بهاء جاهين يأنس بوحدته، وابتعاده عن البشر، والسياحة في الملكوت، بعيدا عن الشخوص والأشياء، مُتحدا مع شجنه. حتى إذا تعرض لظلم لا يرده، يتقبله راضيا دون أدنى محاولة لرده، عندما انتزعوا منه مكتبه في جريدة الأهرام ومنحوه مكتبا أقل مساحة وموقعا، لم يبد اعتراضا ولملم حاجاته وكتبه مطيعا.

عاد إلى مكتبه الأول، بعد تراجع الإدارة عن قرارها، ملتزما الصمت ولم تظهر عليه أي علامة للانتصار. فقط عاد لأن محبيه حوّلوا نقله من مكتبه الأصلي إلى معركة أخلاقية، وأنّ ما حدث لبهاء لا يليق، فأُسقط من يد الإدارة التي كانت تجهل مكانة بهاء، أو تتعمد تتجاهلها.

الرجل يعيد حالة نادرة من التصالح مع النفس، ويخشى أصدقاؤه أن تصل به حالة الانزواء إلى الدخول في مرحلة اكتئاب مزمن. لم يعد يربطه بالوسط الثقافي سوى مقالة أسبوعية يكتبها يوم الجمعة بجريدة الأهرام، يخشى أصدقاءه الذين لم يلتقوه منذ فترة، إذا فقدها أن يفقد معها نفسه.

على موقع “يوتيوب” مقطع مصور للاحتفال بتكريم بهاء جاهين في مؤسسة “الأهرام” في شهر نوفمبر 2016 في حضور محمد عبدالهادي علام رئيس تحرير الأهرام السابق. الكلمات التي قيلت في حق الرجل تمثل بالفعل لمسة وفاء كانت تسود المؤسسة العريقة على مدى أزمنة مضت.

تغيرت الأوضاع، وقد يكون انفلات التقدير في محل العمل سببا في قرار الشاعر باعتزال الناس قبل المغادرة. يحكي أحد أصدقاء بهاء لـ”العرب” أنه التقاه قبل ستة أشهر في مقر مؤسسة الأهرام بوسط القاهرة، وكان حزيناً بسبب إهمال صفحات الثقافة والإبداع في الجريدة. وقال له إنه ينوي ترك الأهرام، وبنبرة مليئة بالحزن أشار إلى أن “المناخ كله سيء”.

في ظل جسر الجليد المتراكم بين الثقافة والدولة تنزوي الكثير من طاقات الإبداع المتدفقة لأنها تشعر بعدم الاهتمام. المُثقف ضمير الناس و”ترمومتر” رضاها. عندما يشعر بالعجز عن التأثير ينخلع من محيطه ويحبس في عزلته. كما فعل الكاتب والشاعر الفرنسي رينيه شار الذي كتب قصائد رائعة في الثورة والأمل وشارك في الحرب العالمية الثانية ضد النازي، ثم وصل لمرحلة اللاتأثير فاعتزل وعاد إلى مسقط رأسه وسط الحقول الجميلة حتى مات في الرابعة والثمانين.

أشهر الأمثلة في الأدب العربي تخص الشاعر الفذ أبوالعلاء المعري الذي اعتزل الناس تماما سنة 400 هجرية وظل قابعاً في بيته يقرأ ويكتب ويبدع الشعر زاهداً في كل شيء، حتى لقّبه الناس بـ”رهين المحبسين”.

بهاء مثل الكثير من المصريين انتفضوا خلف الجموع رافضين أخونة الدولة المصرية وقاموا بثورة 30 يونيو 2013، وحلموا بمخلّص نقي يفتح أبواب المستقبل ويعيد مصر لمكانتها، ورأوا في السيسي بطلا شعبيا واعدا، غير أنّ تلالا من تلك الشعبية انهارت مع لجوء الحكومة لصندوق النقد الدولي وفرض إصلاحات قاسية ضربت الطبقات الدُنيا بشكل واضح

لم تعد أمسيات الشعراء تحظى باهتمام الشباب، كما كان يحدث مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد. لم تعد دواوين الشعر توزع سوى بضع عشرات من النسخ، ما جعل جابر عصفور وزير الثقافة المصري الأسبق يطلق صيحته المدوية “هذا زمن الرواية”. ويبدو أن بهاء جاهين انفعل بذلك فزاده حزنا على حزن.

 الأخطر أن يقوده هذا كله نحو “الانتحار” كما فعل والده الذي تناول أدوية مهدئة ومضادة للاكتئاب، وفي إحدى المرات تناول كمية كبيرة من الحبوب فأودت بحياته.

ظل الأمر مسكوتا عنه حتى نشر الناقد الفني الراحل سمير فريد مقالا سنة 2009 قال فيه “صلاح جاهين مات منتحرا”. وقتها انفجر بهاء مُنكرا ومنتقدا ومرددا أن
والده مات نتيجة أدوية كانت مؤثرة على القلب.

نفي الانتحار لم يُغير شيئا من حقيقة النهاية المأساوية، إذ سرعان ما نشر بعض المقربين من صلاح جاهين شهاداتهم التي أكدت القصة. وكانت شخصية طاهر القرملاوي التي أبدعها نجيب محفوظ في رواية “قشتمر” تعبر بشكل واضح عن صلاح جاهين واكتئابه الذي عاش معه بعد هزيمة يونيو 1967، والتي دفعته نحو النهاية المتوقعة وهي مغادرة الحياة.

يستبعد بعض المقربين من بهاء مواصلة انغماسه في أحزانه وكآبته إلى الأبد. ويقولون إنه “سيخرج منها قريبا”، ويؤكد أحد أصدقائه، أن بهاء يرفض أن يكرر أباه في فصل النهاية، فمن تجنب تقليده في البداية من الصعوبة أن يخطو خطاه في النهاية.

8