بهارات

الأربعاء 2014/10/08

أتمثل، في كثير من الأحيان، مفهوم “الماء” المتردد في كتب البلاغة العربية، بحاسة الشم، حيث يتخايل إلى ذهني الجفاف الأسلوبي مقرونا بالرائحة النفاذة للطبخة المحترقة، فالتعبير، في عمقه، وصفة متقنة، لها مقاديرها من البهارات… لذا كنت دوما أعتقد أن الكاتب الذي لا يتذوق الأطعمة والأشربة، ولا يميز بين صحونها وكؤوسها الرفيعة والسوقية، من العسير أن يكون صاحب موهبة حقيقية. لقد اشتغل بدر شاكر السياب ذواقة تمور قبل أن يكون شاعر الحداثة الشعرية العربية الأول، امتلك الريق الراقي الذي يفرز ويحلل ويقيس، كان صاحب ماء معياري قبل أن يكون صانع كلام، فاللسان الذي لا يسبر الحلاوة ويمتحن الطلاوة لن يصنع ماء ولا رونقا لفظيا.

والرواية والشعر والمسرحية والمقال النقدي إما أن تكون حلوة أو من غير طعم، حارة أو باردة، حريفة أو سائغة… لكن ما قبل الجلوس والتناول، وانطلاق الألسنة شعرا ونثرا، كانت ثمة مطابخ، شبيهة بخلوة الكاتب أمام الصفحات البيضاء، تلك المطابخ هي الإبداع كله، لهذا استهوت الشــعراء والروائيين والفنانين عبر الأزمنة.

كان “همنغواي” بارعا في وزن التوابل وتوليف الأكلات، روايته “الوليمة المتنقلة” مأدبة حقيقية، أبلغ المشاهد فيها تلك التي تدور أمام صحون المحار والمخللات وشرائح اللحم ووصفات السمك…

وما قبل الرواية وبعدها أتقن همنغواي طبخ الطرائد التي ولع بصيدها؛ يهيّأ لي أنه أمضى نصف حياته في المطبخ. وحين عنون عبداللطيف اللعبي ديوانه الجميل بـ: “فواكه الجسد”، كان يحتفي بالثمار الحية واليابسة، بالذوق وبالإحساس، هو طبعا ذواقة كبير أمام المائدة، وصاحب موهبة في نقل نشوة الاستلذاذ، وفي صوغ الكيمياء الفاتنة للأطعمة المبتكرة.

ذات يوم كنت أجادل صديقا قديما، عن قيمة أحد الروائيين المغاربة، تحمس له بشكل غير عقلاني، ودافع بسخاء عن اختياراته الموضوعية التي تبدو منحازة لعوالم القاع، وللنكبات السياسية المتواترة في تاريخنا المعاصر، لكن ما كنت أقوله هو أن الرواية -في النهاية- توليفة متقنة ومتوازنة المكونات، الموضوع ما هو إلا المادة الخام، شيء شبيه بـ: “اللحم” أو “الدجاج” أو “السمك” أو “العدس”،… لكن جوهر الطبخة هو العماد، في المحصلة، أي القدرة على موازنة مقادير البهارات والزيت والماء.

وأخذنا الحديث إلى مقارنة مفردات النقد بمفردات الطعام، من “الماء” إلى “الملح”، وقد كنا نبحث عن مائدة شاغرة في مطعم نعرفه، وإذا بنا نفاجأ بصاحبنا الروائي، موضوع حديثنا، جالسا أمام صحن “نقانق”، يلتهمه بنشوة، دعانا إلى الجلوس، وفي انتظار طلباتنا اقتسمنا الصحن الموضوع أمامه، كان صحنا حارا ومالحا، يترك غصة في الحلق.

عند انصرافنا كانت الجملة الوحيدة التي تسابقنا لقولها هي أن من يأكل تلك “النقانق” من المحال أن يكون روائيا.


كاتب من المغرب

15