بهجة عيد الميلاد تطرق أبواب دمشق لنسيان آلام الحرب

مظاهر أجواء الاحتفال بعيد ميلاد المسيح تنتشر في الأحياء القديمة بدمشق التي يقطنها مسيحيون، بعيدا عن أجواء الحرب التي كدرت حياة السوريين لسنوات طويلة.
الأربعاء 2018/12/19
الفرحة لا تفرق بين الأديان

الحرب أرهقت السوريين وكدّرت حياتهم لسنوات طويلة، لذلك يحاولون أن ينسوا آلامهم في كل المناسبات بعد أن هدأت الأوضاع في العاصمة دمشق، هم في حاجة إلى بعض الفرح ليعيد لهم الأمل بالحياة، ورغم الغلاء تنتشر مظاهر الزينة في منازل ومحلات وكنائس الأحياء التي يسكنها المسيحيون احتفاء بعيد ميلاد المسيح.

دمشق - ظهرت زينة عيد الميلاد للمرة الأولى منذ سنوات في العديد من الأحياء القديمة بدمشق التي يقطنها مسيحيون، وانتشرت إعلانات لحفلات الكريسماس بعيدا عن أجواء الحرب التي كدّرت حياة السوريين لسنوات طويلة.

وجعلت الألوان الزاهية العديد من سكان العاصمة السورية يأملون في أن تنقشع سحابة الحزن التي خيّمت على البلاد، وأن تعمّ الأفراح بدل رائحة البارود، وأن يكون عيد الميلاد انطلاقة نحو مستقبل أفضل لجميع السوريين.

ويلتئم شمل الأسر المسيحية في سوريا احتفالا بالكريسماس، ويتعمق التواصل بين الأقارب، وتنشط الأعمال الخيرية، فتكثر الأسواق الخيرية التي يعود ريعها إلى المحتاجين ليعمّ والفرح والشعور بالأمان على الجميع.

وقبل قدوم الموعد بعدة أيام يقوم المسيحيون بوضع شجرة عيد الميلاد داخل المنازل وعلى الشرفات وأمام المحال وفي الكنائس، لأنها ترمز منذ القديم إلى الخير والعطاء والحب.

وتقول ريما شحادة لوكالة الأنباء السورية “سانا”، إن التحضيرات التي تسبق أيام العيد، تضفي جوا من الألفة والفرح والدفء لتصل إلى الشوارع والبيوت والكنائس.

وتضيف، أنها كانت تنتظر يوم قيام والديها بإضاءة الشجرة وتزيين المغارة برغبة عارمة لتكتب رسالتها إلى بابا نويل، وتضعها داخل الشجرة وتعيد فتحها كل يوم لتضيف أماني وتحذف أخرى حتى ليلة الميلاد حيث تبقى يقظة لتسمع صوت رنين الجرس القادم من بعيد والمحمّل بالهدايا، مؤكدة أن هذه المعاني رغم ضعف بريقها مع تقدمها في السن، إلا أنها لا تزال تنتظر يوم العيد بما يحمله من أجواء.

وتضيف، أنها ستكتب أمنياتها التي تتلخص في عودة من غادروا البلاد من عائلتها، وأن يلتئم الشمل في هذه المناسبة، متسائلة متى سيكون ذلك، ففي القلب حسرة على أهلها الذين لم تلتق بهم منذ سنين.

غلاء الأسعار في المناسبات

المحلات العامة تستعد للمناسبة
المحلات العامة تستعد للمناسبة

تستعد المحلات التجارية مع حلول عيد الميلاد عبر طرح أشكال مختلفة ومبهرة من الزينة واللعب والمغارات الاصطناعية التي تشبه تلك التي ولد فيها المسيح عليه السلام والأجراس والشموع وهدايا كثيرة تحمل رموز العيد تجلب إعجاب الناس، وتدفعهم راضين إلى شرائها، ومنها ملابس العيد المتمثلة في بدلة بابا نويل، تلك الشخصية المحبّة للمرح والتي تتولى توزيع الهدايا على الأطفال ليلة العيد.

ويقول فراس صاحب متجر في سوق الحميدية، إنه نظرا لمحبة الناس لشخصية بابا نويل ورمزيتها في حب الخير والعطاء، بدأنا نتلقى طلبات لكل الأعمار لبدلة كاملة رغبة في تمثّل هذه الشخصية التي تزرع الفرح في قلوب الصغار والكبار.

ويقبل الناس على شجرة الميلاد رغم غلائها لحاجتهم إلى الفرح والعودة إلى طقوس الاحتفالات التي تعم المناطق في مثل هذه الأيام بحسب فراس.

وترتفع أسعار الفواكه والهدايا في مثل هذه المناسبات من كل سنة ما يرهق جيب المواطن الذي يعاني من صعوبة تأمين متطلبات الحياة اليومية.

ويقول باسم بشور من سكان دمشق، “لقد زادت تكاليف عيد الميلاد إلى الضعف بين هذا العيد وعيد الفصح منذ شهر أبريل الماضي، علما وأن حاجات العيد ولوازمه هي نفسها تقريبا والفترة متقاربة من نفس السنة”.

ويقول البائع علي يوسف صاحب محل في سوق الحميدية، “تعد حركة البيع والشراء على زينة عيد الميلاد، من أشجار زينة ولعب الأطفال ولباس الميلاد، أقل من عادية حيث بعت  هذا العام 20 شجرة إلى غاية الآن، بينما كانت تصل مبيعاتنا سابقا إلى مئات أشجار عيد الميلاد وعشرات البدلات ومئات القطع من ألعاب الأطفال وغيرها”.

وجعل غلاء المعيشة البعض غير قادر على توفير مستلزمات العيد وملابس أطفاله، فالبلاد مازالت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة كما يقول بسام (أب لثلاثة أطفال)، “رغبت بأن يشعر الأطفال بالعيد، إلا أنني لم أتمكن من شراء ملابس جديدة لهم أو ألعاب”، مشيرا إلى أنه بالكاد يغطي المصاريف اليومية التي ترتفع كل يوم مع ارتفاع الدولار، ما رفّع من سعر الألعاب والهدايا التي يتم استيراد أغلبها من خارج البلاد.

المحلات العامة تتزين بالفرح

مسلمون يشاركون جيرانهم وجبة الاحتفال
مسلمون يشاركون جيرانهم وجبة الاحتفال

تتزيّن مقاهي ومطاعم دمشق القديمة بأشجار الكريسماس لاستقبال الزبائن ونشر البهجة في قلوبهم، وبدأ بعض الشباب الذين يرتادون المقاهي في كتابة أمنياتهم التي تختلف من واحد إلى آخر، فمنهم من تكتب أمنية تتمنى فيها عودة حبيبها، وآخر مازالت أمنياته تتلخص في الهجرة واللحاق بأصدقائه أو إخوانه، وآخرون يتمنون نسيان ما خلفته الحرب فيجتمع شملهم بأهاليهم من جديد.

ويتركز مسيحيو دمشق في أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي، وبنسبة أقل في أحياء جرمانا ودويلعة.

ويقول حنا السعد، وهو صاحب متجر لهدايا وزينة عيد الميلاد في حي القصاع الذي كثيرا ما تعرض للقصف من منطقة جوبر القريبة، “التحضيرات جدّ ممتازة ولا توجد قذائف ولا قصف”.

ويقول حيان سعيد، بائع الزهور الذي قام بتزيين الشجرة الكبيرة في شارع القصاع، “نحاول أن نشعر بأجواء الفرح والسرور بعد سنوات طويلة من الظلام والأخبار عن الوفيات والكوارث”، مضيفا، “لمسنا هذا العام شيئا مختلفا مقارنة بسنوات الحرب، حيث يبتسم الناس الآن ويمكن الشعور بروح العطلة مرة أخرى.. إنها سنة جديدة وأمل جديد”.

وتجمّع أناس من مناطق متفرقة من دمشق في شارع القصاع للاستمتاع بإضاءة شجرة عيد الميلاد، والتقاط الصور التذكارية بجوارها.

وتقول عبير إسماعيل، وهي من سكان الحي، “السنة الماضية لم نكن نتجرّأ على الخروج إلى الشارع كثيرا، حتى الكهرباء كانت مقطوعة، ولم نكن نرى أضواء الزينة في مثل هذه المناسبة، لكن هذه السنة تغيّر الأمر، فالناس يزيّنون بيوتهم بعد أن شعروا بالأمان، وتراهم متحمسين للاحتفال بعيد ميلاد المسيح، أظن أن البلاد ستكون أحلى في الأعياد”.

ويشدد منار خطاب، وهو شاب من سكان الحي، على أهمية الاحتفال بالعيد لكي لا يترك الناس نهبا للحزن والتعاسة طوال الوقت.

ويجري تزيين حي العباسيين، الذي استهدفته قذائف المورتر بصورة منتظمة، وأجزاء قريبة من المدينة بأضواء عيد الميلاد وأشجاره، بينما يستعد العازفون في فرقة كشافة محلية لمسيرة عيد الميلاد التي لم تنظم منذ سنوات.

وشكل المسيحيون السوريون حوالي 10 بالمئة من سكان سوريا قبل الحرب، والبالغ عددهم حوالي 20 مليون نسمة، لكنّ الكثيرين غادروا إلى أوروبا عندما اندلعت الحرب في 2011.

طقوس عيد الميلاد

بابا نويل يدق الأجراس
بابا نويل يدق الأجراس

في عيد الميلاد يتجه المسيحيون إلى الكنائس والأديرة لتأدية فروض الصلاة والعبادة. ويقول الأب جورج جبيل “إنه من خلال الصلوات والتراتيل والنشاطات، نجد أن الكنيسة تدعو المحتفلين لعيش المصالحة والغفران مع القريب ومع الله.. فعيد الميلاد، هو عيد المحبة، ولا يمكن أن تتفق المحبة مع الخصومات والعداوات والبعد عن الآخر، فنجد تكثيفا في الصلوات التي تسبق هذا العيد، وتسمى صلوات التهيئة قبل الميلاد وبعده، إضافة إلى الأعمال الخيرية التي تقام في الكنائس بهذه المناسبة”.

ويضيف، “إن الميلاد هو دعوة إلى عيش المحبة والسلام وكل القيم النبيلة التي تسهم في بناء الإنسان والمجتمع والكنيسة والوطن ودعوة إلى كل إنسان ليشعر بأنه محبوب من الله، كما أنه عيد العائلة التي تضم الكبار والصغار”.

وتمتلك كل كنيسة في دمشق فرقتها الخاصة، لكن في السنوات الماضية، سيّرت كنائس قليلة جدا فرقها في الشوارع.

وتقول لين دروبي، العازفة بفرقة الكشافة، “صار هناك فرح كبير وحتى الأولاد أصبحوا يرتادون الكنيسة دون خوف من أهاليهم عليهم”.

وقامت كاتدرائية الروم الكاثوليك بباب شرقي بإضاءة شجرة الميلاد وافتتاح السوق الخيري الذي يعود ريعه إلى الأيتام والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.

ورافقت إضاءة الشجرة ألعاب نارية، إضافة إلى عرض موسيقي قدمته الفرقة العامة للموسيقى كتقليد سنوي يؤكد على معاني العيد في نشر المحبة والسلام والتآخي بين السوريين جميعا.

وأوضح كاهن الكاتدرائية نعيم الغربي، أن ما يميّز احتفالات هذه السنة بعيد الميلاد، أن دمشق تتعافى من الإرهاب، وهي تعيد الميلاد بأبهى حلة، متمنّيا أن يعم السلام أرجاء سوريا.

وتتم الاحتفالات في بيوت المسيحيين مع تراقص الأجراس والأنوار من فوق شجرة العيد والتي ترسم البهجة على وجوه الأطفال مع تزيين أركان البيت وتبادل الهدايا والاستمتاع بتناول كعك العيد، لتنتهي بكتابة الأمنيات والأحلام على أمل أن تصل إلى بابا نويل، فيحملها على عربته ويضعها خلسة أمام نافذة البيت.

ويقول سامر شحادة، إن عيد الميلاد متميّز بكل طقوسه وعاداته وقصصه، فهو مليء بالألوان والأضواء والدفء، كما أنه يرمز إلى معان روحية عميقة في كل جزء منه، عبر المغارة التي تروي قصة الميلاد، والشجرة التي تعني العطاء، وبابا نويل الذي يرمز إلى مساعدة المحتاج وتذكّر الآخر يوم العيد.

ويضيف، أنه يحرص من خلال تواصله مع الأطفال على تذكيرهم بمعاني العيد الروحية، ويتذكر جدته التي كانت تعيد وتكرر على مسامعهم قصة الميلاد ومعانيها وقيمها.

الفرح لكل الطوائف

مغارة ميلاد المسيح تجذب الأطفال
مغارة ميلاد المسيح تجذب الأطفال

المسلمون الذين يشاركون المسيحيين سكن الأحياء القديمة في دمشق لا يتأخرون عن الاحتفال بمناسبة عيد ميلاد المسيح، حيث يشاركون جيرانهم أفراحهم بالمعايدة وزيارتهم في بيوتهم وتهنئتهم بمناسبة العيد، تماما كما يفعل المسيحيون معهم في أعياد المسلمين ورمضان.

ففي حي باب توما والقصاع وباب شرقي وغيرها من المناطق نجد دكان الخضار إبراهيم وآخر اسمه دانيال والنجار سركيس واللحام محمد أبوناصيف بائع الحلوى، وهم لا يفرقون بين زبائنهم ويستقبلون من يدخل محلاتهم بحفاوة بالغة، كذلك يعيش الأطفال من الديانتين في المدرسة وساحات الألعاب مع بعضهم، ويتشاركون وهم في سن الشباب في نفس الموسيقى وأجواء الحياة المعاصرة، كما أن أهوال الحرب جمعت بين أهالي هاتين الطائفتين على التآزر والتواصل بعيدا عن الاحتقان الطائفي.

ويقول سمير مالك، الشاب المسلم الذي يسكن في باب توما، إن الفرق بين مسلم ومسيحي لا يعنيه، فالإنسانية تجمعنا، كما أننا منذ كنا صغارا كنّا نحب هذه المناسبات التي نحصل فيها على فسحة من اللعب والهدايا، لذلك لم يكن يعنينا الفرق طالما يجمعنا الفرح.

ويضيف، أن الشباب المسيحيين والمسلمين يلتقون على الفرح في هذه المناسبة بالأماكن العامة أو في منازل الجيران الذين استعدوا لهذه المناسبة قائلا، “أنا وصديقي جورج وميرنا نلتقي على الفرح وتزيدنا السنوات التي مرت علينا إصرارا على أن الحياة أفضل من الوقوف على الاختلاف في المعتقدات، أسهر عندهم في المناسبات، واستقبلهم في سهرات رمضان ويأتون في عيد الفطر بحجة المعايدة (ضاحكا)، لكنهم يستولون على الحلويات”.

يذكر أن طقوس الاحتفال بعيد ميلاد في سوريا تختلف من محافظة إلى أخرى، لكنها تشترك في هدف واحد، وهو إدخال السرور والفرح على نفوس السوريين.

20