بهرام حاجو من القامشلي إلى برلين حياة رجل غامض

التمرد هو الشيء الوحيد الذي ورثه حاجو من تربيته الكردية الأولى ووجد له أرضا خصبة في الواقع الجديد الذي انتقل إليه وصار جزءا منه باعتباره رساما ألمانيا.
الأحد 2021/05/16
رسام بهويات منسجمة

ليس من اليسير أن يحقق رسام مهاجر اختراقا على مستوى إثبات حضوره في المشهد الفني الأوروبي. فالمقاييس المنضبطة لا تغيب عن ذلك المشهد ولو للحظة وكل شيء محسوب ومعد سلفا من النقد الفني حتى السوق المحكومة بآليات ليس للصدفة محل فيها.

غير أن السوري بهرام حاجو كان استثناء حين نجح في اللحاق بمواطنه مروان قصاب باشي الذي سبقه إلى ألمانيا واستطاع أن يقف بجدارة بين كبار الرسامين الألمان بل ويكون معلما يُشار إليه بقدر عال من التقدير.

رسوم الكائنات الغريبة

رسوم حاجو تثني على معاناته الإنسانية ولا تخفيها. وهي بالنسبة له معاناة مزدوجة، إنسانا وفنانا وفي الحالين كان هناك شعور عميق بالفقد والحرمان والضياع تقابله رغبة في اختراق المجهول والوصول إلى هدف، ليس في الإمكان تسميته. لا لأنه لا يُرى بل وأيضا لأنه يقع في منطقة محرمة. وهو ما يعني أن في إمكان الرسم أن يحقق نوعا من التوازن في حياة المهاجر الذي يرتجل شخصيته مع كل خطوة جديدة يلقيها على أرض منفاه.

حاجو يبدو كاستثناء بين الفنانين المهاجرين، بعد أن نجح في اللحاق بمواطنه مروان قصاب باشي الذي سبقه إلى ألمانيا واستطاع أن يقف بجدارة بين كبار الرسامين الألمان بل ويكون معلما يُشار إليه بقدر عال من التقدير

يرسم حاجو الغرباء. لا يحتاج الغرباء إلى ملامح واضحة. إنسانيا هم ليسوا متشابهين لكنهم من وجهة الآخر هم الشخص نفسه. الشخص الذي يتكرر. الشخص الذي يفترسه الحلم عينه وتقف وراءه الحكايات نفسها.

غريب يرسم الغرباء. ألأنه يعرفهم؟ ذلك ليس صحيحا. فبهرام يرسم كائنات لا يعرفها وهو يصر على الاعتراف بأن كونه واحدا من ذلك الحشد لا يعني بالضرورة أن في إمكانه أن يكشف عما يميز كل فرد عن الفرد الآخر. ليس الرسم كشفا نفسيا.

كان أسلوب حاجو أقرب إلى التجريد منه إلى التعبيرية التي عزف الرسام عنها بسبب طابعها الأدبي. في حقيقة رغبته في أن يجعل من حياته الشخصية مصدر إلهام لرسومه تكمن محاولته المتمردة والعنيدة في الحفاظ على الطابع البصري الذي يعجز التعبير الأدبي عن الحلول محله أو اختزاله.

لم يكن الوصف هدفه بالرغم من أنه رسم ما رآه. تلك الكائنات التي يرسمها عاشت معه ورافقته وتقاسمت معه ذكريات لا يزال وقعها يضرب في أعماقه. لم يكن الغرض من الرسم أن يقول “كنت معهم” أو “أنني كنت هناك” بل يمكن أن يكون الأمر أشبه باللغز “هل تراني بينهم”؟ أو “أنهم لا يزالون يقيمون معي في أحلامي”. يرسم حاجو الغرباء الذين يحيطون به حتى بعد غيابهم.

هويات متآخية

Thumbnail

ولد حاجو عم 1952. غادر سوريا وعمره عشرين سنة. كانت بغداد هي محطته الأولى. غير أنه لم يكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة هناك. انتقل إلى براغ ومن ثم إلى برلين ودرس علم الآثار في مونستر بألمانيا. بعدها درس الرسم في أكاديمة الفنون الجميلة بدسلدورف.

أقام معرضه الشخصي الأول عام 1983 في ألمانيا. تلت ذلك المعرض معارض عديدة أقامها الرسام في ألمانيا والولايات المتحدة والمكسيك والمجر وسوريا وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وعام 2014 حصل على جائزة هنري ماتيس الفرنسية.

سيُقال دائما إن حاجو اسم على مسمى. فـ”بهرام” كلمة فارسية تسللت إلى اللغة الكردية معناها الموهبة أو الموهوب، وكان بهرام موهوبا منذ طفولته وهو ما أكسبه شهرة مبكرة في القامشلي، هناك حيث ولد وترعرع.

لم يكن غريبا أن يبدأ الفنان برسم الطبيعة فقد تشكل الجزء الأساس من بنيته النفسية وسط طبيعة ساحرة، صار التعبير عنها هاجسا رافقه عبر سني احترافه الأولى. بعدها انتقل إلى عالم تعبيري كان هو الآخر غير منقطع الصلة بسنوات تكوينه الأولى في مجتمع كردي كانت له إضافة إلى لغته وتقاليده وطقوسه وعاداته معاناته الإنسانية العميقة المتعلقة بتواشج الجغرافيا بالتاريخ اللذين لم يكن الشعب الكردي حسن الحظ في العلاقة الشائكة معهما.

رسوم بين الهوية والعاطفة

الكائن يقف في مواجهة العالم وفي الوقت نفسه يقف في مواجهة نفسه ليقول "هذا أنا في تجلياتي التي تُظهر في المرآة علاقتي بحكايات الجمال والحب والخوف والعزلة والقلق والغموض والحرية"

ما هو لافت في التكوين الثقافي للفنان أن تلك التجربة الإنسانية العميقة قد تحولت إلى مصدر إلهام فني له من غير أن تعطل قدرته على الاتصال بالعالم بل كان أفقه الإنساني دائما يتسع بحيث صارت هوياته تتناغم في ما بينها ليكون ذلك الانسجام هو الآخر مصدر إلهام له.

لا يمكن تعريف حاجو بهوية واحدة فهو كردي وسوري وعربي الثقافة وهو أيضا ألماني بعمق. يقيم معارضه في مختلف أنحاء العالم ومنها مدن عربية، غير أنه في الأساس يجد القيمة الحقيقية لما يفعل في ردود أفعال الوسط الثقافي الألماني.

يقول “أرسم الإنسان عاريا من غير أي حماية أو وقاية سوى جلده وملامحه الجسدية. الفراغ الأبيض في اللوحة هو الضياع. ذلك هو انعكاس لشخصيتي ونفسيتي”.

يقف الكائن في مواجهة العالم وفي الوقت نفسه يقف في مواجهة نفسه ليقول “هذا أنا في تجلياتي التي تُظهر في المرآة علاقتي بحكايات الجمال والحب والخوف والعزلة والقلق والغموض والحرية”.

رسم حاجو لا من أجل أن يستحضر تجربة ماضيه أو يتذكر ما عاشه بل من أجل أن يعيش حياته الشخصية في الرسم. يعيش غربته وحريته وهما تتبادلان القوة وتتجاذبان. وهو ما يسمح له بالظهور وسط كائناته مجهولة الهوية. تلك الكائنات التي يعرفها جيدا ويمكنه الحديث عنها كما لو أنه استخرجها من خزانة ذاكرته. وهو لا يرسمها إلا لأنه يرغب في أن يتحرر من رفقتها التي تجلب له الكثير من الضنى.

تلك كائنات من غير هوية وهو ما يعكس موقف حاجو من مفهوم الهوية التي عاش فصولها بطريقة شخصية ولكنها كائنات من غير عاطفة أيضا. ذلك ما يحول بينها وبين التعبير عما ترغب في التعبير عنه من معاناتها الإنسانية.

يحرص حاجو على أن يكون هناك شيئا من الغموض يغلف به كائناته. فالعاطفة ليست هوية كما أن الهوية يمكن تجريدها من العاطفة. في المسافة بين القوتين يقيم الرسام معادلته التي هي أساس عالمه الفني. وفي ذلك إنما يستند الرسام إلى سيرته الشخصية. لقد عثر على هويته في الرسم. إنه يرسم فهو موجود. ذلك ما أعانه على أن يكون صورة عن كل الكائنات التي رسمها. أما العاطفة فقد عرف كيف يقوم بتحييدها منذ الأيام الأولى لهجرته إلى أوروبا. العاطفة عدو. ذلك ما تقوله رسوم حاجو.

المتمرد في مرآته

Thumbnail

“عندما أرسم نفسي في كل لوحة أرسم تلك الحالة بعدما أصبحت عاريا تماما من الدفء والأمان والترابط الإنساني. فلا شيء يعوض ما فقدته” ذلك ما يقوله بهرام حاجو في محاولة منه لوصف حالته وهو يرسم. إنه الآخر الذي يسعى إلى أن يكون حاضرا في ما يفعله الآخرون ممن يشاركهم ضياعهم ومحنتهم الوجودية.

لا يرغب في أن يقول ذلك الشيء الذي نرغب في سماعه. فالرسم ليس خطابا مباشرا بقدر ما هو كدح جمالي لا حدود للمناطق التي يتحرك فيها وهو يسعى إلى أن يصل الأمكنة بالأزمنة من خلال مزاج شخصي لا يمكن التحكم به بطريقة آلية. لا يمكننا في رسوم حاجو أن نقيس مدى الغضب والاحتجاج والنفور مقارنة بالرضا والتفاؤل والرأفة. ذلك ما لن يتمكن حاجو نفسه من توضيحه بعد أن عرى كائناته من العاطفة.

غير أن ما هو ثابت أن التمرد هو الشيء الوحيد الذي ورثه حاجو من تربيته الكردية الأولى ووجد له أرضا خصبة في الواقع الجديد الذي انتقل إليه وصار جزءا منه باعتباره رساما ألمانيا. إنه ألماني متمرد مثلما كان في كل هوياته السابقة.

Thumbnail
9