بوابات اللاعبور الخيالية.. تمعن في إعادة هيكلة ذاتها

لوحة براهيم عشير "الجدار الخفي" غنية لدرجة أننا نستطيع أن نستشف منها بعضا آخر من "خزعبلات" عالم الألعاب الديجيتالية.
الجمعة 2019/04/26
لوحة مُشبّعة بروح شاعرية مشرقية

حين يُشاهد المرء عملا فنيا يتميز بطابع كلاسيكي من حيث المعالجة الفنية قد لا يتوقع أن يجد فيه ما يأخذه إلى عالم التكنولوجيا المتقدم والألعاب الإلكترونية التي تساهم تدريجيا في تخليق وعي بشري جديد له قوانينه الخاصة و“المتوحشة” في الكثير من الأحيان، ولكن هذا ما حدث تماما عندما رأيت إحدى لوحات الفنان الجزائري براهيم عشير بعنوان “الجدار الخفي”، لوحة ربما تطرح مسألة ترسيم الحدود الافتراضية.

تظهر في اللوحة، كما في معظم لوحاته، امرأة مرسومة في تبجيل واضح لأنوثتها الطاغية في مختلف مراحل عمرها، رسمها الفنان الجزائري مُتسيّدة المكان الذي توجد فيه أو تشرف عليه من بعيد.

وفي اللوحة مشهد طبيعي لحقل شبه صحراوي غارق في أضواء شمس العصر، تقف امرأة جزائرية الطابع في وسطه رافعة ذراعيها كأنها تتحسّس جدارا غير مرئي لغيرها، يقف بينها وبين ما انبسط من المشهد أمامها.

أول ما يثير الانتباه أن المشهد العام بغض النظر عن وجود الجدار/ الحاجز الوهمي بين ما هو خلفها وأمامها مُتناغم في كلّيته وتنساب تفاصيله المتقشفة، إلاّ من ألوانها ممّا يُصرّح بأن المشهد هو واحد، والمعالم واحدة.

هذا الجدار الخفي يشبه كثيرا في منطقه الجدران اللامرئية في الألعاب الإلكترونية المتطورة، وهي تهدف بالرغم من لامرئيتها إلى أن تمنع اللاعب من الدخول إلى منطقة ما، حتى وإن كانت ظاهرة بوضوح أمامه.

وللمفارقة، يُمكن للاعب أن يخترق عوائق ظاهرة، ولكن غير فعلية كصخرة أو باب أو تلة ترابية لينتقل إلى مرحة متقدمة من اللعب.

وفي لوحة براهيم عشير، المرأة لا تبدو أنها تريد تخطي الحاجز الخفي إلى ما هو بعده “زمنيا” أو خلفه “مكانيا”، لكن كل ما تريده هو تفحص الحاجز، تحسّسه والتأكد من مناعته. الحقل أمامها ترميز إلى حقل الوعي البشري، وهو غير واقعي بالنسبة للآخرين ومن ضمنهم مُشاهدو اللوحة. إنه حاجز “خرافي” صنعته سيّدة اللوحة لتحمي ذاتها ممّا تعلم بوجوده، أو ممّا ترفضه، لكنه حاجز مُحق: فالحزن واضح في المشهد، وهو واضح كذلك في ملامح المرأة، حزن في تخطي الحاجز يقابله حزن في عدم تخطيه، وكم تحيلنا هذه الأزمة الوجودية المُلقاة على كاهل سيّدة اللوحة بحال البشرية!

من الناحية النفسية، كل واحد منا لديه حواجز نفسية يرفعها في وجه الآخرين ويشيّدها بغية حماية ذاته، ليس هذا غريبا عن الطبيعة البشرية. وبعض هذه الحواجز غير مرئية، أي أننا شيّدناها دون وعي، بعضها يصعب تحطيمه وبعضها هش ووقتي ويسهل لمُشيّده تدميره لحظة تخطيه له. لكن هذه الحواجز التي تمنع عنا أذى عالم خارجي غالبا ما تكون مُجسّدة فعليا في محاولتنا أن “ننتمي” إلى المجتمع الذي نرفضه ونعيش فيه، هكذا تتحول هذه الحواجز المرفوعة أمام العالم الخارجي إلى حواجز ضد النفس، فيتشوّه أو يُموت كل ما هو مميز ومُختلف فينا إرضاءً للآخرين.

ترسيم للحدود الافتراضية
في لوحاته، يصوّر عشير الحالة التي تنتصر فيها المرأة على حواجزها الخاصة

الفنان براهيم عشير، في لوحاته، يصوّر كلا الحالتين، الحالة التي تنتصر فيها المرأة على حواجزها الخاصة وتلك الحواجز/ القوانين التي يصمّمها المُجتمع والتاريخ والعالم الذي تعيش فيه.

ويصوّر الفنان في لوحات أخرى الحالة التي تعترف فيها المرأة بالجدار المرفوع أمامها والقادم من صلبها، كما في اللوحة التي نحن بصددها “الجدار الخفي”، لذلك ربما ثمة جو رهيب من الوحدة يخيّم على هذه اللوحة التي تبدو فيها المرأة لا ترى الجدار بقدر ما تتحسّس تأثيره عليها، وجلّ هذا التأثير هو نمو الجدار الأهم  بينها وبين ذاتها في صمت وهدوء مُطبق، وربما لأجل ذلك أيضا تبدو المرأة في لوحته مُجمدة في الزمن وفي المكان الذي تقف فيه في الآن ذاته.

المرأة في لوحة الفنان الجزائري براهيم عشير كما في كل لوحاته هي “ملكة” بكل ما تعنيه هذه الصفة من معاني مباشرة وغير مباشرة.

وفي كل واحدة منهنّ تتجسد حالة البحث البشري عن كل ما هو زئبقي ومُتمنع  وغامض، علما وأن كل ما هو كذلك يمسّ الإنسان في صميمه ويؤثّر في نظرته إلى الأمور وفي منحى تطوّره في محيط يزداد عدائية بسببه ورغما عنه على السواء.

وتتحلى المرأة في لوحاته بشهامة فائقة مُستمدة من قوتها وشجاعتها في الوقوف وحيدة ومُبتسمة في عالم ينهار وهو في أوج سكونه الظاهري. وتأخذنا لوحات عشير في تصويره لمشاهد طبيعية ومدنية شديدة الهدوء إلى أجواء اللوحات الميتافيزيقية للفنان الإيطالي جورجيو دي شيريكو، الهدوء المريب ذاته في معظم اللوحات مع اختلاف هام، وهو أن لوحات الفنان الجزائري مُشبعة بروح شاعرية مشرقية مؤثّرة تبتعد كل البعد عن “جليدية” أعمال دي شيريكو والغنائية المُبتذلة التي ينحى إليه الكثيرون في تصوير المرأة في اللوحات.

لوحة براهيم عشير هذه، غنية لدرجة أننا نستطيع أن نستشف منها بعضا آخر من “خزعبلات” عالم الألعاب الديجيتالية، إذ تفتح بوابة التفكير على إمكانية وجود عوالم أخرى موازية لهذا العالم، فهل تتحسّس بيديها سيّدة الفنان في “لوحتها” عما يشبه “الجروحات الديجيتالية” أو ما يسمّى بـ“كمبيوتر غليتشس” لكي تنفذ عبرها إلى احتمالات وجود أخرى؟ ممّا يأخذنا إلى أهم ما يوجد من معنى في هذه اللوحة، هذه المرأة لا تؤمن فقط بأن الحياة تقاس بنوعيتها وليس بعدد سنواتها، بل تؤمن أيضا بأن حياة واحدة.. لا تكفي.

17