بواب مدارس البنات حارس مرمى أم حارس قيم

الثلاثاء 2014/04/29

منذ بدايات مشروع الدولة الحديثة في المملكة كان تأسيس التعليم وشق دروبه وتوطيد دعائمه يثير الكثير من الصخب والضوضاء دونًا عن بقية المجالات التي طالتها التنمية، وهي الضوضاء القادمة- في معظمها- من تيار مقاومة داخلي كان يرى في التعليم المؤسساتي خطرا يهدد الأنظمة المعرفية التقليدية.

فطورا كان هناك رفض لإدراج المواد العلمية كالحساب والهندسة في المناهج، وطورا آخر رفض لإدراج التربية البدنية، وبعدها اشتعلت معارك تعليم البنات، ومن ثم كر وفر الابتعاث، ثم فتنة تطوير المناهج.

وطوال هذا التجاذب والاحتراب والغضب العارم، لم تتم مراجعة أو مساءلة الهياكل الإدارية للمؤسسات التعليمية، واللوائح التنظيمية، أو أنظمة المحاسبة والشفافية، ولم تكن قضايا الفساد والمركزية الإدارية والمحسوبية جزءا من قضايا إصلاح التعليم، فتجذرت عميقا منذ مطالع التأسيس وكونت هيكلية عميقة وبروتوكولا مضمرا متفقا عليه بإجماع شبه سري، إلى أن بدأت تفوح قضايا الفساد وتطفو على السطح بشكلها الصادم للمجتمع.

أذكر أنني قد درّست في مدرسة مستأجرة ذات بنيان هزيل وضيق، كان الطاقم التعليمي يشكو منه، رغم هذا كانت أحاديث النميمة والشائعات بين المعلمات تسرب الأرقام الفلكية التي أستأجر بها ذلك المبنى ضمن عقود مبطنة بين المستأجر والمسؤول، وهي الفترة نفسها التي احترقت فيها مدرسة بنات في مكة لفشل الصيانة وخطط الإخلاء ووجود حراس الفضيلة أمام البوابة يتأملون بنشوة الورع أجساد الفتيات ترشفها النيران.

لم تكن قضية الفساد إطلاقا من ضمن القضايا الإشكالية التي تطوق التعليم، ولم تثر ثائرة الغيورين والمزايدين على المجتمع بالدين ومدعي الوطنية على هذه القضية كثورتهم على تعليم النساء، ولم يذهب المحتسبون زرافات وآحادا لإنكار العقود الوهمية والانتدابات الكاذبة والدوامات المقتطعة، كذهابهم لإنكار إدخال التربية البدنية لتعليم البنات، ولم تصدر البيانات الملتهبة ضد النخر الإداري الذي كان يدور هناك، كرفضهم تعليم اللغة الإنكليزية من الصفوف الأولية، فطالما بواب مدارس البنات يحرس المرمى والقيم معا، فلا بأس.

كل هذا يجعلنا نتساءل عن تراتبية القيم التي يستمد منها هؤلاء قيمهم الأخلاقية؟ التي تجعل من تعليم المرأة كارثة اجتماعية، بينما الفساد الإداري يمكن أن يغضوا الطرف عنه أو حتى قد يكونون جزءا منه؟

وهذا بالتأكيد يأخذنا إلى حقيقة وطنية لابد من الاعتراف بها والتعامل معها كأمر واقع في معظم المؤسسات الحكومية. نحن مازلنا نعيش في الصحراء وضمن قيمها وعلاقاتها، مازلنا داخل دولة الغنيمة ولم ندخل الدولة المدنية الحديثة ولم نعالج بواباتها. مازالت العلاقات بين أفراد المجتمع تقوم على العشائرية والمحسوبية والبروتوكول الصحراوي الاقتصادي القائم على قانون (الوهاب النهاب).

ومن هنا لم تكن صادمة بالنسبة إلى المجتمع قضايا الفساد التي تنخر المؤسسات الحكومية كونها امتدادا لإرث العلاقات العشائرية الصحراوية، القائمة على الفزعة والمحسوبية وأنصر أخاك ظالما ومظلوما.

ولم يكن الولاء للدولة المدنية الحديثة وقوانينها الضابطة والقائمة على الشفافية والمحاسبية وفصل السلطات، بل قد نقل الصحراوي قوانينه إلى داخل تلك المباني الإسمنتية، فأصبح القانون هو “وظف فلانا لأنه مدعوم، وقرّب فلانا لأنه من الربع، مرر المناقصة إلى جهة معينة لأن تلك الشركة لصاحب سطوة أو نفوذ انتظر منه في المستقبل خدمات تبادلية”.

وأصبح كرسي المنصب نوعا من الاستحواذ السلطوي للحصول على الامتيازات والوجاهة والسطوة أكثر منه مقعدا تكليفيا بقوائم لا متناهية من المسؤوليات الوطنية.

المفارقة هنا أنه كلما كان الصخب والضوضاء مرتفعين حول تطوير المناهج وتحديثها، ورياضة البنات، وتدريس المعلمات للصفوف الأولية، كانت الخلفيات الإدارية تستثمر هذا الستار من الضوضاء في مآربها الإدارية الخاصة.

الفضيحة الإدارية التي تفجرت مؤخرا لإحدى إدارات التعليم هي قمة جبل الجليد الهائل لثقافة تضرب جذورها عميقا هناك. ثقافة اعتادت أن تلهي الرأي العام بقضايا النساء والهامش لتظل هي بمنأى عن المساءلة والمتابعة والمحاسبة.


كاتبة وروائية سعودية

8