بوادر اتفاق تركي- كردي شرق الفرات بمساع أميركية

تعزيز نفوذ تركيا شرق الفرات يعني أن تضمن دورها في سوريا، وتحديدا مناطق نفوذها في منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون.
الأحد 2020/03/29
بين مخالب المصالح

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الثلاثاء الماضي، في مقابلة مع صحيفة فوكس نيوز الأميركية، عن استعداد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأكراد سوريا، لإبرام اتفاق سلام ينهي حالة العداء بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطية الكردية- العربية، التي تتصدر قيادتها وحدات الحماية الكردية، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعتبر فرعا لحزب العمال الكردستاني التركي، المصنف إرهابيا لدى تركيا.

كانت تصريحات المسؤولين الأميركيين بتقديم الدعم للأتراك في معارك إدلب، عشية التوصل إلى الاتفاق الروسي- التركي في موسكو، تصب في خانة فتح حوار مع تركيا حول تسوية صراعها مع أكراد سوريا؛ وبالمثل جاءت تصريحات السفير الأميركي، دايفيد ساترفيلد، في 15 مارس 2020، حول دعم الناتو لتركيا في إدلب، أثناء هجوم قوات النظام بدعم روسي على القوات التركية.

يضاف إلى ذلك مؤشر جديد على الدعم لتركيا، أظهره بيان وزارة الخارجية الأميركية، وتغريدة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في ذكرى هزيمة تنظيم داعش، حيث لم يتم ذكر جهود شركائهم في قوات سوريا الديمقراطية.

الموقف التركي المرحِّب بمبادرة ترامب، يتطلّع إلى انسحاب القوات الأميركية من شرق الفرات؛ وكان قد طرح أردوغان على بوتين شراكة في استثمار موارد الطاقة في حقول النفط والغاز، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من الولايات المتحدة.

مازال الجانب التركي يتحدّث عن بناء مستوطنات على الحدود التركية لإيواء جزء من النازحين السوريين في تركيا، وإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة لمصلحة جماعات عربية موالية له، ويتطلّع إلى تمويل هذا المشروع من الموارد السورية بموافقة أميركية وشراكة روسية، مستغلا انشغال العالم في القضاء على فايروس كورونا المستجد، وميله إلى تهدئة الصراعات. إضافة إلى ذلك، أبدت أنقرة مؤخرا، رفضها التواجد الإيراني في سوريا، واستعدادها للعمل على إخراجه.

وسيعني تعزيز نفوذ تركيا شرق الفرات أن تضمن دورها في سوريا، وتحديدا مناطق نفوذها في منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون في ريف حلب، ومنطقة نبع السلام شرق الفرات، التي حصلت عليها بموافقة أميركية وروسية، إضافة إلى المنطقة الحدودية من إدلب، شمال الطريق الدولي، والتي أقِّرت في اتفاق موسكو الأخير مطلع الشهر الحالي؛ وتتطلع تركيا إلى السيطرة على منطقتي منبج وتل رفعت، في ريف حلب، والتي مازالت الوحدات الكردية تسيطر عليها بدعم روسي.

في 2012، انسحب النظام من مناطق شرق الفرات، لمصلحة سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، وتشكلت وحدات الحماية الكردية حينها، لقمع التظاهرات الكردية والعربية، ما جعل تركيا تنظر إليها بعين العداء.

كانت الوحدات الكردية القوة الضاربة ضمن تجمع قوات سوريا الديمقراطية الذي شكله التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، ودحره في 2016، وبالتالي سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على كامل منطقة شرق الفرات، والتي تشكل ثلث مساحة سوريا، وتضم غالبية الثروات الباطنية.

تميل إدارة ترامب إلى الانسحاب من سوريا، لكنها تواجه معضلة ترتيب وضع المنطقة، فهي لا تريد أن تتخلى عن الوحدات الكردية، التي ينظر إليها المجتمع الدولي نظرة احترام، بعد ما أبلته عناصرها في قتال التنظيم الإرهابي؛ خاصة أن تركيا تتربص بها شرا، بدعمها فصائل سورية إسلامية سيطرت على منطقة “نبع السلام” على حدودها.

والوحدات الكردية ترعى السجون التي تضم مقاتلي تنظيم داعش، إضافة إلى مخيمات عائلاتهم، والذين رفضت دولهم استقبالهم، ما خلق معضلة جديدة للولايات المتحدة. كما أنها لا تريد استمرار دعم تلك المجموعات العسكرية القوية الراغبة في الاستقلال والانفصال، مع سيطرتها على الثروات؛ فواشنطن لا تدعم تشكيل إقليم كردي شمال شرقي سوريا، على غرار ما فعلت في العراق، حيث الوضع السوري لا يحتمل هكذا تقسيم سيبقي على الصراعات، ويؤججها في كل المنطقة.

الجانب الكردي لا يأمن استمرار الدعم الأميركي له، فقد انسحبت واشنطن من مناطق عديدة لمصلحة الطرف التركي في “المنطقة الآمنة” بعرض 30 كيلومترا، والممتدة بين تل أبيض في ريف الرقة الشمالي ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي.

فيما دخلت الشرطة العسكرية الروسية ومعها قوات النظام إلى مناطق واسعة، وظلت السيطرة الأميركية على الحدود العراقية وآبار النفط والغاز. هذا ما دفع الأكراد إلى قبول الوساطة الروسية بينهم وبين النظام السوري، والوصول إلى تنسيق حول حماية مناطق السيطرة شرق الفرات، دون أن تتمكن موسكو من التوافق على الاستفادة من موارد الطاقة، حيث تصطدم بالممانعة الأميركية.

لا تطمع واشنطن بالنفط السوري، ولكنها تريد الإمساك بورقة مهمة بالنسبة لروسيا، كي لا تتفرد بتقرير مستقبل سوريا، كما أن هدفها الثاني هو إخراج إيران من سوريا، ومنع نفوذها شرق الفرات.

أما روسيا، فبعد زيارة وزير دفاعها إلى دمشق، الأسبوع الماضي، هدّأت من رغبة النظام والميليشيات الإيرانية الداعمة له بمواصلة الحرب في ريف إدلب، خاصة في جبل الزاوية، واستمرت في دعم تركيا في تثبيت اتفاق موسكو، حيث قبلت بدورية تركية منفردة حتى تسوية وضع الفصائل المتشددة ومنها هيئة تحرير الشام، وإبعادها عن المنطقة الآمنة على جانبي الطريق الدولي أم-4؛ فهي ترى أن الوضع الدولي المنشغل بفايروس كورونا، لا يحتمل التصعيد، وتريد استغلال الوضع لرفع العقوبات عن النظام السوري.

تميل الولايات المتحدة إلى تهدئة الصراعات في سوريا والمنطقة عموما، وزاد ميلها هذا مع رغبتها بالتفرغ لمحاربة انتشار فايروس كورونا، حيث تضع المنافسة مع الصين حول ذلك ضمن أولوياتها، خاصة لما لنتائج تفشي المرض حول العالم من آثار اقتصادية كبيرة، وغير متوقعة، وصعبة التوجيه.

هذا يتطلب منها الإسراع في تسوية وضع العديد من الصراعات العالقة، ومنها النزاع في سوريا؛ خاصة أن الصين وروسيا تتزعمان حملة لعدم “تسييس كورونا” ورفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية الانفرادية، عن عدد من الدول، ومنها سوريا، حتى تتمكن حكومتها من التصدي للفايروس الخطير.

وهنا يبدو أن الصين بدورها تستغل ريادتها في محاربة الفايروس من أجل نفوذ مستقبلي في المنطقة، وسوريا إحدى بواباته؛ في حين أن روسيا تستفيد من تحالفها مع الصين لتحصيل تنازلات أميركية في الملف السوري.

6