بوادر التسوية بين أردوغان وأوجلان : "سلام شجعان" أم التقاء مصالح

الاثنين 2015/03/16
الأكراد يرون أن الخطوة التركية لا تخرج عن سياق المناورات السياسية صعبة التحقق

أثارت بوادر تسوية القضية الكردية في تركيا، بعد الدعوة التي وجهها عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني إلى المقاتلين الأكراد لإلقاء السلاح، جدلا واسعا في أوساط المحللين الذين رأى بعضهم أنّ هذه خطوة تعدّ نقطة بداية لنهاية “الكفاح المسلح” وشرارة لانخراط الأكراد في النضال السياسي السلمي، في حين رآها البعض الآخر ناتجة عن التقاء للمصالح بين أوجلان وأردوغان لا أكثر.

مدّ زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان غصن الزيتون إلى الدولة التركية، داعيا المقاتلين الأكراد إلى إلقاء السلاح والانخراط في عملية السلام وإنهاء عقود من “الكفاح المسلّح” كلّف الطرفين خسائر بشرية وماديّة كبيرة لم تفض لا إلى “التحرر الكردي” ولا إلى إخماد المطلبية القومية لأكراد تركيا.

وانطلقت مسيرة “المكاسرة” والصراع بين الأمن التركي وحزب “العمال الكردستاني” سنة 1984، ولا يزال لهيبها متأجّجا في جبال الأكراد بين العراق وتركيا، على وجه التحديد، إلى غاية اليوم. مسيرة من كسر العظام، أفضت إلى سقوط الآلاف من الضحايا من الطرفين ونفقات كبيرة جدا يبدو أنها فتحت المجال أمام “صمت البنادق” وتقشّع غبار الاحتراب التركي الكردي.

رسالة أوجلان الحاثة لعناصر حزب العمال الكردستاني على عقد مؤتمر طارئ في ربيع هذا العام (تحديدا في أفريل القادم) ويكون استثنائيا من حيث تاريخ الانعقاد ومن حيث المضمون إذ يريده عبدالله أوجلان نقطة بداية لنهاية “الكفاح المسلح” وشرارة انخراط في النضال السياسي السلمي، ليست سوى حلقة في مسار “الجنوح الكردي” إلى التسوية السياسية “التاريخية”.

وقد سبقت هذه الخطوة مفاوضات جادة بين المخابرات التركية وأوجلان في سجنه بجزيرة “إيمرالي” ببحر مرمرة أثمرت خطوات لبناء الثقة الثنائية تمثّلت في الإفراج عن 8 جنود أتراك كانوا محتجزين لدى حزب العمال الكردستاني، مرورا بخطاب أوجلان في عيد النيروز السنة الفارطة والذي دعا فيه عناصر حزبه إلى إلقاء السلاح والانسحاب من الأراضي التركية نحو الأراضي العراقية، وهو ما تمّ بصفة جزئية، وليس انتهاء عند خارطة الطريق – التي كشفت عنها الوساطات المحلية والإقليمية في هذا الملفّ – والساعية إلى نزع الألغام السياسية والعسكرية والثقافية من أمام طريق قطار السلام التركي الكردي.

كلّ هذه المقدمات تسمح بالقول بأنّ نذر التوافق التركي الكردي بدأت تلوح في سماء “ديار بكر” بدلا عن المقاتلات التركية التي تدكّ معاقل الأكراد في الجغرافيا الجنوبية والغربية لتركيا، بيد أنّ السؤال المحوري الذي يفرض نفسه في هذا السياق مفاده؛ هل أن إرهاصات الحلّ للقضية الكردية نابعة من كينونة الثورة المسلحة التي تفقد زخمها كلما اغتال “السلاح” صوت الإصلاح – وهنا يقف المثال الأيرلندي ممثلا في “الجيش الأحمر” خير دليل على انسداد أفق قضايا التحرر كلّما تكلمت فوهات البنادق، أم أنّ التقارب التركي الكردي الحالي هو نتاج توافق بين أوجلان وأردوغان وثمرة تقاطع في المطامح والمطامع بين الرجلين، حيث يودّ الأوّل استنساخ نموذج نيلسن مانديلا في “كردستان الكبرى”، ويريد الثاني تسوية القضايا المعقدة داخل “الباب العالي” حتى يتسنى له استكمال مشروع “العثمنة” و”التتريك” دون أيّ منغصات داخلية أو تناقضات محلية؟

الحسابات الإقليمية لإيران التي تتشابه مع تركيا في "الفكرة القومية" للدولة، ترفض تحريك مياه القضية الكردية الراكدة


طرق للتسوية الكبرى


بعيدا عن خطاب الربح والخسارة في التسويات “الكبرى”، تنتصب ثلاث مقاربات كبرى قادرة على تفسير أسباب انخراط تركيا أردوغان في السلام مع “إرهابيي” الأمس القريب ألا وهي:


* المقاربة الأولى

، تعود إلى المشهد الكردي بحدّ ذاته حيث بات المسلحون الأكراد “قوة عسكرية شبه رسمية” تقارع تنظيم الدولة الإسلامية وتحول دون توسعه في المناطق الكردية السورية والعراقية، الأمر الذي سمح لهم بتشكيل إدارات للحكم الذاتي الموسّع في سوريا تستكمل بناء “الكيان الكردي” مع كردستان العراق.

وطالما أنّ حصول “أكراد سوريا” على الحكم الذاتي بات أمرا شبه رسميّ في ظلّ الأزمة التي تعيشها سوريا، وطالما أنّ كردستان العراق أكملت “مأسسة” الانفصال عن السلطة المركزية في بغداد في ظلّ فدرلة المؤسسات والدساتير والقوانين، اختارت أنقرة استباق سيناريو الحكم الذاتي “المنزوع″ كرديا بانخراطها في “مسار تسوية” يبدأ بالاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد والإقرار بالحكم المحلي في عموم تركيا، لا سيما وأنّها كثيرا ما تتّهم حزب العمال الكردستاني بتنفيذ أجندات خارجية لصالح لاعبين إقليميين كبار تحدّدهم أنقرة وفق منسوب التوتر مع عواصم الإقليم.


* المقاربة الثانية

، تتعلّق بالاستحقاقات الثقافية التي يضعها الاتحاد الأوروبي كشروط لانضمام تركيا إلى النادي الأوروبي، حيث لا تزال القضية الكردية، باعتبارها قضية أقلية مضطهدة تعاني من التمييز الدستوري والإداري والسياسي ولها مطالب ثقافية ولغوية وتاريخية لدى الدولة التركية، ملفا شائكا وحجرة عثرة حقيقية تحول دون نيل تركيا العضوية في المنتظم الأوروبي.

والحقيقة أنّ طبيعة العلاقة “المُؤشكلة” بين الدولة التركية “القومية” والأقليات الهوياتية الأخرى من الأرمن إلى العلويين ثم الأكراد، تحتاج إلى دراسة وبحث في كينونة الرابط القائم بين “الدولة القومية” التركية – إلى حد الشوفينية- والتطور القومي والوعي الهوياتي والثقافي لهذه الأقليات “الأقوامية”، وفق مصطلح الفيلسوف السوري برهان غليون.

ترتيب الفضاء المحلي والإقليمي والأوروبي للتسوية التاريخية، لا يعني البتة أن طريق قطار السلام التركي الكردي سالكة

وليس خافيا أن حكومة تضع بين حقائبها الوزارية الإستراتيجية، حقيبة العضوية في الاتحاد الأوروبي، لن تردد في إزالة كافة الشوائب المانعة لنيلها كاملة وذلك قصد تحقيق الهدف الاستراتيجي لتركيا أردوغان، وفي حال الامتناع، تُحرج أنقرة القادة الأوروبيين الرافضين لعضويتها عبر التأكيد – كما يحبذ إسلاميو تركيا الترداد – بأنّ أصل الرّفض نابع من الكينونة المسيحية للاتحاد الأوروبي وليس نتاج استحقاقات دستورية وسياسية تركية.


* المقاربة الثالثة

، ترتبط بـ”الجهد الأميركي” لمحاربة التنظيمات الإرهابية في المشرق العربي، حيث تريد واشنطن جمع كافة البيشمركة في الشرق الأوسط صلب نواة قوة عسكرية شبه رسمية متفرّغة فقط لقتال تنظيم الدولة الإسلامية دون انخراط في مشهدية الاحتراب في تركيا.

وتؤكد دراسات عسكرية أنّ واشنطن تريد الاستفادة من التجربة القتالية الميدانية لعناصر “العمال الكردستاني” في حرب العصابات التي تمثّل التكتيك المعتمد حاليا من طرف تنظيم داعش في كلّ من العراق وسوريا، بغاية نقل الحزب لتجربته القتالية من تركيا إلى العراق واستبدال “العدو التركي القومي” بـ”العدو التكفيري”، وتغيير “صراع الحدود” القائم مع “الدولة العثمانية” بـ”صراع الوجود” مع “الدولة الإسلامية”.

لذلك فليس من الغريب أن يستقبل الرئيس الأميركي باراك أوباما قياديين أتراك أكراد من حزب السلام والديمقراطي الكردي وحزب المجتمع الديمقراطي لدعم مسار التسوية مع الأكراد، وأن تؤيد واشنطن كافة الوساطات في هذا الملف والتي تقودها قيادات الصف الأول في كردستان العراق، لعل أبرزها مسعود البارزاني، رئيس الإقليم، وجلال الطالباني، الرئيس العراقي.


صعوبات ومعوقات


ترتيب الفضاء المحلي والإقليمي والأوروبي للتسوية التاريخية لا يعني البتة أنّ طريق قطار السلام التركي الكردي سالكة ولا تعتريها شائبة، حيث يشير المتابعون إلى وجود عراقيل جديّة وصعوبات جمّة قد تحول دون الوصول إلى مخرجات الحلّ، والتي تقف على رأسها فكرة إلقاء السلاح والانسحاب الشامل من المعاقل الكردية التركية إلى جبال العراق. ذلك أنّ تركيا “العثمانية الأردوغانية” لا تزال ترفض الاعتراف بالحقوق الدستورية والتاريخية والثقافية واللغوية للأكراد ولا تزال تأبى الإقرار بالقومية الكردية كقومية ثانية في البلاد، ضاربة عرض الحائط كافة مطالب “الحكم الذاتي” الكردي التي تمثّل محور “النضال الكردستاني” المسلح طيلة 3 عقود على الأقل، مستعيضة عن كل ما سبق بـ”سلة مقترحات” لا تشفي غليل الأكراد، تختصر كافة الاستحقاقات الواردة في الاعتراف الحصري بالحقوق الثقافية واللغوية دون الإقرار الدستوري بالقومية الكردية المستقلة.

دراسات عسكرية تؤكد أن واشنطن تريد الاستفادة من التجربة القتالية لعناصر العمال الكردستاني ضد داعش

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الانخراط في التسوية السياسية مع تركيا التي لا تزال تنفذ طائراتها المقاتلة غارات مستمرة على المناطق الكردية داخل تركيا وفي الكثير من الأحيان صلب التراب العراقي، حيث الحديقة الخلفية للحزب الكردستاني، يقابله نوع من التجاهل لدى القيادات الميدانية الكردستانية التي ترى أنّ الخطوة التركية مجرّد مناورة سياسية غير قابلة للتحقق في ظل الرفض التركي للاعتراف بحقوق شعب كردستان، وأن عبدالله أوجلان القائد التاريخي لحزب العمال الكردستاني ليس “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الكردي، وبالتالي فهو لا يملك سلطة اتخاذ القرار صلب الحزب، ناهيك عن البتّ النهائي في مصير القضية الكردية.

تضاف إلى كل هذه العراقيل، الحسابات الإقليمية لإيران التي تتشابه مع تركيا في “الفكرة القومية” للدولة، والتي ترفض تحريك مياه القضية الكردية الراكدة داخل “بلاد فارس”، عبر إعادة إحياء الحلم الكردي في كلّ من تركيا وسوريا والعراق، حتى وإن كانت مسلكيات ضخّ الدماء في الشريان الكردي تمرّ عبر تقديم حقوق شكليّة وتعويم القضيّة في عناوين مضللة.

مؤتمر حزب العمال الكردستاني في أبريل القادم قد يكون شبيها إلى أقصى حدّ بمؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر عام 1988، والذي قضى بتقديم تنازلات مؤلمة لصالح “سلام الشّجعان” تبدأ من شطب الفصل الأول من ميثاق المنظمة والمتمثل في “إزالة الكيان الصهيوني من الوجود”، ولا تنتهي عند “الانخراط في التنسيق الأمني مع إسرائيل”.

وقد قدّمت منظمة التحرير الفلسطينية التنازل تلو الآخر دون الوصول إلى سلام حقيقي أو بناء الدولة الفلسطينية أو مواصلة الثورة الفلسطينية. وهذا بالتحديد ما تخشاه الأقلام الكردية، محذّرة من ابتلاع الدولة القومية التركية لِلَبِنَاتِ القومية الكردية، ومنبّهة أيضا من خسارة “الثورة” و”الدولة و”السلاح” والحلم الكردي المشترك أيضا.

7