بوادر انتفاضة شعبية تهز عرش الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق

المظاهرات التي انطلقت في العراق احتجاجا على تردي الخدمات ما تفتأ تتضخّم لتأخذ منحى الانتفاضة ضد الوضع السياسي القائم والفشل الحكومي المتراكم منذ سنة 2003 والذي بلغ حدّه بوضعه الدولة العراقية على شفا الإفلاس والانهيار.
السبت 2015/08/08
الإجراءات الحكومية السطحية غير كافية لاحتواء غضب العراقيين

بغداد - بلغت حركة الاحتجاج التي تشهدها مدن عراقية منذ أسابيع، أمس ذروتها بخروج الآلاف من سكان العاصمة ومراكز محافظات مهمة مثل البصرة وذي قار إلى الشوارع رافعين شعارات تجاوزت مجرّد المطالبة بتحسين الخدمات ومستوى العيش إلى الهجوم على القيادات الفاسدة من ساسة وإداريين وقادة أحزاب وأعضاء برلمان.

وتضمنت بعض الشعارات انتقادات حادّة للعملية السياسية الجارية في البلد منذ سنة 2003، واتهامات لرموز تلك العملية بالفشل في إدارة شؤون البلاد.

كما حملت بعض اللافتات وعيدا بالتصعيد وتحويل المظاهرات إلى اعتصامات دائمة في مظهر رأى فيه متابعون للأحداث في العراق بوادر انتفاضة قد تتطور إلى ثورة عارمة تستهدف أسس النظام القائم وتسعى إلى إسقاطه.

وعمّ الارتباك ردود فعل القيادة السياسية على مظاهرات الأمس، وأيضا المرجعية الشيعية التي تعتبر راعية لتلك القيادة المشكّلة أساسا من أحزاب دينية، حيث تضارب موقف خطيب الجمعة في النجف رجل الدين الشيعي صدر الدين القبانجي الذي دعا إلى عدم المشاركة بالتظاهرات، معتبرا أن الهدف من ورائها إعادة “الحكم اللاديني”، مع موقف المرجعية الشيعية العليا ممثلة بعلي السيستاني والذي اعترف على لسان ممثله في كربلاء أحمد الصافي بمشروعية المظاهرات محمّلا الطبقة الحاكمة منذ سنة 2003 مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد وداعيا الحكومة إلى كشف الفاسدين ومعاقبتهم. ولا ينفصل كلام المرجعية عن محاولات حصر الإشكالية القائمة في العراق في ظاهرة الفساد، فيما بدا من الشعارات المرفوعة في مظاهرات الأمس أن شرائح من العراقيين تنظر إلى الظاهرة كمجرّد جزء من مشكلات سياسية أعم تتطلب معالجة أشمل تمس النظام القائم وأسس العملية السياسية ككل. وبدوره حاول رئيس الوزراء العراقي احتواء الغضب الشعبي متوعّدا بمحاربة الفاسدين وإحالتهم إلى القضاء.

ثورة جديدة يصعب وصمها بالإرهاب والتواطؤ مع الخارج نظرا لانطلاقها من معاقل الأحزاب الحاكمة

وفي حال حاول العبادي تنفيذ وعيده فإنه سيكون أمام مهمّة بالغة التعقيد الذي قد يصل حدّ الاستحالة نظرا لكبر حجم الفساد وتغلغله في مختلف مفاصل الدولة بما في ذلك سلك القضاء، ونظرا أيضا إلى تبوؤ رموز للفساد مناصب عليا رسمية وحزبية توفّر لهم حصانة وتتيح لهم سلطة تفوق سلطة العبادي نفسه.

ويشير عراقيون على سبيل المثال إلى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي النائب الحالي لرئيس الجمهورية والقيادي بحزب الدّعوة الحاكم، باعتباره المسؤول الأول عن استشراء الفساد في العراق طيلة فترتي حكمه، مؤكّدين أنه أهدر خلال ثماني سنوات ما يصل إلى 800 مليار دولار لا يعلم أحد أوجه صرفها.

وأعلن العبادي أمس عن التزامه الكامل بتوجيهات المرجعية الشيعية العليا. وذكر بيان صادر عن مكتبه أنّه “يتعهد بالإعلان عن خطة شاملة للإصلاح والعمل على تنفيذها ويدعو القوى السياسية إلى التعاون معه في تنفيذ برنامج الإصلاح”.

وكانت مرجعية النجف قد دعت رئيس الوزراء أمس باعتباره “المسؤول التنفيذي الأول في البلد أن يكون أكثر جرأة وشجاعة في خطواته الإصلاحية ولا يكتفي ببعض الخطوات الثانوية التي أعلن عنها مؤخرا بل يسعى إلى أن تتخذ الحكومة قرارات مهمة وإجراءات صارمة في مجال مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية فيضرب بيد من حديد من يعبث بأموال الشعب ويعمل على إلغاء الامتيازات والمخصصات غير المقبولة التي منحت لمسؤوليين حاليين وسابقين في الدولة وقد تكرر الحديث بشأنه”.

وأكد ممثل المرجعية أحمد الصافي في خطبة الجمعة اليوم أن “المطلوب من العبادي أن يضع القوى السياسية أمام مسؤوليتها ويشير إلى من يعرقل مسيرة الإصلاح أيا كان وفي أي موقع كان وعليه أن يتجاوز المحاصصات الحزبية والطائفية ونحوها في سبيل إصلاح مؤسسات الدولة”.

ومن جانبه أعلن سليم الجبوري رئيس البرلمان العراقي عن تخصيص مجلس النواب جلسته المقبلة لمناقشة مطالب المتظاهرين ووضع سقف زمني لتحقيقها، علما أنّ الكثير من الشعارات التي رفعت في المظاهرات تعرضت بقسوة واستهزاء لفساد نواب البرلمان على غرار شعار يقول: “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد للبرلمان أن ينجلي”، في تحريف مقصود لمقولة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي: لا بد لليل أن ينجلي”.

ويقول مراقبون إنّ ما يجري في العراق هو نتيجة حتمية لتراكمات من الفشل والتراجع في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية منذ سنة 2003 تاريخ بدء عملية سياسية قامت على المحاصصة الطائفية والعرقية واحتلت مكان الصدارة فيها أحزاب دينية شيعية أظهرت عدم خبرتها في الحكم وانصرف جلّ رموزها إلى خدمة مشاريع إقليمية -إيرانية تحديدا- في نطاق سياسة المحاور التي غرق فيها العراق منذ ذلك التاريخ.

وفي حال تحوّلت الاحتجاجات الحالية إلى ثورة تستهدف إسقاط النظام القائم فإنها ستكون ذات خاصية جديدة تتمثل في انطلاقها هذه المرّة من المناطق التي تعتبرها الأحزاب الدينية مركز ثقلها وخزانها البشري مثل العاصمة ومحافظات الجنوب والفرات الأوسط.

وبالنظر لهذا المعطى لن يكون بإمكان سلطات بغداد اتهام المحتجّين بـ”العمالة للخارج”، وبـ”التواطؤ مع قوى الإرهاب”، وهما من بين التهم التي واجهت بها الأحزاب الحاكمة في العراق حركات احتجاج واعتصامات سبق أن شهدتها مناطق عراقية أخرى غالبية سكانها من الطائفة السنية.

3