بوادر انفجار اجتماعي وشيك تربك السلطات الجزائرية

امتدت عدوى الاحتجاجات الاجتماعية في الآونة الأخيرة، بشكل يوحي بثقل الأعباء الملقاة على عاتق الحكومة، بعد إفلاس صناديق سياسة شراء السلم الاجتماعي، نتيجة تقلص مداخيل الخزينة إلى أقل من 30 مليار دولار، بسبب تدهور أسعار النفط في الأسواق الدولية، فمن مسيرة الكرامة للأساتذة المتعاقدين، إلى أعوان الحرس البلدي، ومرورا بأفراد التعبئة، تعيش الجزائر بوادر انفجار اجتماعي تفتح الوضع على جميع الاحتمالات.
الخميس 2016/04/07
تلقين الحكومة درسا

الجزائر - يواصل الأساتذة المتعاقدون لليوم الثالث على التوالي إضرابهم عن الطعام، في ظروف صعبة بضاحية بودواو (20 كلم شرقي العاصمة)، بسبب التقلبات الجوية وحصار قوات الأمن، من أجل منع “مسيرة الكرامة” من التوجه نحو العاصمة.

ورغم حالة التعاطف المسجلة في الشارع الجزائري مع الأساتذة المتعاقدين، حيث لقي المحاصرون في ضاحية بودواو، تضامن الطبقة السياسية والنقابية والأهلية، فإن الحكومة تسير عكس التيار، ولم يتم احتواء الموقف إلى حد الآن، حيث فشلت جميع جلسات المفاوضات بين الطرفين، نتيجة تمسك كل طرف بوجهة نظره.

ففيما تصر وزارة التربية على ضرورة تقدم هؤلاء إلى مناظرة التوظيف المقررة هذا الشهر، كغيرهم من المترشحين، مع ضمان شفافية ونزاهة المناظرة، يرى المعنيون أن الأولوية لهم، لأنهم يشغلون مناصبهم منذ سنوات، ومن غير المعقول أن يتم التعامل في المسألة بين أصحاب الخبرة، وبين من يريد التقدم لأول مرة لامتهان التدريس.

وقالت في هذا الشأن الأستاذة فاكية بن محمد من محافظة بجاية، في تصريح لـ”العرب” “أملك في رصيدي 15 عاما من الخبرة، وقد يكون من يحاصروننا اليوم من أفراد الشرطة والدرك قد تلقوا دروسهم عندي، فكيف يتم وضعي في نفس الخط مع من تخرج حديثا من الجامعة، وكيف لإدارة الوظيفة العمومية أن تطبق القانون بأثر رجعي، فقانون التوظيف الأخير لا بد أن يطبق من تاريخ صدوره وليس من تاريخ سابق”.

وأفاد الناطق باسم الأساتذة المتعاقدين بشير سعدي، في تصريح لـ”العرب”، بأنهم ينتظرون تدخلا من رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، قبل انزلاق الوضع نحو الأسوأ، في ظل توجه الوزارة إلى المزيد من التعقيد والتأزيم، بعد شروعها في إرسال إنذارات الطرد للأساتذة المتعاقدين، بدعوى إهمال مناصبهم بما أنهم مشاركون في مسيرة الكرامة.

قوات الأمن الجزائرية تطوّق مسيرة الأساتذة المتعاقدين وتمنعها من الوصول إلى العاصمة

وكانت وزيرة التربية نورية بن غبريط، قد أعلنت منذ أسابيع عن تنظيم مناظرة للتوظيف تضم قرابة 30 ألف منصب، في حين يضم قطاعها حوالي 20 ألف أستاذ متعاقد، وهو ما خلق حالة من التوتر، قد تهدد مصير الفصل الدراسي الثالث، بعد تلويح عدد من النقابات المستقلة بالدعوة لإضراب شامل، تضامنا مع فئة الأساتذة المتعاقدين.

وكانت الحكومة قد قررت وقف مسيرة الكرامة في ضاحية بودواو، بالإيعاز لمحافظ العاصمة بتسخير قوات الأمن، لمنع الأساتذة من إكمال مسيرتهم نحو العاصمة، بعدما مرت بسلاسة في محافظات بجاية والبويرة وبومرداس، وذلك خشية توسع دائرة التضامن الاجتماعي معها، وامتداد العدوى إلى فئات اجتماعية أخرى.

وفي هذا الشأن توجهت تنسيقية عقود ما قبل التشغيل، التي كانت تبرمها مؤسسات حكومية مع الشباب العاطل عن العمل منذ سنة 2011، المقدر تعدادها بأكثر من مليون شاب، إلى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بنداء من أجل دمجها في مناصبها ضمانا لمستقبلهم وحفاظا على استقرار أوضاعهم، بعد توجه الحكومة إلى فسخ تلك العقود، الأمر الذي يشكل فتيل قنبلة اجتماعية تهدد بالانفجار في أي لحظة، بعدما عجزت الحكومة، عن الاستمرار في سياسة شراء السلم الاجتماعي، عقب نفاد مخزون صناديق الريع النفطي.

وفي امتداد للهيب الجبهة الاجتماعية في الجزائر، انتفض أعوان الحرس البلدي وأفراد التعبئة، في مسيرات شملت العديد من محافظات الجمهورية في غضون هذا الأسبوع، من أجل دفع الحكومة إلى الالتزام بوعود التكفل بمطالبهم المهنية والاجتماعية، في ظل التهميش الذي يلاقونه منذ حل إدارتيهما منذ مطلع الألفية.

ويعود تأسيس فئة الحرس البلدي وأفراد التعبئة إلى حقبة العشرية الحمراء، حيث استعانت بهم الدولة آنذاك لمحاربة الجماعات الإرهابية إلى جانب وحدات الجيش والأمن، وتم حلهما بعد إقرار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية سنة 2005، حيث عرضت عليهم حينها جملة من الآليات المهنية والاجتماعية، لم تكفل لهم العيش الكريم وتعويض التضحيات التي قدموها أثناء العشرية الحمراء.

وتقدر إحصائيات غير رسمية تعداد هؤلاء بحوالي 150 ألف منتسب، منهم من قضى خلال الحرب على الإرهاب، ومنهم الأطفال اليتامى والأرامل، والمعطّلون في الظرف الراهن، وقد سبق للتنسيقية التي ترفع أرضية مطالبهم، أن توصلت إلى اتفاقات سابقة مع وزارة الداخلية للتكفل بانشغالاتهم، إلا أن رئيس التنسيقية حكيم شعيب، كشف في اتصال لـ”العرب”، بأن “الحكومة تسير نحو التملص من التزاماتها السابقة، وتوظف بعض الأفراد لاختراق صفوفنا، وأننا مستعدون للعودة إلى الشارع إلى غاية تلبية جميع مطالبنا”.

وكانت الحكومة الجزائرية قد لجأت منذ سنة 2011، إلى تدابير اجتماعية من أجل احتواء حالة الغضب الاجتماعي، المتفجر حينها في ما يعرف بأحداث “الزيت والسكر”، من أجل تلافي موجة الربيع العربي آنذاك، ولم تبادر إلى خلق آليات حقيقية وناجعة لامتصاص البطالة والسكن والخدمات، رغم انتقادات المختصين والطبقة السياسية من مغبة الإفراط في سياسة شراء السلم الاجتماعي.

4