بوادر تصعيد أمني تجاه الاحتجاجات السياسية في الجزائر

السلطات الجزائرية تتجه إلى ردود فعل أكثر قوّة بقمع المسيرات الشعبية غير المرخص لها من طرف المصالح المختصة ما يضع الوضع السياسي بالبلاد على صفيح ساخن.
الثلاثاء 2021/05/11
نذر صدام بين السلطة والشارع

تتعزّز بوادر تأزم العلاقة بين الفئات الشعبية والسلطات الأمنية في الجزائر بعد تشديد وزارة الداخلية على ضرورة احترام الممارسات السياسية مقابل تجاهل النشطاء والمعارضين لذلك، في خطوة تمهّد لتشديد القبضة الأمنية على المحتجين وتضع الوضع السياسي بالبلاد على صفيح ساخن.

الجزائر- تصاعدت نوايا السلطة الجزائرية لحسم الموقف من الأوضاع السياسية والاحتجاجات المستمرة في البلاد منذ أكثر من عامين من خلال عدة مؤشرات تدفع باتجاه إنهاء الحالة السائدة وفرض المنطق القانوني في تسيير شؤون الوضع القائم، وذلك من خلال تطويق الاحتجاجات ونقل الخوف إلى الخندق الآخر.

وشددت وزارة الداخلية الجزائرية في آخر بيان صادر عنها على ضرورة احترام الممارسات السياسية التي يكفلها الدستور، لاسيما المظاهرات والاحتجاجات والوقفات، وحضت الراغبين فيها على التقيّد بالإجراءات والتدابير المعمول بها قانونا، خاصة في ما يتصل بطلب الترخيص والتوقيت والمسار والشعارات والأشخاص المؤطرين.

ويبدو أن وزارة الداخلية والجماعات المحلية تتجه إلى ردود فعل أكثر قوّة بقمع المسيرات الشعبية غير المرخص لها من طرف المصالح المختصة، وهو ما يضع الوضع السياسي بالبلاد على صفيح ساخن، على اعتبار أن الاحتجاجات السياسية والناشطين المعارضين لا يولون أهمية لتحذيرات السلطة.

ولا يستبعد أن تلجأ قوات الأمن إلى أساليب وممارسات أكثر قمعا تجاه الاحتجاجات الشعبية خلال الأسابيع القادمة، خاصة وأن الإجراءات التي ذكرت بها وزارة الداخلية لم يحدث أن تم تطبيقها في السابق، كما أن القبضة الحديدية بين الطرفين تتجه لتوظيف مختلف الأوراق، رغم أن الحراك الجزائري ظل منذ انطلاقته في فبراير 2019 سلميا بشهادة منظمات وهيئات حقوقية محلية ودولية لاسيما مجلس حقوق الانسان الأممي.

عبدالرحمن صالح: لو طلبنا التراخيص لما أجبر الجزائريون بوتفليقة على مغادرة السلطة

وذكر بيان لوزارة الداخلية الجزائرية بأنه “يجدر التأكيد على ضرورة التصريح من طرف المنظمين بأسماء المسؤولين عن تنظيم المسيرة، وساعة بدايتها وانتهائها، والمسار والشعارات المرفوعة وفق ما يتطلبه القانون”.

وتابع “عدم الالتزام بهذه الإجراءات يمثل انتهاكا للقانون والدستور وينفي صفة الشرعية عن المسيرة وعندها يكون من الضروري التعامل معها على هذا الأساس”.

ولا زالت الحركة الشعبية الاحتجاجية في الجزائر دون قيادة معروفة، رغم دخولها العام الثالث وتعليقها لمدة 11 شهرا بسبب فايروس كورونا، وعادت بقوة إلى الشارع منذ أكثر من شهرين، لكن السلطة لم تبد أي نية للتعاطي معها سياسيا، ولا زالت تعتبرها “حركة مدفوعة من طرف جهات خارجية وفق أجندات خفية”، وأن “الحراك الأصيل والمبارك حقق مطالبه ويعمل الآن على تجسيد مسار التغيير السياسي”.

ويبدو أن السلطة الجزائرية تتجه إلى نقل الخوف إلى الخندق الآخر عبر التلويح بكل أوراق القمع والتضييق، بدعوى عدم المطابقة مع القوانين والنصوص المعمول بها، وهو ما سجل من خلال ارتفاع منسوب العنف والقمع في الاحتجاجات الأسبوعية الأخيرة، حيث تم تسجيل العديد من حالات الاعتداء غير المبرر من طرف عناصر أمنية على أشخاص مدنيين، ولم يصدر أي توضيح أو تعليق من طرف الوزارة الداخلية أو قيادة قوات الأمن.

وعلق المحامي والحقوقي عبدالرحمن صالح على بيان وزارة الداخلية في تدوينة له على فيسبوك، قائلا “لو طلبنا أو انتظرنا التراخيص من طرف وزارة الداخلية، لما أجبر الجزائريون الرئيس السابق بوتفليقة على التنحي عن السلطة”، في إشارة إلى أن شرعية الاحتجاجات السياسية في البلاد لم تعد مستمدة من النصوص والقوانين وإنما من الشعب الذي يناضل سلميا من أجل تحقيق مطالب سياسية صريحة وواضحة.

وسعت السلطة في الجزائر إلى توظيف الجائحة الصحية من أجل الحيلولة دون عودة الاحتجاجات السياسية من خلال تضييق المجال السياسي والإعلامي وحتى على شبكات التواصل الاجتماعي، بدعوى التحكم في الوضع الصحي والاجتماعي بالبلاد، غير أنها فشلت في تبديد المشروع الذي يجمع أصحابه على أنه لم يحقق مطالبه ولذلك هم مستمرون فيه.

كما لم تتوان في إشهار الورقة الأمنية الصرفة تجاه المسيرات والوقفات العائدة منذ 22 فبراير الماضي، وباتت السلطة منذ ذلك التاريخ تتعامل مع الظاهرة كمشكلة أمنية وليست انشغالا سياسيا، الأمر الذي زاد في تقلص حظوظ الحل السياسي للأزمة ورفع إمكانيات الصدام وهو ما يرفضه الشارع لحد الآن.

السلطة تتجه إلى نقل الخوف إلى الخندق الآخر عبر التلويح بكل أوراق القمع والتضييق، بدعوى عدم المطابقة مع القوانين والنصوص المعمول بها

ويبدو أن مخاوف المقاطعة والعزوف الشعبي عن الانتخابات التشريعية المنتظرة في 12 يونيو المقبل تدفع السلطة إلى توظيف كل إمكانياتها بما في ذلك أساليب القمع والتضييق تجاه المناوئين لها في الحراك الشعبي الذي يرفض هو الآخر الانتخابات المذكورة ويعتبرها “مسرحية لتغيير الواجهة المدنية للنظام”.

وسبق للحكومة أن هددت بسحب الجنسية من معارضين وناشطين سياسيين يقيمون ببعض العواصم الغربية، غير أنها تراجعت عن ذلك بتأكيد من الرئيس عبدالمجيد تبون بسبب ما أسماه بـ”سوء فهم”، وهو ما يوحي إلى أن الحكومة خضعت لضغوطات أو أخطأت في حساباتها تحت ضغط الشارع الذي حول هؤلاء إلى رموز له، وهو ما قد يتكرر مع نيتها لتأطير الاحتجاجات تمهيدا لإنهائها من الشارع.

4