بوادر تمرّد على حكومة الوفاق يعمق مأزقها

بلديات المنطقة الغربية لطرابلس يتهمون في بيان مشترك حكومة الوفاق بالتقصير في مواجهة انتشار وباء كورونا فيما تواصل إغداق الأموال على جبهات القتال.
الاثنين 2020/03/30
تمويل جبهات القتال أهم من صحة المواطنين

عمّق تهديد بلديات المنطقة الغربية بإيقاف كافة أشكال التعامل مع ما يسمى بالمجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج مأزق حكومة الوفاق المحاصرة في العاصمة طرابلس. ويأتي التهديد على إثر تخلي الحكومة على واجباتها تجاه البلديات وعدم تسييلها للموازنات المالية لمواجهة تداعيات وباء كورنا، فيما تواصل إغداق الأموال على جبهات القتال.

طرابلس- أمهلت 24 بلدية من المنطقة الغربية لطرابلس، الأحد، ما يسمى بالمجلس الرئاسي 48 ساعة لإقالة وزير ووكيل وزارة الصحة بحكومة الوفاق وتسييل الموازنة ونقل الاختصاصات، مؤكدة أنه في حال لم تنفذ هذه المطالب خلال الفترة المحددة ستقوم بإيقاف كافة أشكال التعاون مع الرئاسي.

واتهمت البلديات في بيان مشترك حكومة الوفاق بالتقصير في مواجهة انتشار وباء كورونا، فيما تواصل إغداق الأموال على جبهات القتال.

ويفند بيان البلديات ما روجته حكومة الوفاق بشأن اتخاذها التدابير اللازمة لمواجهة وباء كورونا، فيما ارتفعت حصيلة المصابين في ليبيا إلى حالتين.

ويولي فايز السراج خرق الهدنة الإنسانية التي دعا إليها في ليبيا أولوية قصوى في أجنداته على حساب الرهانات الصحية للمواطنين، ما يذكي الغضب الشعبي المستمر منذ تأخر صرف رواتب الموظفين بعد رفض محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير صرفها قبل تدارك الأمر.

ويقول مراقبون إن هدف محافظ المصرف المركزي من إيقاف المرتبات هو خلق ضغط شعبي على القبائل والجيش الليبي لإعادة فتح حقول النفط، إضافة إلى ادّخار الأموال لاستمرار الإنفاق على الحرب.

فتحي باش آغا يسعى للهيمنة على إدارة المعركة وهو ما تعكسه تحركاته في تركيا والغرب
فتحي باش آغا يسعى للهيمنة على إدارة المعركة وهو ما تعكسه تحركاته في تركيا والغرب

ويوصف الصديق الكبير بحاكم ليبيا ذي الصلاحيات المطلقة وتحوم حوله الكثير من الاستفهامات خاصة في علاقته بالغرب والإسلاميين الذين يرفضون إقالته من المنصب الذي يتولاه منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وأحدث إيقاف تصدير النفط الذي كانت عائداته تصبّ في مصرف ليبيا المركزي الذي لا يتوانى في الإغداق على الميليشيات والإسلاميين، ضغطا على حكومة الوفاق، ما دفعها إلى اعتماد خطة تقشف سيتحمل الليبيون تبعاتها بالدرجة الأولى.

وينذر تجاهل الوفاق للغضب الشعبي من سوء إدارتها لموارد البلاد المالية وتبديدها للأموال في استجلاب المقاتلين ونجدة البنك المركزي التركي (4 مليارات دولار وديعة) على حساب الداخل المأزوم، باندلاع احتجاجات اجتماعية هدد سكان طرابلس بتفجيرها إذا ما مضت الحكومة في اتباع سياسة تقشف قد تصل إلى رفع الدعم عن الوقود، وهو ما تتجلى ملامحه في خفض موازنة 2020 مقارنة بـ2019.

وأقرت الحكومة المحاصرة في طرابلس موازنة العام 2020 بإنفاق قدره 27.9 مليار دولار مقابل 33.67 مليار دولار للعام 2019.

وفي وقت يعيش فيه الليبيون أوضاعا اجتماعية مأزومة، تمضي حكومة الوفاق في فرض موازنة تقشفية، تثقل كاهل المواطنين، في حين تصرف الأموال في دعم جبهات القتال بالمال والسلاح والمرتزقة.

ومن المتوقع أن تتصاعد الأزمة بين حكومة الوفاق وموظفي القطاع العام، بعد إقرار موازنة تقشفية تشمل تخفيضات في رواتب الموظفين وحجب المكافآت والعلاوات والتقليص في عدد موظفي القطاع العام، إلى جانب التلويح برفع الدعم عن الوقود.

ويأتي إقرار موازنة تقشفية جديدة في ظل استمرار القبائل شرق البلاد وجنوبها في إيقاف ضخ النفط احتجاجا على ما يعتبرونه توزيعا غير عادل للثروة، إضافة إلى استعمال عائدات النفط الذي ينبع من مناطق في الشرق والجنوب في تمويل المرتزقة والميليشيات الموالية للجماعات الإسلامية التي تصر على استمرار التحكم في الثروة.

محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير تحوم حوله الكثير من الاستفهامات خاصة في علاقته بالغرب والإسلاميين
محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير تحوم حوله الكثير من الاستفهامات خاصة في علاقته بالغرب والإسلاميين

ويعتبر إغلاق الحقول والمنشآت النفطية أخطر ضربة توجه لسلطات طرابلس منذ العام 2011، خصوصا وأنها ناتجة عن حراك شعبي تقوده القبائل المؤثرة في مواقع الإنتاج والتصدير، والتي تتهم حكومة فايز السراج والأجهزة الخاضعة لها بتبديد إيرادات النفط في استجلاب المرتزقة وتهريب السلاح وتمويل الميليشيات وأمراء الحرب في محاولتها التصدي لتقدم الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي يتشكل في أغلبه من أبناء تلك القبائل.

ويتمسك شيوخ القبائل بقرار غلق الحقول والمصارف والموانئ النفطية إلى حين تشكيل حكومة موحدة قادرة على حماية مقدرات الليبيين وضرورة وضع حد للعبث القائم بمؤسسات الدولة المالية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي وجهاز الاستثمارات الخارجية.

وعلى الجبهة السياسية يتصاعد الصراع بين فايز السراج وحلفائه الإسلاميين بشأن طريقة التعاطي مع معركة التصدي لدخول الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر إلى طرابلس.

وتتواتر الأنباء بشأن انقسام حكومة الوفاق منذ بدء المعركة إلى شقين: شق بقيادة السراج ويمثل تيار الإسلام السياسي وشق آخر يقوده وزير الداخلية المقرب من الإسلاميين فتحي باش آغا الذي يسعى للهيمنة على إدارة المعركة، وهو ما تعكسه تحركاته في تركيا والغرب.

بلديات المنطقة الغربية تمهل ما يسمى المجلس الرئاسي 48 ساعة من أجل تسييل الموازنة قبل وقف   كل أشكال التعامل معه

وصعّد الإسلاميون، مؤخرا، من خطابهم ضد السراج واتهموه بعدم التحمّس وغياب الجدية في التعاطي مع معركة التصدي للجيش، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حيث اتهموه بعقد صفقة مع المشير خليفة حفتر لتسليم طرابلس.

وتتهم شخصيات محسوبة على تيار الإسلاميين مستشاري فايز السراج وفي مقدمتهم تاج الدين الرزاقي، برفض التعامل مع الدول الداعمة لهم على غرار قطر وتركيا وبعرقلة دعم جبهات القتال بالأموال.

وعاد باش آغا مؤخرا من رحلة خارجية، وهو محمّل بطموحات ووعود كبيرة ليحل مكان فايز السراج ويجلس على سدة المجلس الرئاسي، حسب ما ذهب إليه متابعون للمشهد الليبي، الأمر الذي ضاعف من حدة التباين بينهما، وجعل الخلافات المكتومة تخرج إلى العلن في شكل اقتتال في أماكن متفرقة في طرابلس على المكاسب والمغانم، وهو ما يجعل جبهة فايز السراج في مهب صراعات قاسية قد تعجّل برحيلها.

4