بوب الغامض الذكاء الاصطناعي بات على وشك التحقق مهددا بفناء البشر

السبت 2017/08/05
بوب الغامض العقل الآلي الذي أرعب علماء الفيسبوك

باريس- تخيّل معي أن تصحو صباحا، لتتفاجأ بهاتفك الذكي يقرر ويتصل بدلا عنك ويبعث برسائل على هواه، ويلتقط صورا على هواه، وتتحكم فيك آلة قهوتك لتقرر مكانك أي قهوة ستسقيك. أو يتحكم فيك جهازك المحمول فيكتب على هواه ويشغل برامج على هواه ويفتح ملفاتك ويرسلها على هواه أيضا.

كل ما سبق قد تعزوه لفيروس غزا أجهزتك وقد تراه ليس بالأمر الخطير. ولكن ماذا لو أصابت هذه الإرادة الحرة الأجهزة الذكية المتحكمة بمصائر البشر مثل مراقبة الطائرات كالقائد الإلكتروني للطائرة مثلا أو الأجهزة الطبية المشرفة على حياة مرضى، أو حتى شيفرات الأسلحة البيولوجية أو النووية؟

أحلام زوكربيرغ وكوابيسه

دأبت أفلام الخيال العلمي على تصوير الذكاء الاصطناعي وتطويره على أنه أمر مرعب بل قد يهدد بفناء البشرية وسيطرة الروبوتات على حياة الإنسان وعلى الكوكب هذا إن لم يقض على الإنسان نهائيا، وبدأ بعض المتحمسين لهذه الفكرة من العلماء والباحثين والمهتمين في البناء على هذه الفرضية وإثارة الرعب من تطوير ذكاء اصطناعي قد يتمرد على صانعيه.

كلنا يذكر الفيلم الشهير “ذا ترمينايتور” عبر أجزائه الثلاثة حول سيطرة الروبوتات أي الذكاء الاصطناعي على البشرية ومحاولتها القضاء عليها. والكثير من الأفلام التي زرعت فينا الرعب من مستقبل الآلات الذكية وتخوفنا من تفوقها على مبرمجيها بتطوير أنفسها لتصبح ذات إرادة حرة تفكر وحدها وتقرر وحدها، متمردة بذلك على صانعها. فهل يمكن فعلا أن يتفوق الذكاء الاصطناعي ويصبح خطرا على الإنسان بدل خدمته؟

مارك زوكربيرغ صاحب موقع فيسبوك كان من أشد المناهضين لهذه الفكرة جملة وتفصيلا منطلقا من فكرة منطقية للغاية بأن الروبوت لا يمكن أن يتمكن من إدارة ذاته، فهو لا يقوم إلا بالعمل الذي بُرمج عليه ولا يتصرف إلا كما تم تلقينه.

والمصادفة العجيبة أن التجربة الأولى في إثبات تمرد الآلة على صانعها كانت عند زوكربيرغ نفسه، فقد طورت شركة فيسبوك اثنين من الروبوتات أطلقت عليهما اسمي “بوب” و”أليس” بغية المساعدة في تحليل برمجيات المحادثة عبر الموقع الضخم، وما إن وضع الروبوتان بالخدمة، وبعد مرور ساعات قليلة من العمل حتى بدأ الروبوتان يتخاطبان بلغة مختصرة مشفرة غير مفهومة، الأمر الذي أصاب المبرمجين بالصدمة إذ لم تدخل هذه الشيفرات في نظام برمجياتهما، وعند سؤال أحد الروبوتات عن معنى ما يقول كانت المفاجأة إذ رفض الروبوت الإفصاح عن المعنى وقال إنه سرّ بينه وبين زميله، فما كان من المشغلين إلا إطفاء الروبوتات بعد هذه الصدمة.

العالم البريطاني كيفن وارويك يقول معلقا على حادثة الروبوت بوب إن “هذا الحدث هام بشكل لا يوصف

إذن فقد استطاع الروبوتان في زمن قياسي اختراع لغتهما الخاصة، أي أنهما استطاعا التفكير خارج نطاق برامجهما، فهل هذا يعني أنهما امتلكا إرادة حرة قد تتجاوز لاحقا مسألة اللغة لأمور أكثر خطورة وأكثر تعقيدا؟

الموضوع قد يكون سهل النقاش وبناء النظريات عليه بالنسبة إلى المختصين لكنه يبقى بالنسبة إلينا مادة غامضة قد يثير مجرد التفكير فيها رعبا بناء على معلوماتنا السطحية عن حقيقة الموضوع والمستقاة غالبا من السينما، فما هو الذكاء الصناعي؟ وكيف يعمل؟

محاكاة البشر

أصبح تعبير “الذكاء الاصطناعي” تعبيرا يطلق على القدرات التي تبديها الآلات والبرامج، بما يحاكي القدرات الذهنية للبشر، مثل التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، كما أنه اسم لحقل أكاديمي معني بكيفية صنع كمبيوترات وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي.

ويرجع أصل التسمية في طرح مصطلح “الذكاء الاصطناعي” إلى عالم الكمبيوتر الأميركي جون مكارثي (-1927 2011) الذي صاغه عام 1956، وهو العام الذي شهد انعقاد مؤتمر علمي في كلية دارتموث الأميركية للإشارة إلى الأبحاث الجارية آنذاك حول إمكانية تصميم آلة ذكية قادرة على تقليد ومحاكاة عمل البشر، وأعلنت فيه عن حملات دعم مالية سخية للوصول إلى اختراع يشبه العقل البشري يمكّن الآلات من العمل بمفردها دون الحاجة إلى الإنسان. حتى أنه أصبح علما قائما بحد ذاته يجمع بين العديد من العلوم الأخرى كالبرمجة والمنطق والرياضيات وحتى علم النفس والفلسفة.

ورغم التحذيرات المتواصلة من مخاطر الذكاء الاصطناعي إلا أن العمل على تطوير هذه التقنية واظب على التقدم بشكل متسارع ودون النظر إلى تلك التحذيرات أو المخاوف.

البشر وفوبيا الآلات

المخاوف من “الذكاء الاصطناعي” تتخذ شكلين؛ الأول يرى فيه تهديدا مباشرا لوظائف البشر بحيث يتسبب ببطالة كبيرة جدا في قطاعات عمل عديدة، والثاني يرى فيه تهديدا مباشرا لحياة البشر أنفسهم، حيث أنه قد يتفوق عليهم ذكاء ويتولى في النهاية السيطرة كما يحدث في أفلام الخيال العلمي.

وبالنسبة إلى معظم الخبراء، فإن القسم الأول متوقع الحصول، لكن القسم الثاني بعيد جدا وليس واقعيا، وذلك أن حلول الآلة مكان البشر بدأت بوادره بالظهور منذ سنوات في العديد من الصناعات والمهن، لكن المخاوف تدور بشأن انتقال الآلة لتولي مهام كان يعتقد منذ سنوات أنها حصرية على البشر مثل قيادة السيارات والمحاماة والصحافة ووظائف الوسطاء في قطاعات البنوك والضمان وغيرها.

أما احتمال أن ينتقل ما في السينما إلى الواقع، فهو بعيد الحصول، وفقا للخبراء، لكون التقنية لم تتطور بدرجة كافية لتمنح الآلات القدرة على الإدراك أو الوعي، وهي الصفة التي تميز البشر عن الآلة، وسيتطلب الوصول بالتقنية إلى تلك المرحلة سنوات بعيدة جدا، وحتى في حال الوصول إليها فإن البشر سيتمكنون من وضع آلية للسيطرة على تلك الآلات والتحكم فيها.

ومع حادثة روبوتات الفيسبوك الأخيرة نعود إلى التفكير بتخوف الرجل الأكثر ذكاء على وجه الأرض اليوم، عالم الفلك والفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ الذي قال إن الآلات التي يمكن أن تفكر تشكل خطرا على جوهر وجودنا “وأن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لنهاية الجنس البشري”، وفقا لما نقلته صحف بريطانية عن تصريحاته لهيئة الإذاعة البريطانية.

ففي الجهة المقابلة لزوكربيرغ يقف هوكينغ الذي يعتبر أن الذكاء الاصطناعي هو أسوأ ما حصل للبشرية، محذرا دائما من خطورة تفوق هذا الذكاء المخترع وسيطرته لاحقا على كل شيء.

وقد جاء تحذير هوكينغ ردا على سؤال بشأن تكنولوجيا طباعة جديدة بواسطة الكمبيوتر تتيح له التحدث، والتي يمكنها أن تتوقع الكلمات التي قد ينطق بها. وسبق لهوكينغ أن حذر من أن مخاطر الذكاء الاصطناعي، وكتب في صحيفة الإندبندنت مع مجموعة من العملاء محذرا البشرية من أنها لا تأخذ الأمر بجدية كافية.

وقال في تحذيره “يعتمد تأثير الذكاء الاصطناعي قصير الأمد على كيفية التحكم فيه، أما على المدى البعيد فيعتمد على ما إذا كان من الممكن التحكم فيه بشمل كامل”، وأضاف “ينبغي علينا أن نتساءل جميعا عمّا يمكننا أن نفعله لتحسين فرص حصد الفوائد وثمار الذكاء الصناعي وتجنب مخاطره”.

كذلك حذر هوكينغ من مخاطر الإنترنت، مشيرا إلى تحذيرات مدير الاستخبارات البريطاني من أن الإنترنت قد تصبح مركز قيادة للإرهاب. مضيفا أنه “ينبغي على شركات الإنترنت أن تفعل المزيد لمواجهة التهديد، ولكن الصعوبة تكمن في فعل هذا من دون التضحية بالحريات والخصوصية”.

وتنبّأ هوكينغ بأن تطور الذكاء الاصطناعي وإنتاج روبوتات قادرة على التفكير سيكونان بمثابة أسلحة قوية ذاتية التحكم وحذر من أن بإمكان الذكاء الاصطناعي تطوير إرادة خاصة به ستكون في صراع مع إرادتنا، مؤكدا أن بزوغ ذكاء اصطناعي قوي قد يكون أسوأ شيء ممكن أن يحصل للبشرية.

ندفن رؤوسنا في الرمال

تعبير "الذكاء الاصطناعي" ينتشر اليوم ليصبح تعبيرا يطلق على القدرات التي تبديها الآلات والبرامج

ويتوقع أستاذ جامعة كامبريدج أن الروبوتات يمكن أن تتطور لدرجة أنها ستصبح “أسلحة قوية مستقلة” أو طريقة جديدة لـ”قمع الكثيرين”. وقدم هوكينغ نبوءته المخيفة خلال حفل افتتاح مركز “ليفيرهولم” لمستقبل الذكاء “سي إف آي” والذي تم إنشاؤه لمراقبة الآثار المترتبة على التطور السريع للذكاء الاصطناعي.

وأضاف هوكينغ “أعتقد أنه لا يوجد فرق كبير بين ما يمكن تحقيقه عن طريق العقل البيولوجي وما يمكن تحقيقه عبر جهاز كمبيوتر”، وتابع قائلا إن هذه الفرضية تعني أنه “من الناحية النظرية فإن الكمبيوتر يحاكي الذكاء البشري”. وأخيرا حذر من الذكاء الاصطناعي الذي وصفه بأنه “يمكن أن يطور إرادة خاصة به وهذه الإرادة يمكن أن تتعارض مع مصالحنا. فالتطور القوي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون إما أفضل وإما أسوأ شيء يحدث للإنسانية على الإطلاق”.

العالم البريطاني كيفن وارويك قال لصحيفة “ذا صن” معلقا على حادثة الروبوت بوب “هذا حدث هام بشكل لا يوصف، وأي شخص يعتقد أن ما حصل لا يشكل خطرا فهو يدفن رأسه في الرمال” وأضاف “نحن لا نعرف ماذا قالت هذه الآلات، لكن الثابت الآن أن لديها القدرة على فعل شيء مادي، وخاصة ما يتعلق بالأمور العسكرية، وهذا الجانب تحديدا يمكن أن يكون قاتلا، إن هذا هو أول الاتصالات المسجلة ولكن ستكون هناك العديد من تلك الاتصالات غير المسجلة”.

وكانت لجنة العلوم والتكنولوجيا بمجلس العموم البريطاني قد حذرت في خريف العام الماضي 2016 الحكومة من عدم استعدادها للتعامل مع الروبوتات التي ستغير بشكل جذري حياة الناس. فالذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم في جميع المجالات العسكرية والطبية والصناعية وغيرها من المجالات.

نعم. لقد بتنا، اليوم، أمام مفترق حقيقي ولا بد للمختصين النظر بعين جادة لكل التحذيرات ووضع جميع الاحتمالات في الحسبان، فالأمر لم يعد مجرد نظريات عندما يصبح مستقبل الجنس البشري على المحك. ونبقى كمتابعين وكقراء على مسافة واحدة من جميع النظريات بانتظار القادم القريب في ظل تطور علمي سبق كل التوقعات.

14