بوب غيفنز مبدع جاء بـ"باباي" و"بياض الثلج" و"باغز باني" لإسعاد العالم

الخميس 2018/01/11
بوب غيفنز هل سرق "توم" و"جيري" أم كان والدهما الحقيقي؟

أثناء إعداد هذه المادة، تساءل أحد رسامي صحيفة "العرب" عن الشخص الحقيقي الذي ابتكر توم وجيري، ولماذا ينسب كثيرون هذا الدور إلى أنفسهم؟ هل قام شخص آخر، غير بوب غيفنز، كما يقول مؤرخو فن الرسوم المتحركة حقا بتقديم هذين الكائنين الساحرين لأطفال العالم؟ أم أن هناك سرا يختفي خلف الأمر؟

أبهجت أعماله أطفال العالم لستين سنة، بعد أن رأى المآسي حين شارك في الحرب العالمية الثانية، عاش على تواصل مباشر مع أجيال عديدة. أجيال عرفته عن طريق الأرنب المحتال “باغز باني“ والعاشق القوي “باباي“ والقط والفأر الأشهر عالميا، وشخصيات أخرى كلما ذكرناها ستُحرّك جانبا من طفولتنا التي نفتقدها كما نفتقد بوب غيفنز الذي رحل قبل أسابيع بعد أن شكلت شخصياته الكرتونية جزءا مهما من طفولة العالم كله.

بعد وفاته قبل أسابيع قليلة، كان رثاؤه على صفحات الصحف العالمية رثاء للأب الشرعي لتوم وجيري، لكن لم يلتفت أحد إلى ما كتبته تلك الصحف ذاتها طيلة الوقت، عن جوزيف باربيرا وويليام هانا.

تقول المصادر إن باربيرا تعاون وشريكه ويليام هانا مع شركة ميترو غولدن ماير في العام 1937. كان هانا يتولى مهمة الإنتاج فيما كان باربيرا يرسم. إثر ذلك فاز الرجلان بسبع جوائز أوسكار وأنجزا أكثر من 300 فيلم كرتوني، بعد أن أسسا معا شركة “هانا باربيرا” للرسوم المتحركة التي كان من إنتاجها فيلم “سكوبي دو” وبوجي بير” و“توم وجيري”.

لكن التفاصيل تظهر أن هانا لم يكن اسمه هانا، بل كان اسمه وليم بن إبراهيم عبود حنا، المولود في نيومكسيكو في الولايات المتحدة الأميركية عام 1910، ويعود أصله إلى قرية حب نمرة في تلكلخ بمحافظة حمص السورية.

عمل حنا في استوديو للرسوم المتحركة، إلى أن التقى بباربيرا، ليبتكرا للشركة شخصية القط والفأر، ولم يكن اسمهما توم وجيري في البداية، كان اسم القط “كاسبر” والفأر “جينكس”، إلى أن أعلنت الشركة عن مسابقة لإيجاد اسم آخر لهما وكانت الجائزة 50 دولارا، فاز بها شخص يدعى جون كار.

أما باربيرا فقد ترعرع في حي بروكلين الشهير في نيويورك. وكان يمارس الرسم على سبيل الهواية في المجلات الساخرة، قبل أن يحاول الدخول في مجال الرسوم المتحركة.

التقى باربيرا مع حنا الذي توفي عام 2001 وتعاونا على إنتاج فيلم رسوم متحركة باسم “القط يحصل على حذاء“، ومن هذا الفيلم انتقلا إلى إبداع أهم وأشهر شخصيتين في عالم الرسوم المتحركة.

ويليام حنا وجوزيف باربيرا، يعود لهما الفضل بابتكار شخصيتي القط والفأر، ولم يكن اسماهما توم وجيري في البداية، كان اسم القط "كاسبر" واسم الفأر "جينكس"، إلى أن أعلنت الشركة عن مسابقة لإيجاد اسمين آخرين لهما وكانت الجائزة 50 دولارا، فاز بها شخص يدعى جون كار. وصار اسماهما "توم وجيري"

لكن ماذا عن غيفنز؟

أحب روبيرت هيرمان غيفنز أن يناديه الناس “بوب“، أحد توأمين وُلِدا عام 1918 في مدينة هانسون، لوالد يعاني من مشاكل صحية، اضطرته لأن ينتقل بعائلته إلى جنوب كاليفورنيا أملا بأن يحسّن ذلك من حالته، فعمل الأب بتربية الخيل والماشية.

ولكن صدفة ساقت بوب ليكون صديقا لـهاردي غراماتكي الذي أصبح لاحقا موظفا في شركة ديزني، فأوصى لمديريه بصديقه بوب صيف العام 1936.

وهكذا سيبدأ مسيرته بالعمل في ديزني، كمدقق للرسوم المتحركة التي كانت شخصية البطة “دونالد داك“ أساسها، لينطلق بعدها في أوّل أفلامه الطويلة “بياض الثلج والأقزام السبعة“ عام 1937.

بعد انضمامه لأول مرة إلى استوديو “وارنر“ طلب تكس افري، المدير المباشر لـغيفنز، إعادة تصميم شخصية الأرنب التي ابتكرها سابقا كل من المخرج بن هاردي والمصمم تشارلز ثورسون.

كان التصميم في البداية “أكثر لطفا” مما هو مطلوب، فقام غيفنز بتصميم أول شكل رسمي للشخصية التي عرفت بعد ذلك باسم “باغز باني“، الأرنب الذي أحدث تغييرا كبيرا في مسار الرسوم المتحركة، وصار الأرنب الأشهر عالميا.

ومن منا لم يعرف يوما فيلم الكرتون الشهير “باغز باني“ الأرنب الشقي المحتال؟ كانت شخصية الأرنب المحبوبة، انعكاسا بطريقة ما لشخصية غيفنز، ومن شاهد بعض اللقاءات التلفزيونية الموجودة على اليوتيوب لغيفنز سيرى أن ذلك الرجل كان يملك شخصية طفولية مرحة طاغية على حضوره، تشعرك بالألفة، لأنك قد التقيته سابقا في شخصيته الكرتونية الأقرب إليه “باغز باني“.

أليس هذا ما تحدث عنه فرويد سابقا، حول إمكانية التعرف على حقيقة الأشخاص، وطريقة تفكيرهم، عن طريق رسوماتهم أو كتاباتهم الواعية أو غير الواعية؟ غير أن ما فعله غيفنز كان فعلا واعيا وقام به بكل حبّ، ولما كان أرنبه “باغز باني“ ليغزو شاشات العالم.

تأثّر غيفنز بالبيئة الريفية التي نشأ وترعرع فيها، فطبيعة عمل والده كسائس للخيل ومرب للماشية في جنوب كاليفورنيا، جعل البيئة المحيطة بـغيفنز غنيّة بالإلهام لعمله في إنتاج الرسوم المتحركة، الأمر مكّنه أكثر من إنتاج شخصيات عديدة معظم أبطالها من “حيوانات المزرعة“ مثل “البطة دافي“ و“غارفيلد والأصدقاء“ و“آلفين والشيبمانكس“ وغيرها.

شخصيات كرتونية شكلت جزءا مهما من طفولة العالم كله

كم يصعب تخيّل وجود شخص مثل غيفنز في مشاهد الحرب العالمية الثانية. فلا مكان لرسام كرتون وسط الدبابات وتحت رحمة الطائرات النازية، لكنه سِيق إليها، وكانت آخر رسوماته قبل الحرب العالمية الثانية، شخصية “حصان النّقل“ عام 1942، وهو حصان مزرعة عادي، كان قد شاهد إعلانا للجيش الأميركي بحاجته إلى خيول للتجنيد. فتطوع الحصان بالعمل العسكري محاولا الانخراط والتأقلم مع التغيير الكبير الذي طرأ على حياته، من حصان مزرعة عادي إلى حصان نقل يعمل في الجيش.

إنقاذ توم وجيري

أراد غيفنز من خلال ذلك الكرتون أن يروي شيئا عن نفسه ومخاوفه من ذهابه إلى الحرب، والنقلة الكبيرة في حياته من “مزرعة” بسيطة، إلى الحياة العسكرية المعقدة التي عليه أن يتأقلم معها بطريقة أو بأخرى. وفعلا استطاع غيفنز تطويع خدمته العسكرية، بالعمل مع “وارنر“ و”رودولف إسينج“ في أفلام التدريب العسكري، فتمكن من الجمع بين شغفه بالكرتون ووجوده في عالم لا يشبه عالمه.

بعد عودته في نهاية الحرب العالمية، عمل كفنان للرسوم المتحركة في حقلي الإخراج والتخطيط، إلى أن تم إغلاق شركة “وارنر” عام 1964. عمل بعدها لدى العديد من الاستوديوهات مثل “أوبا“ و“هانا باربيرا“ واستوديو “جاك كيني“.

ولعل القارئ انتبه إلى اسم شركة “هانا باربيرا” في السطور السابقة. بعد هذا التنقل، تابع غيفنز عمله مع استوديوهات “دي بوتيت – فيرلينغ“ الجديدة، ليستقر أخيرا في العمل مع شركة “جونز“ ولكن هذه المرة على أحد أكثر الأعمال التي منحته شهرة عالمية “توم وجيري“ التي نعرفها جميعا، التي كانت ومازالت أيقونة الرسوم المتحركة للكثير من الأجيال، والتي أنتجتها “جونز“ في استوديوهات “سيب تاور 12 برودكتيوس“.

في ذلك الوقت كان الثنائي باربيرا وحنا ينتجان “توم وجيري” لصالح شركة ميترو غولدن ماير إلى أن تم إغلاق الشركة في العام 1957، بعد أن بلغ عدد الحلقات المنتجة 114 حلقة.

شخصية الأرنب المحبوبة، تبدو انعكاسا بطريقة ما لشخصية غيفنز، ومن شاهد بعض اللقاءات التلفزيونية الموجودة على اليوتيوب للرسام العجوز سيرى أن ذلك الرجل كان يملك شخصية طفولية مرحة طاغية على حضوره، تشعرك بالألفة، لأنك قد التقيته سابقا في شخصيته الكرتونية الأقرب إليه "باغز باني"

حاول الرجلان إنقاذ القط والفأر من انهيار الشركات، فقاما في الفترة ما بين 1960 و1962 بإنتاج 13 حلقة في شركة أميركية تشيكية كان اسمها “رمبرانت فيلمز” واستُخدمت فيها مؤثرات صوتية مختلفة وزادت فيها مشاهد العنف.

حينها تعرض المسلسل للكثير من الانتقادات بسبب جرعة العنف فيه، بظهور السكاكين والألعاب النارية والمتفجرات.

ولكن توم وجيري عادا مجددا إلى استوديوهات هوليوود، بعد تجربة تشيكوسلوفاكيا الفاشلة، وكانت شركة “جونز” التي أنتجت 34 حلقة، في الفترة ما بين 1963 وحتى العام 1967 وهي الفترة التي كان غيفنز يعمل فيها في “جونز”، ما يبرهن على أنه عمل على إعادة تقديم الشخصيتين كما فعل مع الأرنب “باغز باني” من خلال دوره في شركة “جونز”.

عالم من الرسوم

تابع غيفنز عمله على الكرتون “لوني تيونز“ بالعمل لصالح استوديوهات “وارنر بروس، الفنون السبعة“ حتى وقت متأخر من الستينات، وعمل لفترات تالية مع استوديوهات “دي بوتيت فريلينغ“ و“هنا باربيرا“ حتى السبعينات، وذلك قبل عمله مرة أخرى مع “وارنر بروس أنيمايشن“ على فيلم “لوني لوني لوني باغز باني“ عام 1981، وفيلم “باغز باني الثالث: 1001 حكايات الأرنب“ 1982، وفيلم “البطة دافي والجزيرة الرائعة“ عام 1983، عمل بعدها لفترةفي استوديوهات “فيلمايشون“ و“فيلم رومان“.

في التسعينات عاد مرة أخرى ليعمل مع “تشاك جونز“ في إنتاج تصاميم لرسوم “لوني تيونز“ حيث عملت الشركة لصالح “وارنر بروس“. وكان آخر أعمال غيفنز في العام 2001 حيث قام بتصميم كرتون “تيمبر وولف“ الذي كتبه وأنتجه صديقه جونز، والذي توفي في العام التالي، ما دعى غيفنز إلى التقاعد، ليقوم بإعطاء المحاضرات عن الرسوم المتحركة بعد أن تجاوز التسعين من عمره.

"توم وجيري" مازالت أيقونة الرسوم المتحركة للكثير من الأجيال

غيفنز الرجل الذي ساهم بصناعة أولى برامج الكرتون التي غزت العالم، بحركة متزامنة مع ظهور وانتشار أجهزة التلفزيون كأداة ترفيه شعبية بدأت بالانتشار، فضلا عن الأفلام السنمائية الكرتونية التي كانت في البداية جوهرة المسيرة الفنية، نحن هنا نتحدث عن رجل كان همه صناعة الابتسامة بطريقة مبتكرة على وجوه الأطفال، رجل ذو ذوق وإحساس مرهفين كما هو فنان، رجل عايش الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها، ومعارك الحرية التي خاضها الزنوج للحصول على حريتهم والاعتراف بحقوقهم في الولايات المتحدة.

شهد هذا الرجل التحولات الكبيرة، الأزمات الاقتصادية الكبرى في أميركا، شهد الثورة التكنولوجية منذ نشأتها حتى اليوم، التطور الذي طرأ على وسائل النقل، شهد النقلة النوعية في البث التلفزيوني من الأنظمة الأولية حتى تقنية الـ”4 ك”.

كان لدخول الألوان على السينما والتلفزيون أثر كبير على عمله وحياته، شهد التطور بوسائل الاتصال منذ الهاتف السلكي حتى الإنترنت الفضائي، وأولى رحلات الطيران المدنية حول العالم، كل تلك السنين الغنية جعلت من رؤية الرجل لهدفه أكثر عمقا، ولم تغيّر مسعاه الذي يبدو بسيطا أمام كل ما ذكرناه من تطور، إلا أن حلمه كان كبير الأثر قياسا مع نتائجه، حيث أثرت أعماله في نفسيّة كل طفل شاهد “توم وجيري“ و“باغز باني“ و“باباي“ حول العالم.

عاش غيفنز حياة غنية مشبعة بالأحداث، ولا يسعنا فقط أن نتحدث عنه كمصمم رسوم متحركة للأطفال، فهذا جانب كبير ومهم من حياته، إلا أنه جانب من بين جوانب متعددة لرجل خاض تجربة حياة مبهرة، حياة ستفتقدها الأجيال التي عايشت تلك الإبداعات الغنية التي بدأت بخطوط على ورق أبيض وانتهت بأشهر شخصيات عبر العالم.

وأنا كواحد من مليارات البشر الذين شاهدوا أعمال غيفنز في طفولتهم، ربما سأكون من الجيل الأكثر فقدانا لهذا الرجل بوفاته، وداعا “باباي”، وداعا “باغز باني”، وداعا “توم وجيري”، وداعا بوب غيفنز.

13