بوب ويلسن.. الأميركي الذي خالف القواعد فبات قاعدة

الاثنين 2014/01/06
مسرح بوب ويلسن.. فنون عديدة تجمعت على الخشبة

باريس- نجم باريس العام المنقضي 2013 هو الفنان الأميركي الشهير روبرت، أو بوب ويلسن كما يحلو لعشاقه تسميته، ويلسن. هذا الفنان، الذي يدين بشهرته لباريس، ويعترف بأن فرنسا فهمت فنه وقدرته حق قدره خلافا لبلاده، أحدث ثورة في الفنون الركحية تنهل من السريالية والعبثية، مثلما طوّر ما عرف بالفن الحديث في الرسم والنحت والفيديو و”الديزاين” مستفيدا من تيار "الفلوكسوس" وجرأة جون كيج.

بوب ويلسن استقبلته باريس استقبالها لنجم من نجوم العالم، وبرمجت له على مدار العام المنصرم عرضين مسرحيين بمسرح المدينة “المرأة العجوز، بيتر بان” وأوبرا “أنشتاين على الشاطئ” بمسرح شاتليه، وثانية “مدام باترفلاي” بأوبرا الباستيل، ومعرضا فنيا “غرف جلوس″ بمتحف اللوفر.


غياب المنطوق


اكتشف الفرنسيون بوب ويلسن عام 1971 (ولم يكن قد جاوز الثلاثين من عمره) في مهرجان مدينة نانسي بمقاطعة اللورين، حيث فاجأ الجمهور بعرض استثنائي يخرج عن مألوف العروض المسرحية، حتى العبثية منها، سواء من جهة إخراجه وديكوره أو من جهة مدته الزمنية، وبالأخص من جهة غياب المنطوق.

طوال سبع ساعات بالتمام والكمال لم ينطق أبطال “نظرة الأصمّ” بكلمة، واكتفى الممثلون بالتنقل ببطء شديد على الركح والجلوس والتأمل في صمت، من خلال لوحات غريبة، واقعة تحت حشد أضواء متغيرة، تجمّد فيها الوقت، واستطالت الظلال، واختفى المعنى وحلّ مكانه اللغز.

بعض النقاد قابلوا العرض باحتراز، فيما البعض الآخر، خصوصا أولئك المتمردين على الأشكال السائدة، اعتبروها ثورة غير مسبوقة. فلئن رحّب بها لويس أراغون مثلا مؤكدا أنه لم يشهد في حياته عملا سرياليا أكثر إمتاعا من ذلك، فإن الذائقة الفنية الجمعية لم تتقبلها، خصوصا في تلك المرحلة المشحونة بالغليان السياسي والعمالي والطلابي، فقد رأى فيها أنصار المسرح البريختي تلهية عن قضايا الشعب ونضاله، وأدانوا من خلالها الإمبريالية الأميركية، ورموها بالزخرف والتصنّع.
ولم يكن ويلسن يروم من ورائها غير التعبير بأسلوب فني مستحدث عن تصور طفل أصمّ للعالم، والتواصل معه بلغة مخصوصة، يكون فيها المتفرج في جوّ ينقطع فيه الكلام والأمر والنهي، خلوا إلا من أحاسيسه وتصوراته، حرا في تأويل العمل الفني.

لم تمض على ذلك خمس سنوات حتى عاد ويلسن بعمل ثان أشدّ غرابة، هو أوبرا “أينشتاين على الشاطئ” التي تدوم خمس ساعات، يكون فيها المشاهد بين اليقظة والمنام، يتابع محاكمة متخيلة لأينشتاين، بوصفه مخترع القنبلة النووية، في إشارة إلى نزوع العالم إلى إدانة العلم واستعمالاته. هذه المرة، اكتسب ويلسن من المناصرين فوق ما عدّ من المعترضين، وبذلك أرسى أسلوبه الجديد في مقاربة العمل الفني.

أما عن طول عروضه وبطء الحركة فيها وطغيان الصمت، فيفسرها بكون الزمن في حدّ ذاته تجربة، يصعب عقلنتها. “إذا فكر أحد الممثلين أنه يتحرك ببطء، يقول ويلسن، فسوف تصبح حركته مثيرة للضجر، أما إذا تغاضى عن التفكير فيها، فسوف يتحرر ويصبح قادرا على الوعي بطاقات الزمن وسرعاته المختلفة، فالزمن كما تقول سوزان سونتاغ طريقة للتفكير”. وهو في ذلك متأثر بالموسيقار جون كيج إذ يقول: ’’عندما كنت صغيرا، شكلت قراءتي كتابه “صمت” أهمّ حدث في حياتي، فصار فلسفتي وإطار تفكيري‘‘. والمعروف أن كيج كان من رؤوس تيار “الفلوكسوس″ أي اللافن، وقد ألقى عام 1949 بنيو يورك محاضرة صامتة بعنوان “محاضرة في لا شيء”.


تيار "الفلوكسوس"


في إطار سعيه إلى إزالة الحواجز بين الفنون، عاد ويلسن إلى التراث والأساطير الشعبية يعالجها وفق تصوّر ينأى بها عن المعالجة السيكولوجية المعتادة، ويركز على الحركة والرقص والديكور الحداثي المبهر، وخصوصا تكثيف الوسائل التقنية الحديثة، كما فعل في “بيتر بان” ثمّ في “خرافات لافونتين”.

ولم يكتف بتلك التجارب بل زاد عليها تجارب أخرى، استفاد فيها من تيار “الفلوكسوس” فجمع إلى المسرح والأوبرا فن النحت على طريقة مارسيل دوشامب، حيث قام بعرض كل ما يلتقطه في الشارع من حجارة وقفازات وعلب وما يعود به من تذكارات خلال رحلاته إلى البلدان البعيدة كإندونيسيا في لوحات فنية يعيد صياغتها وتركيبها، ويستفيد منها أحيانا في تأثيث الركح، مثلما توسّل بالفيديو لإعداد بورتريهات يمزج فيها عنصرا جديدا داخل لوحة فنية معروفة، كما فعل مع المغنية الشهيرة ليدي غاغا، في مناظر فريدة تتخذ فيها وضعية “مارات في الحمام” لجاك لوي دفيد أو تصبح رأس “القديس جان باتيست” لدا فنشي موضوعا على طبق.

بالرغم من احتفاء مركز بومبيدو بأعماله التوليفية في 1977 -1978، وفوزه بالأسد الذهبي في بينالي البندقية عام 1993، ظل مناوئوه ينظرون إليه نظرتهم إلى الساعين للاختلاف دونما موهبة، عملا بالقاعدة المتداولة “خالف تُعرَف”. ولم يعترفوا به إلا يوم أن اشتغل مع “مجموعة برلين” عام 2008 لإعداد عمل بريختي هو “أوبرا القروش الأربعة”، رأوا فيها مصالحة، رغم أنه أفرغها من كل ما هو عضوي وشعبي ليصوغ منها “كابوسا” رائق الفتنة، وجّه من خلاله تحية إلى أعلام السينما الانطباعية الألمانية، حيث جمع إلى الجمالية ذكاء ومتعة، فتقبلها المتلقون، نقادا وجماهير، قبولا فاق كل تصور.

واليوم، وقد جاوز السبعين، وصار نجما من نجوم العالم، لا ينسى ويلسن الطفل الذي كان، فما زال يذكر ربعه النائي في واكو بولاية تكساس، حين لم تكن ثمة متاحف ولا أروقة فنون جميلة ولا قاعات سينما ولا مسارح، وبداياته العسيرة في قفر لا يلبي طموحه.

ولكنه نشأ طُلَعة يريد أن يستكشف ما حوله ويفهم حقيقته، مجربا لا ينفك يركب ويفكك أشياءه ولعبه وكل ما يقع بين يديه، ويبتدع صيغا من المحاولات يأباها عليه أبواه، إذ كان المسرح في نظرهما خطيئة لا تغتفر. وإذا كانت الصدفة وحدها هي التي حدّدت مصيره -كما يقول- فإنه ما استطاع أن ينجز ما أنجز إلا بفضل الثقافة الواسعة التي اكتسبها من بعد، وحرصه الدائم على القطع مع السائد، أيا ما تكن قيمته، ومنزلة مبدعيه.

16