بوتفليقة الحاضر بالغياب في المشهد السياسي بالجزائر

تثير مسألة الوضع الصحي للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الكثير من الحبر والجدل، ومع ظهوره للعلن الذي قلّ في السنوات الأخيرة كثرت التساؤلات حول الأطراف التي تدير شؤون الحكم في البلاد. واختلفت الآراء في هذا الشأن بين قائل إن المحيطين ببوتفليقة هم من يديرون السلطة في حقيقة الأمر، وبين معتبر أن الوضع الصحي للرئيس الجزائري لا يؤثر في شيء.
الخميس 2017/03/02
نظام مريض

الجزائر - يحتفل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، الخميس، بعيد ميلاده الثمانين، وسط عودة التساؤلات حول صحته وقدرته على تسيير البلاد بعد أشهر لم يظهر فيها في وسيلة إعلامية أو في مناسبة علنية.

وأعاد إلغاء زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في فبراير الجدل حول صحة الرئيس.

وقال أحمد عظيمي، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، “الرئيس لم يخاطب شعبه منذ 2012، وبعد هذا، هل هناك جزائري واحد يصدق أن منصب الرئاسة ليس شاغرا؟”.

وأشار المحلل إلى الخطاب الذي ألقاه بوتفليقة، في مايو 2012، داخل قاعة مكتظة بالشباب، وقال فيه إنه سيغادر السلطة عند نهاية ولايته الثالثة في 2014.

وقال آنذاك “جيلي طاب جنانو”، وتعني باللهجة الجزائرية في بعض المناطق “جيلي أكل عليه الدهر وشرب”، وكررها مرات عدة. لكنه فاجأ الجميع بإعادة ترشحه لولاية رابعة فاز بها دون أن يقوم بأي حملة انتخابية نتيجة المرض.

ولم يتمكن، بعد فوزه بالانتخابات، من قراءة خطاب القسم الرئاسي كاملا واكتفى ببعض الفقرات منه.

وكان ظهوره نادرا جدا في المناسبات الوطنية أو عند استقبال مسؤولين أجانب، منذ ذلك الحين، وإن كان التلفزيون الحكومي يذكره يوميا في نشراته الرئيسية، من خلال الرسائل التي يتلقاها والكلمات المنسوبة إليه والتي يتلوها مستشاره محمد علي بوغازي.

ولد بوتفليقة في الثاني من مارس 1937. ويعاني منذ عشر سنوات من نكسات صحية متتالية اضطرته للبقاء فترات طويلة في المستشفى. فقد أجرى عملية جراحية في 2005 بسبب “نزيف في المعدة” في مستشفى فال دوغراس العسكري بباريس. ثم تردد مرارا على مستشفيات فرنسية وسويسرية، وكان يتم الإعلان عن بعض هذه الزيارات القصيرة، فيما بقي بعضها الآخر سريا.

وأصيب، في أبريل 2013، بجلطة دماغية أبعدته عن الجزائر 88 يوما، عاد بعدها إلى بلاده على كرسي متحرك غير قادر على المشي، ويجد صعوبة في الكلام، ما دفع المعارضة إلى الدعوة إلى إعلان “شغور منصب الرئيس” والمطالبة بانتخابات مسبقة. لكن الانتخابات جرت في موعدها في أبريل 2014.

وجاء الرد على التشكيك بصحة الرئيس بقرارات حاسمة شملت تغييرات كبيرة في قيادة الجيش والاستخبارات، ومن بينها إقالة الجنرال حسان، واسمه الحقيقي عبدالقادر آيت واعرابي، المسؤول الأول عن مكافحة الإرهاب، وسجنه.

أما القرار الأبرز فكان في سبتمبر 2015 بإحالة مدير الاستخبارات الفريق محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، على التقاعد بعد 25 سنة أمضاها في منصبه، وإلحاق جهاز الاستخبارات برئاسة الجمهورية بدل وزارة الدفاع.

وشككت المعارضة السياسية في أن يكون الرئيس هو الذي اتخذ هذه القرارات، لكن رئيس الوزراء عبدالمالك سلال أكد حينها أن “الحكومة تعمل تحت المراقبة المباشرة واليومية للرئيس”.

وذكر القصر الرئاسي، في 20 فبراير الماضي، أن بوتفليقة أصيب بـ”التهاب حاد للشعب الهوائية” أدخل على إلى المستشفى، ولم يتمكن من استقبال أنجيلا ميركل. وبعد أسبوع، أكد الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم، أن الرئيس على “أحسن ما يرام” و”يتابع نشاطه بطريقة عادية”.

ويرى الأستاذ في كلية الإعلام في جامعة الجزائر رضوان بوجمعة أن “مرض بوتفليقة ليس مشكلة بحد ذاته فهو جزء من نظام مريض أكثر منه، نظام يقاوم التغيير ومستعد لإبقاء بوتفليقة رئيسا مدى الحياة”.

وأضاف “النقاش الحقيقي ليس تغيير أو بقاء الرئيس، النقاش الحقيقي هو تغيير أو بقاء النظام”.

ويتساءل مراقبون إذا كان الرئيس مريضا ولا يستطيع اتخاذ القرارات، فكيف تسير الحكومة في ظل دستور يعطيه كل السلطات التنفيذية؟ والجواب بحسب عظيمي، هو أن “هناك مجموعات تحتكر كل واحدة قطاعا في البلد، وكل منها مرتبط بأحد أقطاب السلطة”.

وتردد كثيرا في الصحف الجزائرية الكلام عن صراع بين شقيق الرئيس ومستشاره السعيد بوتفليقة ورئيس أركان الجيش الفريق قايد صالح، حول التعيينات والإقالات من المناصب العليا. لكن المؤسسة العسكرية ردت على ذلك بالتأكيد أن هذه الأخبار “قصص من نسج الخيال”، كما جاء في عدد نوفمبر لمجلة “الجيش” الشهرية.

ويعتبر بوجمعة أن “الحل الوحيد يمكن أن يأتي من داخل النظام بفضل القوى الحية فيه والتي حافظت على استمرارية الدولة وحياة الأمة واحدة وموحدة”، معددا بين هذه القوى “الجيش الذي حقق معجزة البقاء موحدا ومنضبطا في مناخ سياسي غامض ومتعفن”.

وتتردد مثل هذه القناعات في الشارع. وقال مراد، وهو متقاعد قارب السبعين من العمر، إن الجيش هو الذي يحكم البلاد.

وأضاف مراد، الذي يجد صعوبة في العيش بمنحة تقاعده ومازال مضطرا للعمل، “أنا أصبحت لا أصدق حتى الصور التي أشاهدها في التلفزيون للرئيس وهو يستقبل الضيوف. نحن نعرف أن الذين يحكمون هم من يدورون حوله”.

ورفض جمال (44 سنة)، الموظف بشركة حكومية، في المقابل، هذا الكلام، معتبرا أن “الرئيس قدم الكثير للجزائر وضحى من أجلها وقبل الترشح لولاية رابعة حتى يكمل إنجازاته”، وقال إنه ليس مهما إن “كان يمشي أو يتكلم، المهم أنه يعمل وعمله ظاهر للعيان”.

ويرى العظيمي أن متوسط الأعمار في الحكومة من الأسباب التي تساهم في مشاكل البلد، وقال “تسيرنا حكومة بمعدل عمر 60 سنة وغير كفوءة” في بلد 63 بالمئة من سكانه تتراوح أعمارهم بين 15 و59 سنة.

4