بوتفليقة- سلال: من ينقلب على من

تمر العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة في الجزائر، بفتور، هذه الأيام، وبدا المحيطون بقصر المرادية، غير راضين على توجهات رئيس الوزراء عبدالمالك سلال الذي أظهر طموحات سياسية يرون فيها تهديدا لنفوذهم.
الأحد 2016/10/02
دقت ساعة الرحيل

الجزائر- اختارت الرئاسة الجزائرية وسائل مقربة منها، لكشف جزئي لجدول أعمال مجلس الوزراء المقرر الثلاثاء، في خطوة لتسويق الصورة الإنسانية والاجتماعية للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، مقابل إبراز الوجه القبيح للحكومة، لا سيما فيما تعلق بالتعاطي مع تداعيات الأزمة المالية، وإمعانها المستمر في الإجراءات القاسية، لإيجاد بدائل لتقلص مداخيل الجباية النفطية.

وكشفت مصادر مقرّبة من الرئاسة، أن الرئيس بوتفليقة، أوعز للحكومة بإعادة النظر في أحكام ومضامين قانون المالية للعام 2017، المنتظر مناقشته في اجتماع مجلس الوزراء، وأن الرئيس طلب منها إلغاء الجيل الثاني من حزمة التدابير التقشفية التي حملها مشروع القانون، والمتمثلة في المزيد من رفع قيمة الرسوم والضرائب والتراجع عن دعم المواد الاستهلاكية الأساسية.

وقالت المصادر إن بوتفليقة أبدى انزعاجه من العبء المتفاقم على الفئات الهشّة في مواجهة أعباء الأزمة المالية، وقد أمر الحكومة بالبحث عن بدائل جديدة، خاصة في ظل التسريبات التي تحدثت عن زيادات معتبرة في أسعار المواد الاستهلاكية، ورفع قيمة الرسوم والضرائب القديمة والمستحدثة خلال العام الجاري، الأمر الذي ضاعف من حالة الاحتقان الاجتماعي، ومن إمكانيات الانفجار الذي تتلافاه السلطة بكل الوسائل.

وتمرّ الجزائر منذ منتصف العام 2014، بوضع اجتماعي واقتصادي صعب، نتيجة تراجع مداخيلها، بسبب انهيار أسعار النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي لموازنة البلاد، ولم تفلح الحكومة إلى حد الآن في إيجاد بدائل لتنويع اقتصادها، ما يهدد استقرار جبهتها الاجتماعية، ويربك حسابات السلطة في تجاوز الاستحقاقات السياسية والانتخابية القريبة.

وجاء تسويق وسائل الإعلام المقربة من السلطة، لدخول الرئيس بوتفليقة على خط قانون الموازنة القادم، وتدخله عكس توجهات الحكومة، ليؤكد حالة الفتور التي تخيم على المؤسستين في المدة الأخيرة، وتعزز التسريبات التي تحدثت عن نهاية حقبة رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، على رأس الطاقم الحكومي بعد تعرضها لخمس تعديلات متتالية، دون أن تمسّ بمنصبه.

وكانت مصادر مطلعة، قد رجحت رحيل حكومة سلال قريبا، وإحداث تعديلات عميقة في الجهاز التنفيذي، خاصة بعد بروز خلافات علنية بين الوزراء، وغياب الانسجام والتكامل الحكومي، حيث ظهر جليا افتقاد سلال لسلطة رجل التنسيق، وتراجع نفوذه أمام حالات تمرّد داخلي، تؤشر لخلافات عميقة بين العديد من الوزراء، تجلت في تصريحات وتصريحات مضادة وتبادل للتهم والمسؤوليات، في العديد من الملفات في قطاعات التجارة والسياحة والعقار.

حالة الفلتان التي تعيشها الحكومة خلال الأشهر الأخيرة، وظهور خلافات علنية بين البعض من الوزراء، قد تكون على صلة بما يجري في معركة الكواليس المغلقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء

ورغم دخول وزير الاتصال حميد قرين، على الخط لإضفاء الانسجام على عمل الحكومة، لمّا صرح بأن “العمل الحكومي يسير بشكل عادي، والكل ساهر على تنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة “، ونفى وجود الخلافات وسوء التفاهم، إلا أن تلاسن وزير التجارية بختي بلعايب ووزير العدل طيب لوح، عبر وسائل الإعلام، أنهى صلاحية الحكومة أمام الرأي العام.

ويرى مراقبون أن غياب الرئيس بوتفليقة عن المشهد منذ ما قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بسبب أوضاعه الصحية، ساهم في تراجع سلطة التحكيم المركزي، خاصة وأن مصادر القرار الحكومي باتت متعددة في محيط بوتفليقة، بدل استلهام أوامرها وتعليماتها من مكتب الرئيس ومن سلطة مجلس الوزراء.

كما يكون الغموض السائد في هرم السلطة حول خليفة بوتفليقة، والطموحات المتنامية للرموز المحيطة به لاعتلاء قصر المرادية، هو الذي عمّق حالة الهوة بين بوتفليقة، ورجل ثقته السابق عبدالمالك سلال، خاصة في ظل الحديث عن ميلان الأخير، لمعسكر قيادة أركان الجيش، رفقة الرجل الأول في الحزب الحاكم عمار سعداني، لقطع الطريق على طموحات المستشار الخاص والشقيق الأصغر سعيد بوتفليقة لخلافة شقيقه.

وترددت إشارات عن توصل الحلقة الضيقة في قصر المرادية، بنوايا لرئيس الوزراء، في رفع سقف طموحاته السياسية، تجلت ملامحها في بعض زياراته الميدانية لبعض المحافظات، لمّا رفع بعض أنصاره شعار “سلال رئيس”، وهو ما يكون قد أزعج المحيطين ببوتفليقة، ودفعهم للتفكير في الانقلاب عليه، قبل تنامي نفوذه وتشكيله خطرا على المستقبل السياسي لهم.

ولم يستبعد مراقبون أن تكون حالة الفلتان التي تعيشها الحكومة خلال الأشهر الأخيرة، وظهور خلافات علنية بين البعض من الوزراء، على صلة بما يجري في معركة الكواليس المغلقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وقد يكون الوزراء المتمردون على سلطة عبدالمالك سلال قد أوعز لهم لإظهار الرجل في موقف ضعف وفشل في إدارة الحكومة، سواء بغياب الانضباط الحكومي، أو بتوظيف التدابير غير الشعبية للحكومة المتعلقة بتسيير الأزمة المالية، في غير صالح عبدالمالك سلال.

وينتظر أن يجري الرئيس بوتفليقة، سلسلة تغييرات كبيرة خلال الأيام المقبلة، على العديد من الأسلاك الرسمية والتنفيذية، تتعلق بمحافظي الولايات ورؤساء الدوائر والحكومة، تماشيا مع سياسة ضخ الدماء الجديدة لتنفيس وضعية الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي، والاستعداد لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقررة العام المقبل.

2