بوتفليقة والزوايا.. أي مستقبل ينتظر الجزائر

الاستنجاد بالصوفية أو بغيرها من الجماعات والتنظيمات الدينية، أو حتى الأحزاب الدينية بما في تلك المتحالفة مع السلطة والمعترف بها شرعيا، وممثلة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ولها وزراء في الحكومة، يُشكّل خطرا على الدولة الجزائرية.
السبت 2018/05/19
الاستنجاد بالصوفية

تَسْتَنْجِد السلطة في الجزائر هذه الأيام بالزوايا الصوفية في محاولة منها إعطاء بعد ديني للفعل السياسي، خاصة في شقه المتعلق بشرعية الحكم، وذلك لمواجهة ثلاثة أطراف في وقت واحد، وهي؛ الجماعات الإرهابية بكل أطيافها، وتيار السلفية، وجماعات أخرى متناقضة أو مختلفة مع الاختيار المذهبي العام للشعب الجزائري، ومنها على وجه الخصوص الحركة البهائية، والتشيع التابع لإيران.

كما أن السلطة الجزائرية تتجاوب، ربما بقصد، مع الإسلام المطلوب عالميا، تشترك في ذلك مع عدد من الدول العربية والإسلامية، وأقصد هنا الإسلام الصوفي، الذي هو بديل عملي للجماعات الإرهابية أو ما يسميه البعض بإسلام العنف، خاصّة أن الصوفية ليست طرفا في الصراع بين مذاهب أهل السنة، ومقبولة على المستوى الاجتماعي، بل إنها قادرة عن الجمع بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، والفئات الثقافية المتباينة.

قد تكون مبررات السلطة في اختيارها الوقوف إلى جانب الزوايا الصوفية، وتحديدا الزاوية البلقايدية، مقبولة بحكم الماضي القديم، خاصة العقود الستة الأولى من استعمار فرنسا للجزائر، حيث لعبت الحركات الصوفية دورا فاعلا في المقاومة والجهاد، وإن كانت قد طُوعت في بداية القرن العشرين دون أن يتم الجحود أو النكران للدور البطولي لبعض عناصرها بشكل فردي، والتحاقهم بثورة التحرير.

كما أن الزوايا الصوفية في الجزائر واصلت تحفيظ القرآن والتعليم الديني، والحفاظ على الميراثين العقائدي والثقافي للشعب الجزائري وإن كانت ضمنتهما قيم التخلف مثل الاستلام القدري للاستعمار ونشر الشعوذة.

كما قد تُقْبل مبررات السلطة بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في استنجادها بالصوفية في الوقت الحاضر، ليس فقط تجاوبا أو خضوعا للصيغة العالمية المفروضة للتعاطي مع الدين وإفراغه من مضمونه الحقيقي، وتحويله إلى طقوس، ولكن لما هو ديني وسياسي متعلق بنظام الحكم، أي تطويع الدين ليخدم السياسة، وتحديدا وجود بوتفليقة في الحكم، من دون أن يتناقض ذلك مع شرعية بقائه، وربما استمراريته في الفترة المقبلة، باختيار شعبي، أي أن الاستنجاد بالصوفية الآن عمل سياسي بامتياز مع وجود أحزاب إسلامية في الحكم، وجماعات دينية متنوعة، وتنوع الفضاء الجزائري دينيا في ظل تدفق وهجوم من تيارات وجماعات دينية دخيلة ذات طابع دولي، مرفوضة أو مقبولة من الشعب الجزائري.

لكن رغم التبرير السياسي السابق في بعديه الزمنيين الراهن والماضي، فإن الاستنجاد بالصوفية أو بغيرها من الجماعات والتنظيمات الدينية، أو حتى الأحزاب الدينية بما في تلك المتحالفة مع السلطة والمعترف بها شرعيا، وممثلة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ولها وزراء في الحكومة، يُشكّل خطرا على الدولة الجزائرية، ذلك لأنه يجعلها تابعة لتلك الجماعات أو التيارات، مما يفقدها قدرة التحكم في التوجه الديني، بل يحيله إلى فوضى، ويدخل الشك على اليقينيات، بل يزعزعها من الأساس.

هنا يمكننا الاستشهاد بما حدث في الأيام القليلة الماضية، فقد قام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بزيارة إلى الزاوية البلقايدية، وتدشين مقرها الجديد في الجزائر العاصمة الثلاثاء الماضي، 15 مايو الجاري، وقد تكون تلك الزيارة عادية، لو لم يكن الرئيس بوتفليقة شبه غائب وقلّما يقوم بجولات ميدانية منذ أن تعكّرت حالته الصحية، وأيضا لو لم تُصْحَب تلك الزيارة بتفسير خطير من طرف وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، حين اعتبرها بمثابة “رسالة للمشككين في الهوية الدينية الوطنية، والذين يعتقدون أن أتباع الطرق الصوفية ليسوا من أهل السنة والجماعة”.

كلام وزير الشؤون الدينية إيذان بمرحلة جديدة من الصراع بين التيارات الدينية بإشراف وتزكية من السلطة، بل إن هذا النوع من الخطاب يدخل الجزائريين، إن قدر له أن يسود أو ينجح، في صراع حول الهوية الذي يثار كلما لاح في الأفق عجز الدولة أو فشلها في مصير الهوية، وهذا ينتهي بنا إلى القول إن إدخال الزوايا في مشكلات وإشكاليات الهوية، يعدّ توظيفا سياسيا يخدم في النهاية بوتفليقة وفريقه، ثم إن رد الوزير محمد عيسى على تيار السلفية ليس من اختصاص وزارته، التي يفترض أن تقف على مسافة واحدة من كل الجماعات والمذاهب، وحتى مع الأحزاب الدينية المعترف بها.

من ناحية أخرى، فإن الأمر يبدو أكثر خطورة إذا نظرنا إليه من زاوية تبرير الفعل السياسي ضمن خطاب مستهلك، ومشبع بروح فتنة مجتمعية في المستقبل المنظور، كما جاء في تعليق محمد عيسى، حين قال “إن التصوف هو أساس من أسس المرجعية الوطنية.. التصوف الذي نعرفه وباركه الرئيس بوتفليقة بزيارة الزاوية البلقايدية هو التصوف السني الذي نعرفه عند الإمام جنيد، والذي سار عليه العلماء ولا يرتضي إلا ما ورد في القرآن والسنة”، والسؤال هنا من تكون الزاوية البلقايدية؟ ولماذا بارك الرئيس بوتفليفة التصوف بزيارته لها؟

يعتبر عدد من الباحثين أن الزاوية الهبرية البلقايدية من أهم الزوايا في الجزائر، وتحمل هذه الزاوية العلمية الواقعة في وهران اسم علم من أعلام التصوف الجزائري ألا وهو محمد بلقايد (1911 – 1998) من عائلة تلمسانية شريفة مشهورة بخدمة الأولياء، وتضم في صفوفها ما يربو من خمسة ملايين مريد، وإن صحت هذه المعلومة فإن العدد مخيف إذا ما قورن بالعدد الإجمالي للشعب الجزائري البالغ 41.3 مليون نسمة (حسب الديوان الوطني للإحصاء يناير 2017)، وهو ما لا يحوزه أي حزب، بل قد يكون أكبر من عدد المناضلين في كل الأحزاب الجزائرية مجتمعة، وبالتأكيد أن بوتفليقة لا يراهن على مريدي الزاوية البلقايدية، ويعرف خطورة الميل إلى جماعة دينية، حتى لو كانت مسالمة، على الدولة وعلى السلم العام، لكنه يبارك هذا التصوف من منطلق جهوي، أي أنه يؤيد كل ما منتسب إلى الغرب الجزائري وخاصة تلمسان، وهو هنا يكرر أخطاء بعض السياسيين الجزائريين حين مالوا إلى مناطقهم على حساب الدولة في توزيع المناصب خلال الفترة السابقة لحكمه.

وإذا صحّ هذا التصور أو الاعتقاد عند الرئيس بوتفليقة، أي تأكيد الانتماء الجهوي المناطقي على حسب الوطن بتوظيف الصوفية، مثلما عمل في السابق على توزيع مناصب قيادية في الدولة على أشخاص فاعلين من تلمسان، فإن ذلك سينتهي بالجزائر، مهما طال الوقت، إلى صدام مجتمعي بات وشيكا، مع أن تلمسان تحديدا تشكل ثقلا حضاريا من الناحية التاريخية، وهي تمد الجزائر اليوم بطاقات شابة قادرة عن الوصول إلى السلطة دون حاجة للتوظيف السياسي لها من طرف الرئيس.

ما يعني أن الاستنجاد بالزاوية البلقايدية من طرف السلطة مضرا بالوطن كله وبالغرب الجزائري وبتلمسان، وهو تفخيخ لمستقبل البلاد، ورغم هذا التوظيف السياسي بما فيه الحديث عن الهوية، فإن دعم الرئيس للزوايا، هو صيغة دولية لدعم إسلام مسالم حتى لو كان يختلف ظهرا وباطنا مع طبيعة الشعب الجزائري.

9