بوتفليقة وروراوة.. أيُّهما يحكم الآخر؟

الأربعاء 2016/11/16

في جزائر اليوم، تختلط السياسة بالرياضة إلى درجةِ (لم تعد خافية عن أحد) ترابط وتداخل المصالح بين العاملين في المجالين، وهذا أمر تشترك فيه الجزائر مع دول أخرى كثيرة، غير أن ما يميّز الحالة الجزائرية عن غيرها أمران. الأول، تمركز السلطة في يد اثنين، هما: عبدالعزيز بوتفليقة، رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ومحمد روراوة، رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم.

والأمر الثاني: مساندة جماعات الفساد في عدد من مؤسسات الدولة للطرفين، وما يتبع ذلك من توظيف لجماهيريتهما الشعبية؛ بوتفليقة بفضل السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية، وروراوة بفضل تأهل الجزائر مرتين متتاليتين لكأس العالم بعد طول غياب، وهذا يعني أن الرجلين يثبتان شرعيتهما من الميـراث المـرّ لسنـوات الإرهـاب. ومع أنني ضدّ تحويل المنجز الرياضي، وهو يعود بالنفع على أصحابه أولا، إلى عمل بطولي وطني يتم الافتخار به، إلا أن الأمر يتجاوزني، خاصة بعد أن أصبحت الدول تعتبر فرقها الوطنية ممثلة لقوّتها النَّاعمة، بل هنالك من ترى دورها أكثر فاعلية من الجيوش.

ومن هذا المنطلق يجب النظر إلى المنافسة الجزائرية في التصفيات المؤهلة لكأس العام في روسيا 2018 أولا، وفي بطولة كأس الأمم الأفريقية ثانيا، على أنها المحدّد لمصير النظام الجزائري مستقبلا، بل إن نتائجها ستؤثر على الجبهة الاجتماعية، وقد بدأت تتجلَّى في قرارات محمد روراوة المرتجلة والخاطئة في الفترة الأخيرة، وكان من نتائجها الهزيمة الثقيلة للفريق الجزائري في نيجيريا، والتي ستؤدي، إن تواصلت على هذا النّحو، إلى كارثة في المستقبل المنظور.

بناءً على ما سبق ذكره، أصبح من الضروري -في نظر المراقبين- إبعاد محمد روراوة وتغييره، ليس لأنه يتجه نحو المزيد من الفشل فقط، ولكن لأن بقاءه على رأس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم خطر على السلم الاجتماعي العام، لأنه في حال عدم تأهل الفريق الجزائري لكأس العالم، مع استمرار الحكومة في التقشف نتيجة انخفاض أسعار النفط، لن يجد الشعب الجزائري ما يلهيه عن أزمته الراهنة، وهذا يعني أن نظام الحكم الجزائري برمته في خطر، غير أن المراقبين يرون تغييره مرتبطا بالحسم في مسألة جوهرية، وهي: أيُّهما يحكم الآخر عبدالعزيز بوتفليقة أم محمد روراوة؟

الإجابة على السؤال السابق، تتطلب العودة إلى تجربة محمد روراوة، الذي بدأ موظفاً في وزارة الإعلام الجزائرية، وترقّى في المناصب من نائب مدير إلى مدير، واستدعي في ما بعد للمشاركة في تنظيم أول مهرجان أفريقي في الجزائر العاصمة، كما عمل أيضاً مديراً لمركز الإعلام والثقافة، وكان مكلفا بالنشاط الثقافي وخاصة السينمائي. وفي العام 1980 أصبح مسيّراً في التلفزيون الجزائري، أي أنه ابن شرعي للإعلام في شقه المؤسساتي- الإداري، ولكنه بعيد كل البعد عنه، حين يتعلق الأمر بالمتابعة، ناهيك على أنه معادٍ لمعظم الصحافيين، خاصة الذين يكتبون عن أخطائه، ويتفادى في الغالب الظهور أمام الأضواء، مُكْتَفِيًا بإعطاء انطباع عام على أنه مجرد مسيّر رياضي، كل ذلك من أجل التغطية عن حياة البذخ التي يعيش فيها، وثروته التي تعد بالمليارات كما ذكرت ذلك تقارير صحافية.

ومنذ توليه منصب رئاسة الاتحادية بين عامي 2001 و2005، وإعادة انتخابه من جديد عام 2009 لمدة أربع سنوات، واستمراره في منصبه إلى يومنا هذا، أصبح روراوة محسوبا على فترات حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي غيّر عددا من رؤساء الحكومات والوزراء وكبار جنرالات الجيش وقادة أجهزة الأمن والولاة والنواب العامين ورؤساء المحاكم والقضاة، وكل المسؤولين في المواقع الحساسة، بما في ذلك القطاع الرياضي، وأبقى روراوة في مكانه رغم أخطائه وفشله المتكرر، بل إن له صلاحيات لا يملكها أحد من المسؤولين في الدولة الجزائرية، فأنّى له ذلك؟ ربما نجد الإجابة في التقرير الإخباري المدعم بالأرقام، والمنشور على موقع “منتديات كرة” بتاريخ 10 مارس 2013، تحت عنوان “الوجه الخفيّ لمحمد روراوة: ثروة ذات مصادر مشكوك فيها”.

وفي التقرير نجد روراوة يرى نفسه قويّا، لأنه كما يقول “جعلت رئيس الجمهورية ينام مرتاح البال لمّا أخرجت للشارع 35 مليون جزائري يحتفلون بتأهل الفريق الوطني لمونديال 2010”، وهو هنا -كما جاء في التقرير- يُوهم الآخرين بأنه صانع السلم المدني لدرجة تقزيم إنجازات الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى مجرّد إنجاز رياضي يقف وراءه لوحده دون سواه، ليس هذا فقط بل إنـه يردد أمام أقـاربه “أنا كبير.. أنا كبير”، وهو فعلا، بمقاييس اللعبة السياسية في الجزائر وتوزيع الأدوار، يعدُّ رجلاً قويا، إلى درجة أنه ليس في مقدور أي أحد مواجهته، ومن ينتقده من الرياضيين الخصوم -ولو سانده الحق- يقوم بذلك على استحياء.

محمد روراوة يستمد شرعية وجوده من منصبه -رئيس “الفاف”- الذي جعل منه السيّد الواحد الأحد، حيث لا توجد أيّ جهة تحاسبه أو يقدّم لها الحسابات؛ لا مجلـس محاسبة، ولا وزارة وصيّة، ولا عـدالة الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، يفعل فيها وبها ما يشاء، ولذلك يعتبر نفسه أهمّ من رئيس الجمهورية، ولهذا ينتظر الكثير من الجزائريين انتفاضة من الرئيس بوتفليقة، تطيـح بروراوة، لأنـه إن لـم يبعده من المنصـب سيطيح بالجـزائر كلهـا، وهنـاك من يرى وجـوده على رأس الاتحـادية عبئا كبيـرا، فالـرجل تميّز بتدبير أمـوره وتسييرها بفعالية وعقلانية سمحت له بتكوين ثروة هائلة في ظرف وجيز، لكنه في نظر الكثير من الرياضيين وقطاع واسع من الشعب لم يحسن تسيير أمور الكرة الجزائرية.

لقد استغل روراوة انشغال الرئيس بملفات كثيرة من جهة، وتحقيق انتصارات، نسبية ومحدودة، للفريق الوطني من جهة ثانية، ووجود جماعات داعمة له داخل السلطة من جهة ثالثة، فتعسف في استعمال السلطة وأبعـد المدربين الـوطنيين، ومن بينهم رابح سعدان، وكانت النتيجة ما نعيشه اليوم، وما سيقع في المستقبل تحت قيادته أكبر وأسوأ، والقول الفصل المنتظر للـرئيس بوتفليقة، ليـس فقط من أجل مصلحة الجزائر، ولكن حتى لا يقال إنه حكم الكل، وطوّع الجميع، وتحكّم في مصيره روراوة.

كاتب وصحفي جزائري

9