بوتفليقة يتراجع عن مشروع الغاز الصخري لامتصاص غضب أبناء الجنوب

الخميس 2015/01/29
أهالي الجنوب ينتفضون ضدّ سنوات التهميش الطوال

تونس-رضخت الحكومة الجزائرية للاحتجاجات المناهضة لمشروع استغلال الغاز الصخري. وأعلن الرئيس الجزائري أن الحكومة لا تنوي استغلال الغاز الصخري في الوقت الحالي، في تحول كبير في الموقف الرسمي، بعد مراوغات ومماطلات كثيرة. كما أعلن عن حزمة إجراءات لامتصاص غضب المحتجين، لكن المراقبين اعتبروها قرارات ترقيعية مؤقتة لا تعالج الاهمال الذي يعاني منه سكان الجنوب.

أكد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، أن عمليات الحفر التجريبية لاستخراج الغاز الصخري في منطقة عين صالح ستنتهي في القريب العاجل.

وأوضح بوتفليقة، خلال ترؤسه مجلسا وزاريا حول التنمية في الجنوب، أن استغلال الغاز الصخرى ليس واردا في الوقت الراهن، واصفا ما حصل من احتجاجات واضطرابات في مناطق الجنوب بأنه مجرّد “سوء فهم” باعتبار أن عمليات الحفر الحالية تصنّف ضمن التجارب الأولية ولم يتمّ تفعيلها بشكل رسمي.

وأكد الرئيس الجزائري أنه “في حال تبين أن استغلال هذه الموارد الوطنية من المحروقات يعدّ ضرورة ملحة لتحقيق الأمن الطاقوي للبلد، فإنه يتعين على الحكومة السهر على حماية صحة المواطنين والحفاظ على البيئة”.

ودعا في هذا السياق، إلى تنظيم نقاشات “نزيهة” وموسّعة بمشاركة كفاءات وطنية وممثلين عن المجتمع المدني لتقديم المزيد من المعطيات حول واقع ورهانات المحروقات غير التقليدية التي تعتبر على حدّ قوله “ثروة جديدة للجزائر”.

وتحتل الجزائر المرتبة الثالثة عالميا بعد الصين والأرجنتين من حيث احتياطات الغاز الصخري التي تبلغ، حسب تقارير دولية، 19.800 مليار متر مكعب.

وتعيش محافظات عديدة بالجنوب الجزائري على وقع احتجاجات واسعة لوقف استغلال الغاز الصخري وللتنديد بالتهميش الحكومي الذي وُصف بـ”الممنهج” لسكان الجنوب.

ويتخوف المحتجون من تأثير استغلال الغاز الصخري في المنطقة على البيئة والزراعة وعلى المياه الجوفية، ومن انتشار مرض السرطان، بفعل المواد الكيميائية التي تستعمل عادة في استخراج هذه الطاقة.

قاسة عيسى لـ"العرب": تجميد المشروع لا يهدف إلى احتواء الاحتجاجات فقط

وحاولت السلطات مرارا امتصاص غضب سكان الجنوب الذّي تحول إلى مواجهات مباشرة مع وحدات الأمن، عبر تنقّل بعض المسؤولين الحكوميّين والوزراء على عين المكان للالتقاء بالمواطنين ورصد تشكياتهم المتعلقة أساسا بالشغل والسكن والصحة والخدمات، إلاّ أن جميع المحاولات باءت بالفشل.

وفي نفس السياق، أكد قاسة عيسى، الناطق الرسمي باسم القيادة الموحدة لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، في تصريحات لـ”العرب”، أن مشروع استغلال الغاز الصخري أدّى إلى تعميق الأزمة في الجنوب وإلى تأجيج الأوضاع، موضحا أن مخاوف السكان مشروعة باعتبار أنهم لا يملكون المعطيات الكافية والمعلومات الدقيقة حول هذا المشروع.

وأشار إلى أن المناطق التي يوجد بها الغاز الصخري بعيدة عن التجمعات السكنية ولا يمكن بأي حال من الأحوال الإضرار بصحة المواطنين أو تعريضهم للخطر.

ووصف محدّثنا قرار بوتفليقة بتجميد هذا المشروع مؤقتا إلى حين ثبات فاعليته بـ”الصائب”، نافيا أن يكون قرارا ترقيعيا هدفه احتواء الاحتجاجات لا غير.

وحمّل الرئيس الجزائري بشكل ضمني الحكومة مسؤولية اندلاع الاحتجاجات بسبب عمليات الاستكشاف في عين صالح، حيث عاتبها على عدم تقديم شروحات كافية للرأي العام ودعاها إلى توسيع عملية تحسيس المواطنين حول هذا الموضوع.

وهو نفس الموقف الذي تتبناه المعارضة، حيث اعتبر العديد من القياديّين السياسيّين أن عجز الحكومة عن تقدير المطالب المرفوعة خلال الاحتجاجات الغاضبة بجنوب البلاد للأسبوع الرابع على التوالي، ساهم بشكل مباشر في تأجيج الأوضاع.

وأبانت الفوضى والمظاهرات الحاشدة ضدّ مشروع استخراج الغاز الصخري عن حالة احتقان حادّة داخل أجنحة السلطة لتتحوّل أزمة الجنوب إلى مطيّة لتصفية الحسابات بين الفرقاء.

فقد وجّه عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير الجزائرية اتهامات بالفشل في احتواء احتجاجات عين صالح وغيرها من المدن لرئيس الوزراء عبدالمالك سلال.

ويرى مراقبون أن انتقادات سعداني لحكومة سلال، زيادة على خلافاتهما المتصاعدة، لا يمكن قراءتها بمعزل، عن ضغطه المستمر من أجل دفع بوتفليقة، إلى اختيار رئيس الوزراء، من حزب جبهة التحرير الوطني، باعتباره صاحب الأغلبية في البرلمان.

ويعدّ الخلاف المستمر بين الرجلين أحد أوجه الارتباك الذي تعيشه الحكومة الجزائرية، ممّا ساهم في توتير الأجواء وتصعيد الأزمة السياسية.

وأفضى الاجتماع الذي استدعى إليه بوتفليقة، 12 وزيرا وحضره رئيس الوزراء ومسؤولون كبار من بينهم نائب وزير الدفاع، ورئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، إلى حزمة من القرارات الهامة، أبرزها تفعيل اللامركزية والقيام بتقسيم إداري جديد لصالح سكان الجنوب. ويهدف هذا القرار أساسا حسب بوتفليقة إلى “مكافحة البيروقراطية وتقريب الإدارة من المواطن لتحسين المرفق العمومي وحتى تصبح الإدارة فعلا في خدمة المواطن”.

انتقادات سعداني لحكومة سلال لا يمكن قراءتها بمعزل، عن ضغطه من أجل دفع بوتفليقة، إلى اختيار رئيس الوزراء، من جبهة التحرير الوطني

وتأتي هذه المباحثات الحكومية في الجزائر بعد سنوات طوال من التهميش عانته محافظات الجنوب بسبب المركزية الإدارية واستفراد مؤسسات السلطة بالقرار، ممّا أدّى إلى تحجيم مشاغل المحافظات الفقيرة المغيبة عن الاهتمامات المباشرة والملحة في السياسات العمومية للدولة.

وأكدت مصادر إعلامية أنه إلى جانب تفعيل اللامركزية تعتزم السلطات استحداث وزارتين خاصتين بمحافظات الهضاب العليا والجنوب لتطويق الأزمة واحتوائها وللتكفل بالتنمية.

ورجّح مراقبون أن يثير هذا القرار غير المؤكد الحساسيات بين مختلف مكونات المجتمع الجزائري، وقد يشكل شرارة للمطالبة باستحداث وزارات خاصة بكل منطقة من المناطق التي يعتقد سكانها أنهم لم ينالوا نصيبهم من المشاريع التنموية.

في المقابل، شدّد محلّلون على ضرورة تفعيل مثل هذه القرارات لتجنيب سكان الجنوب، الذين يعانون الفقر والبطالة، الوقوع في فخّ الإرهاب والتطرف.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير إخبارية عن محاولة تنظيم داعش استغلال الاضطرابات في جنوب الجزائر للتأثير على الشباب وتجنيدهم ليتحولوا إلى مقاتلين دمويّين يهدّدون أمن واستقرار البلاد.

ودعا فرع تنظيم داعش في العاصمة طرابلس، الأمازيغ الطوارق في جنوب الجزائر وشمال مالي أيضا للالتحاق بالتنظيم، ومبايعة زعميه أبوبكر البغدادي.

جاء ذلك في تسجيل منسوب لمقاتلين من التنظيم نشرته مواقع جهادية، في وقت سابق، على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان “رسالة إلى إخواننا الموحدين”.

2