بوتفليقة يرفض ترك كرسي الرئاسة

السبت 2016/11/12

مخاض واسع وحراك كبير يسيطران برأسيهما على الأوساط السياسية والجماهيرية في الجزائر، بعد شيوع خبر ترشيـح الرئيس عبـدالعـزيز بوتفليقـة لولاية رئاسية خامسة خلال الانتخابات المرتقبة في العام 2019، رغم أن وضعه الصحي لا يسمح له بالاستمرار في قيادة البلاد.

تساؤلات عديدة أضحت تخيّم على المشهد السياسي في الجزائر تحركها مطالب الولاية الخامسة لبوتفليقة وعلاقة كل ذلك بالتغييرات والتحويرات التي أجراها في الفترة الأخيرة وطالت أعلى المناصب في الدولة.

تأتي على رأس هذه التغييرات إحالة العديد من الجنرالات والقادة العسكريين الذين شملهم الرفّ هذه المرة، علاوة على أهم قرار جريء اتخذه بوتفليقة في مسيرته، وهو تنحية مدير المخابرات محمد مدين بعدما تربع على عرش المخابرات لربع قرن، مما ينبئ بحالة من الغليان تعيش على وقعها الجزائر ستفاقم الوضع أكثر وقد يتحول إلى أزمة يصعب الخروج منها مع موفى هذا العام.

وبدا أن الخناق يضيق من جديد على بوتفليقة مع اقتراب الموعد الانتخابي بعد معركة الانتخابات الرئاسية التي خاضها في العام 2014 دون معارضة تذكر أو لنقل إنها كانت معارضة “كرتونية” مصطنعة، مثلها شق بقيادة علي بن فليس، الرجل الثاني في حكومة بوتفليقة السابقة.

وأجاد بن فليس فن المسرح وأتقن الدور جيدا بحكم حنكته وخبرته في هذا المضمار، ما جعله حينها يدعو كافة أطراف المعارضة إلى التكتل لتشكيل جبهة ضد النظام الحاكم في البلاد عبر “التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي”، وهي تحالف معارض يضم أحزابا وشخصيات سياسية قاطعت الانتخابات التي أشرف عليها رئيس الوزراء الأسبق أحمد بن بيتور.

وكل ذلك كان لأجل بحث التنسيق حول المرحلة الحاسمة في تاريخ الجزائر، لكنها مرحلة كشفت في ما بعد عن العديد من الاضطرابات والقلاقل طالت جميع المراكز الحساسة في الدولة خصوصا بعد بروز سعيد بوتفليقة، الأخ المقرب من الرئيس وذراعه اليمنى ومستشاره الخاص، الذي تتحدث الأوساط الشعبية في الجزائر عن صولاته وجولاته وهيمنته على القصر.

ولأن ما يحدث في “كواليس” المشهد السياسي في الجزائر في تلك الأيام بات واضحا وجليا، فقد أيقنت المعارضة حينها لا بل صدقت بعد كشف نتائج الانتخابات وفوز بوتفليقة بنسبة خيالية، أن ما حدث هو “مسرحية” سيئة الإخراج من قبل من يدير الجزائر من وراء الستار، متوقعة أن أشهرا صعبة تنتظر البلاد أمام تزايد الاحتقان الشعبي الرافض لعودة بوتفليقة إلى سدة الحكم.

ولكن المشهد اليوم يعيد نفسه رغم أنه يزداد ضراوة وعسرا، فبعد مروره باختبار الانتخابات السابقة 2014، ها هو بوتفليقة اليوم يجد نفسه أمام امتحان ثان من الصعب عليه اجتيازه لا بل حتى أن لعبة “الدمى المتحركة” لن تجد له مخرجا.

يبدو المشهد السياسي في الجزائر أكثر قتامة وأقبح من أن يظل “كرسي متحرك” يدير بلدا غنيا مثل الجزائر بموارده الطبيعية وبنسبة سكانه المرتفعة جدا، أمام معارضة غائبة حاضرة داخل هذا المشهد الذي يلوح في الأفق أن له عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها.

العارفون بقضايا الجزائر في جل أقطار العالم ظلوا لفترات طويلة يرددون أن الأحداث السياسية التي تعرفها البلاد وخاصة منها شبح الإقالات التي طالت العديد من الوجوه البارزة، سواء أكان ذلك اضطراريا أم طوعيا، تصب في خانة تهيئة عبدالعزيز بوتفليقة لشقيقه سعيد لخلافته في المنصب، لكن جاء خبر ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة مخاتلا هذه المرة وسقطت كل الأطروحات المعلقة على بداية صحوة جديدة للمسار السياسي وشكل الحكم في الجزائر، البلد الذي عانى كثيرا ويلات الحرب وجرّب مأساة العشرية السوداء واكتوى بنار الإرهاب كثيرا.

لكن في مقابل ذلك، يبدو أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تستوعب الدرس بعد وهي سائرة بالجزائر نحو مستقبل غامض خاصة في ظل الأوضاع المضطربة بدول الجوار.

كاتب من تونس

4