بوتفليقة يمهد طريق الولاية الخامسة بإغراء الطبقة العمالية

أرجأ الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تطبيق أحكام قانون التقاعد الجديد إلى غاية العام 2019، في خطوة ظاهرها تهدئة الجبهة الاجتماعية بعد موجة الاحتجاجات التي أثارها القانون، وباطنها دلالات سياسية تبرز تعاطف الرجل مع الفئات الشغيلة، لتهيئة الأجواء لاستحقاقات سياسية تبدأ العام القادم، وتنتهي في 2019، بانتخابات رئاسية لا يستبعد تقدم بوتفليقة لخوضها والمرور إلى ولاية رئاسية خامسة.
الجمعة 2016/12/02
تحركاتهم تؤتي أكلها

الجزائر - أعلن وزير العمل والتضامن الاجتماعي الجزائري محمد الغازي، أمام أعضاء البرلمان قبيل انعقاد جلسة التصويت على قانون التقاعد الجديد، أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وجه له تعليمات تقضي بإرجاء تطبيق القانون إلى غاية العام 2019، وهو ما أراح النواب من حرج تمرير قانون اجتماعي مؤلم أمام الشارع الجزائري، خاصة لدى نواب الأحزاب الموالية للسلطة.

وذكر الوزير بأن الحكومة ستمنح فترة انتقالية مدتها سنتان بين 2017 – 2019 يسمح فيها فقط لمن أتم مدة 32 سنة عمل، بالاستفادة من التقاعد حتى قبل بلوغ سن الستين، وأنه خلال هذه الفترة الانتقالية يسمح فقط لمن بلغ سن الـ58 سنة عام 2017 أو الـ59 سنة كاملة عام 2018 وأتموا مدة 32 سنة بخدمة الاستفادة من التقاعد”.

وكان مشروع القانون الذي عرضته الحكومة على البرلمان، قد ألغى ما كان يعرف بالتقاعد النسبي أو التقاعد دون شرط السن، وحدد سقف الستين عاما للرجل و55 عاما بالنسبة إلى المرأة، الأمر الذي أثار موجة من الاحتجاجات، انتهت الأحد الماضي بوقفة للعمال والنقابيين المنضوين تحت لواء التكتل النقابي المستقل أمام مبنى البرلمان، وشهدت تعنيفا وتضييقا من طرف قوات الأمن.

ويعد تدخل الرئيس بوتفليقة لصالح الجبهة الاجتماعية، الأول من نوعه منذ شروع الحكومة في تطبيق برنامج التقشف الإنفاقي لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية منذ العام الماضي، ويشكل قراره فاصلا زمنيا بين حلقات مسلسل القرارات الاجتماعية المؤلمة، من أجل تنفيس الوضع وعدم الدفع به إلى الانفجار، في ظل تتابع حزمات التقشف على المواطن الجزائري، وظهور ملامح انهيار السلم الاجتماعي الذي أنفقت لأجله السلطة المليارات خلال سنوات الراحة المالية.

وكما كان متوقعا صادق نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، على التعديلات بالأغلبية، وهم مدعومون من توصية الرئيس بوتفليقة للحكومة حول إرجاء جزئي لأحكامه، وعبرت الكتل النيابية لحزبي الأغلبية (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي )، عن ارتياحها لما أسماه النائب محمد جميعي بـ”رعاية وإنسانية رئيس الجمهورية لمّا يتعلق الأمر بانشغالات الطبقة الكادحة”.

قرار بوتفليقة لعب على الوتر الحساس لتمهيد الطريق أمام الاستحقاقات السياسية القادمة وطموح الولاية الخامسة

وعلى العكس فإن أحزاب المعارضة التي وقفت في وجه المشاريع الحكومية الأخيرة بالمقاطعة أو التصويت بالسلب، رفضت التعديلات الأخيرة للحكومة، وصوتت كتل حزب العمال اليساري، وتكتل الجزائر الخضراء الإسلامي ضدها، بينما فضلت جبهة القوى الاشتراكية، وجبهة العدالة والتنمية مقاطعة جلسة التصويت.

وشكك نواب معارضون في جدوى التعديلات التي أوعز بها الرئيس بوتفليقة للحكومة، واعتبروا المسألة “تحايلا على الرأي العام، لأن القرار لا يمس إلا فئة محدودة من العمال”، وأن مطالب الجبهة الاجتماعية واضحة في هذا الشأن، والشركاء الاجتماعيون عبروا عنها في سلسلة من الوقفات الاحتجاجية والإضرابات.

وأمام صعوبة تحصيل تصريح على موقف التكتل النقابي المستقل، من تدخل الرئيس بوتفليقة لصالح الطبقة الشغيلة، ذهب متابعون إلى وصف ذلك بـ“اللعب على الوتر الحساس لتمهيد الطريق أمام الاستحقاقات السياسية القادمة وطموح الولاية الخامسة، ومحاولة الظهور العملي أمام الشارع الجزائري في صورة الرجل المتعاطف مع انشغالاته اليومية، عكس الحكومة التي لا تتوانى في إيلامه باستمرار”.

وشددت الحكومة الجزائرية في وقت سابق على ضرورة تمرير قانون التقاعد الجديد، لإنقاذ صندوق التقاعد من الإفلاس، بعد اختلال توازناته المالية في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ منتصف العام 2014، وفرضت عليها اتخاذ حزمة من الإجراءات لتقليص الإنفاق العام والتحكم في موازنة الدولة، وتعويض العجز الذي ناهز سقف الـ16 مليار دولار، عبر استنزاف قدرات الطبقات الشغيلة والبسيطة برفع شامل للأسعار وسلة من الرسوم الجبائية والضرائب.

وكان رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، قد صرح بأن “أزمة صندوق التقاعد تعود إلى ثلاث سنوات ماضية، وأن الجزائر تحصي ثلاثة ملايين متقاعد، وقد حتمت علينا التطورات الاقتصادية والديمغرافية إلغاء قوانين أُقرت في تسعينات القرن الماضي تحت إملاءات المؤسسات المالية العالمية، وحان الوقت لقانون تقاعد معمول به في معظم الدول، لحماية حقوق الأجيال المقبلة في التقاعد، وتفعيل روح الجد والعمل في المجتمع”.

وفي خطوة للرد على الانتقادات التي طالت الحكومة من طرف الطبقة السياسية والنخب المستقلة، حول أسلوب الإمعان في استنزاف قدرات الفئات الشغيلة والبسيطة والهشة لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، والتغاضي عن أجور إطارات وكوادر مؤسسات الدولة، وثروة رجال المال والأعمال، قررت الحكومة خصم 10 بالمئة من أجور أعضائها ابتداء من شهر جانفي القادم.

4