بوتفليقة ينتهج سياسة الترقيع لإضفاء الشرعية على عهدته الرابعة

الجمعة 2014/05/30
بوتفليقة يحاول إيهام الجزائريين بأنه ينسق جهوده مع وزرائه للقيام بإصلاحات

الجزائر - تمثل مقاطعة الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، للمشاورات حول تعديل الدستور الجزائري، هاجس السلطة التي تحاول إضفاء الشرعية على عهدة بوتفليقة الرابعة والإيهام بأنها تعمل جاهدة لضمان الحريات والتعددية الحزبية.

وتدعي أحزاب الموالاة أن بوتفليقة يأمل في أن تكلل هذه المشاورات بصياغة دستور توافقي، في حين أنه تم إقصاء أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية التي أعلنت في مناسبات عديدة أن النظام فقد شرعيته منذ سنوات طويلة.

أعلنت الرئاسة الجزائرية، في بيان رسمي لها، بدء مشاورات لمراجعة الدستور وتعديله، يوم الأحد، وذلك بمشاركة 52 حزبا و30 شخصية سياسية. ويرجح أن يكون من بين الأحزاب التي ستشارك في المشاورات من أجل إنجاز “دستور توافقي”، كما تزعم الحكومة؛ حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحزب العمال والجبهة الوطنية الجزائرية وجبهة المستقبل، وهي الأحزاب التي كانت قد انخرطت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إمّا بالمشاركة المباشرة أو بدعم الرئيس المترشح بوتفليقة.

وانتقد مراقبون مشاركة بعض أحزاب المعارضة في مشاورات اعتبروها شكلية وزائفة، بالنظر إلى ما قام به النظام من محاولات لفرض نمط سياسي موحد طيلة فترة حكم بوتفليقة، مؤكّدين أن مثل هذه المشاورات لا يمكن لها أن تحلّ أزمة الحكم في الجزائر.

واعتبروا أنّ أحزاب المعارضة التي ستشارك في المشاورات مثل حزب العمال بقيادة لويزة حنون، هي أحزاب “كرتونية”، وأحزاب “ميتة” أصابها الركود والجمود لأنها انفصلت عن المجتمع وعن قواعده الشعبية، وعوض أن تقوم بمعارضة النظام من أجل الإصلاح والتغيير، هي تسانده وتشارك في نشاطات الحكومة وكأنها جزء منها.

الأحزاب المقاطعة للمشاورات
◄ حركة مجتمع السلم

◄ التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية

◄ تنسيقية الانتقال الديمقراطي

◄ قطب التغيير

◄ جبهة القوى الاشتراكية

◄ حركة النهضة

هذا وأكّد العديد من المحللين السياسيين أن السلطات الجزائرية بمعية بوتفليقة لا تبحث فعلا عن إيجاد حلول سياسية ناجعة ولا عن صياغة دستور توافقي باعتبار أن رزنامة تعديل الدستور تمّ إعدادها مسبقا، دون التشاور مع الفاعلين السياسيين، معتبرين أن النظام ينتهج سياسة الترقيع ليستعيد ثقة المواطنين وليضفي بعض الشرعية على عهدة بوتفليقة الرابعة.

وأكد بيان الرئاسة أن جميع الجمعيات والمنظمات التي وجهت إليها الدعوة والمقدرة بـ 37 منظمة، لبّت الدعوة شأن؛ المنظمة الوطنية للمجاهدين والمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء، الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين والاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، فضلا عن مختلف المنظمات والاتحادات الطلابية، التي لم يُعهد عنها تخلفها عن أيّة دعوة وجهت إليها من طرف السلطات الرسمية.

والمعلوم أن الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية كانت قد أعلنت عن عدم مشاركتها في المشاورات حول تعديل الدستور، باعتبار أن التعديلات التي أعلن عنها بوتفليقة لا تضمن الحريات الأساسية والتعددية الحزبية ولا تعترف بحق المواطنين في التظاهر للتعبير عن مواقفهم وآرائهم.

يشار إلى أنّه من بين الأحزاب المقاطعة للمشاورات؛ حركة مجتمع السلم وحركة النهضة والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، جبهة العدالة والتنمية، المنضوية تحت ما يعرف بـ “تنسيقية الانتقال الديمقراطي”، فضلا عما يعرف بـ “قطب التغيير” الذي يضم الأحزاب التي ساندت المرشح لرئاسيات 17 أفريل المنصرم، علي بن فليس، إضافة إلى جبهة القوى الاشتراكية، ورئيس الحكومة الأسبق، أحمد بن بيتور.

ولتأكيد موقفه حول المشاورات والتعديل الدستوري، قال علي بن فليس في تصريحات إعلامية، إن “الجزائر تواجه أزمة نظام وأخرى داخل النظام وليس أزمة دستورية”، لأن مؤسسات الدولة حسب اعتقاده “فقدت شرعيتها ولا تضطلع بمهامها الدستورية الحقيقة”.

يذكر أن بوتفليقة، في غمرة أحداث ما يُسمّى بـ”الربيع العربي” سنة 2011، أعلن عن عزمه القيام بإصلاحات سياسية من بينها تعديل الدستور، إلا أن المشروع عرف الكثير من التأخير والمماطلة.

علي بن فليس: مؤسسات الدولة فقدت شرعيتها ولا تضطلع بمهامها الدستورية

وفي أول مجلس للوزراء بعد فوزه بولاية رئاسية رابعة، في بداية مايو، دعا بوتفليقة لمشاورات سياسية لـ”مراجعة توافقية للدستور”، على أساس وثيقة أنجزتها مجموعة خبراء العام الماضي.

وكان بوتفليقة قد شكل لجنة من خمسة خبراء قانونيين لوضع مشروع تمهيدي لتعديل الدستور في 7 أبريل 2013، قبل 20 يوما من إصابته بجلطة دماغية ونقله للعلاج في فرنسا، ما حال دون التقدم في مشروع تعديل الدستور.

وقامت هذه اللجنة بعملها على أساس مقترحات تم تقديمها خلال مشاورات أولى قادها رئيس مجلس الأمة، عبدالقادر بن صالح، وقدّمت مسودة لبوتفليقة من أجل إبداء ملاحظات عليها.

واعترضت العديد من الشخصيات السياسية على عمل اللجنة آنذاك، واتهمتها بالانحياز والإقصاء، وبأنها تعمل من أجل إرساء دستور يكرّس الدكتاتورية ويلغي الحريات.

الجدير بالذكر أن بوتفليقة قام بتعديل الدستور مرتين؛ مرة أولى في 2002 من أجل جعل الأمازيغية لغة وطنية، أمّا الثانية فكانت في 2008 من أجل إلغاء تحديد الولايات الرئاسية بدورتين لا غير، ليتمكن من الترشح لولاية ثالثة في رئاسيّات 2009.

وبحسب المراقبين فإنّ التعديلات الدستورية التي قام بها بوتفليقة، تُعدّ مجرّد محاولة لتكميم أفواه المعارضين له، ولإضفاء مسحة من “الديمقراطية الزائفة” على نظامه حتى يتمكن من تمرير قوانين إلزامية تضمن استمراره في الحكم.

المشكل الحقيقي المطروح اليوم في الجزائر هو أزمة ثقة بين المواطنين والجهاز الحكومي الهش وغير المنسجم، الذّي يعمل جاهدا لتخليد نظام بوتفليقة، دون أخذ القضايا الجوهرية التي من المفروض أن يتمّ طرحها للنقاش في المشاورات القادمة بعين الاعتبار، ومن بين هذه القضايا على سبيل المثال؛ مسألة استقلال القضاء، الحريات السياسية، فصل الدين عن الدولة، ترسيم اللغة الأمازيغية وغيرها.

2