بوتور والنقد الجغرافي بين رف الكتب

الأحد 2015/03/08
بوتو: المدن ليست من معجزات الطبيعة

لميشيل بوتور كتابان في أدب المقالة لا يزالان يحظيان باهتمام النقاد. الأول هو “التعديل” والثاني هو “عبقرية المكان” الذي صدر أول مرة عام 1958 وأعيد طبعه مؤخرا. هذا الكتاب جمع بورتريهات أدبية راقية لسبع مدن متوسطية هي قرطبة وإسطنبول وصالونيك ودلفي ومليلة ومنتوفا وفرّارا، إضافة إلى جزء خاص بتأمّلات وأشعار وطرائف يرويها الكاتب عن مصر، التي أحبها وأقام بها. هي مقالات أدبية بديعة استوحاها الكاتب حول تاريخ المدن التي زارها وآدابها، ويجعل مما سمّاه “النقد الجغرافي” عملا فنيا، مذكرا بأن المدن ليست من معجزات الطبيعة، بل هي تحف بديعة من صنع الإنسان، يشيّدها أباطرة ويدمّرها فاتحون، ولكن فيها نحاتين أقاموا أصناما، وكتابا ألفوا كتبا، وفنانين صاغوا ألحانا خالدة. ومن ثَمّ لا غرابة أن نلتقي ببورخس في عطفة شارع من شوارع صالونيك، أو ابن رشد في ساحة بقرطبة.


◄ ديانة القرن


في كتابها “عبادة حقوق الإنسان”، تستعرض المؤرخة وعالمة الاجتماع الفرنسية فالنتين زوبر ظروف ظهور إعلان حقوق الإنسان والمواطن في صيف 1789، وتكريسه رمزا للثوريين في فرنسا وخارجها، قبل أن يصبح أشبه بإنجيل يضمّ المبادئ المقدسة للجمهورية الفرنسية، وعقيدة لكل تشكيلة سياسية تنشط داخلها. هذا التقديس في رأيها يطرح مسألة وجود شكل من أشكال الديانة المدنية داخل الجمهورية، رغم علمانيتها المعلَنة. ذلك أن هذا الإعلان، الذي صيغ في الأشهر الثلاثة الأولى للثورة الفرنسية، تكرّس على مرّ الأجيال، حتى صار جزءا لا يتجزأ من التقاليد الجمهورية، منذ 1889 إلى تاريخ الاحتفال بمرور قرنين على اندلاعها عام 1989، كديانة مقدّسة يعبدها الجميع، ويعبرون عن انتمائهم إليها واعتزازهم بها، والإشادة بها في المحافل الدولية، حتى باتت فرنسا تعرف ببلد حقوق الإنسان.


◄ فرنسا وتصفية الخصوم جسديا


جديد الصحافي فنسان نوزيل، كتاب بعنوان “قتلة الجمهورية” يفضح فيه سرا من الأسرار التي تتكتم عليها الدولة الفرنسية، ألا وهو لجوؤها إلى تصفية الخصوم جسديا، باستعمالها فرق موت خاصة، كما في الأفلام، بدعوى أنهم يشكلون خطرا على مصالحها، أو يهدّدون أمنها القومي. ولا تقتصر العمليات على التراب الفرنسي وحده، بل تتعداه إلى مناطق نفوذها الواسعة، سواء في الشرق الأوسط، أو في مستعمراتها القديمة بأفريقيا السوداء. وتأتي هذه العمليات في شكل انتقام موجه، أو سلسلة اغتيالات، أو القضاء على زعماء تنظيمات إرهابية، أو إشعال صراعات قبلية وحروب أهلية، أو عمليات يوعز بتنفيذها قصر الإيليزي نفسه إلى مجموعة من المرتزقة، أو إلى أعوان من المخابرات الصديقة التي تحفظ الأسرار. اعتمادا على الوثائق واعترافات شهود، يكشف الكاتب عن الساهرين على “عمليات هومو” والمقصود بها قتل البشر، التي تمت تحت سائر رؤساء الجمهورية الخامسة، من ديغول إلى فرانسوا هولاند.


◄ بارت ناقدا مسرحيا


“كتابات عن المسرح” هي نصوص جمعها وقدّم لها جان لو ريفيير، أعيد نشرها في طبعة جديدة بمناسبة الاحتفال بمئوية ميلاد السيميائي الشهير رولان بارت (1915- 1980)، الذي أقام حوارا متصلا مع الخطابات النظرية والحركات الثقافية على تنوعها، منددا بكل خطاب مكرّس. والمعروف أن بارت كان شغوفا بالمسرح، كمتفرج وشاهد وناقد ومنشط لمجلة متخصصة، في فترة عرفت بداية تشكل الخطوط الكبرى للمشهد المسرحي الحالي. في هذه النصوص، وهي في مجملها افتتاحيات ومقالات نقدية، نشرها بارت متفرقة بالصحف والمجلات، وتتناول بالنقد والتحليل المسرح الإغريقي القديم، والمسرح البريختي الذي أحدث ثورة عميقة في المسرح الفرنسي، وخاصة مسرحية “الأم شجاعة” التي عرضت أول مرة بباريس عام 1954، وتلامس جوهر المسرح كما ينبغي أن يكون في علاقته بالذات والكينونة الاجتماعية.

خبايا فكر عدمي يضرم النيران في العالم


◄ أعداء الإنسانية


يستعرض الفيلسوف الفرنسي فرانسوا غيري في كتاب “أركيولوجيا العدمية” تاريخ هذا التيار الذي نشأ في روسيا، منذ مقتل الإسكندر الثاني قيصر روسيا عام 1881 إلى ظهور الحركات الجهادية الإسلامية؛ من شياطين دستويفسكي إلى “انقلاب القيم” النيتشوي، ومن “موت الرب” إلى كل المنافحات الإجرامية ذات العنف الذي يمارس كفداء. يقدّم الكاتب خبايا فكر عدمي ما انفك يضرم النيران في العالم، مستدعيا مفكرين عالجوا المسألة مثل ألبير كامو وأورتيغا إي غاسيه ومقابلهما إرنست يونغر وهرمان راوشينغ، لتسليط الضوء على هذه النظرية الراديكالية، القائمة على الدعوة إلى إبادة الآخر المختلف عرقيا أو إيديولوجيا، كما هو الشأن مع النظم التوتاليتارية كالشيوعية والنازية، والجماعات الإسلامية المتشددة كتنظيم القاعدة وداعش وبوكو حرام، التي لا تملك غير رغبة مجنونة في سفك الدماء وتخريب البيئة وتدمير العمران.


◄ حركات التحرر النسائية


في “ثورة الأنثى” تؤكد كميل فوادفو ميتري أستاذة العلوم السياسية بجامعة رانس، أن الحركة النسائية لم تخلق دينامية المساواة بين الرجل والمرأة فحسب، بل أعادت أيضا تشكيل عالمنا المشترك، في مسعى لا يزال ساريا تهجر فيه الأدوار العائلية والوظائف الاجتماعية انتماءها لهذا الجنس أو ذاك.وبصرف النظر عن العراقيل التي تمنع مساواة صارمة بين الجنسين، تسجل الكاتبة ما نشهده من تحوّل حقيقي على صعيد التاريخ الإنساني، خصوصا في المجتمعات الغربية، حيث أن التعيينات والوظائف التراتبية ما عادت خاضعة للجنس، بل للكفاءة وحدها. دون أن يعني ذلك تسوية بين مصائر الرجال والنساء، نظرا لإصرار الأفراد على تقديم أنفسهم بوصفهم رجالا أم نساء. وخاصة أولئك اللاتي يتزعّمن الحركات النسوية المطالبة بحقوق المرأة، بدل حقوق المواطن. وفي رأيها أن المواطَنة غير المحدّدة بجنس، تبدو مثالا لما ينبغي أن يكون عليه الوضع البشري.

14