بوتيك بوبوري: أزهار أميركية في الصحراء العربية

الأحد 2014/02/16
ناتالي حنضل وسهير حماد: صوتان من الشعر الأميركي-العربي

الدمام - “ما يزال الكثيرون يندهشون حين يسمعون عبارة “أدب عربي أميركي”، كأن الجالية العربية الأميركية عبر ما يزيد على القرن من العيش في الشمال الأميركي تعيش عكس الطبيعة البشرية، فلم تنجب مبدعين أو فنانين. لكن الوضع فيما يبدو آخذ في التغير بظهور مجموعات وأعمال تفرض نفسها فتتسع بها دائرة التلقي والتقدير”، هكذا علّق د. سعد البازعي مرة حول تلك الدهشة التي قد تصيب بعضهم من خلاف هذه الصورة. من هنا، نقف على أهمية مشروع “بوتيك بوبوري” كحالة تجسير ثقافي بين الشرق والغرب.

بوتيك بوبوري (Poetic Potpourri) أو خليط منتخب من أزهار الشعر الأميركي، فليسمّها المتلقي ما يشاء، فليست هذه هي الحكاية التي يريد أن يرويها لنا القاص والناقد السعودي مبارك الخالدي. الحكاية تكمن في كونها أزهاراً أميركية منتقاة تنبت بالموسيقى والغناء والسينما والمسرح في الدمام/ شرق السعودية، أي في الجهة الكونية الوحيدة في العالم التي لا يُسمح فيها بالسينما، ولا تحتفل بالموسيقى، ولا تكترث بالفن. لهذا فإن مشروع الخالدي بالتعاون مع “جمعية الثقافة والفنون” يعدّ مشروعاً رائداً، جاء متحدياً لملامح نكوصية في ثقافة الصحراء التي تهمّش الحياة وتدّخر الفرح.

بشيء من الاحتيال الذكي على الرقيب الإعلامي وعلى “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” أوقف الخالدي المرأة/ الشاعرة/ المغنية على منصة المسرح عبر تقنية البروجوكتر، مستدعياً من خلال مقاطع يوتيوب مسجلة على مدى أمسيتين متتاليتين خمس شاعرات أميركيات من أصول أفريقية وعربية ليلقين قصائدهن ويغنينها أمام جمهور متشوّق للجمال، ظلّ يتابع ويصفق بحرارة لشعرائه الغائبين الحاضرين رغم كل مصدّات الحياة التي تحيط به.

مبارك الخالدي: الشعر مقرونا بالفنون السمعية- البصرية

ورغم ضيق ذات اليد وتقشّف ميزانية الجمعية يأتي مشروع “بوتيك بوبوري” ضمن فعاليات ثقافية متنوّعة يهندسها مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام الشاعر أحمد الملا بالتعاون مع فريق متكامل من المسرحيين والموسيقيين في خطوة لخلق أجواء تتناسب مع حلمهم الفني الذي يشتغلون عليه.

أنطولوجيا شعرية

ضمن هذا الجو الاحتفالي بالشعر تأتي أماسي “بوتيك بوبوري” مع عدة مشاريع فنية مدروسة بعناية فائقة لتؤسس لأنطولوجيا الشعر الأميركي الذي ينحدر من أصول غير أميركية.

قدّم الخالدي – حتى الآن- من خلال أمسيتين استثنائيتين ستةً من الشعراء الأميركان المعاصرين من أصول أفريقية وعربية، هم: ريتا دوف، جوي هارجو، وجول كلتشر، وفادي جودة، وناتلي حنظل، وسهير حمّاد. الأمسيتان تعدّان جزءاً بسيطاً من أمسيات شهرية متوالية ستقام خلال العام الجاري، وسيقدم الخالدي من خلالها العديد من التجارب الشعرية الأميركية ذات الأعراق الإنسانية المختلفة شرقاً وغرباً، يليها إصدار أنطولوجيا شعرية تضم النصوص المترجمة مع قرص مدمج يحوي مقاطع من أهم العروض المصاحبة.

وحول التجارب الفلسطينية الأميركية التي انقدحت شرارتها على لسان الشعراء العرب وعلى لسان ترجمة الخالدي تحدّث الأديب السعودي عبدالله السفر عن حضور فلسطين رغم غيابها قائلاً: “كنّا في عافية الشعر والموسيقى والمسرح والغناء فيما فلسطين البوصلة التي يشهقُ نحوَها القلب دونَ حنجرةٍ ولا ذراعٍ أيديولوجيّة خشنة. قشرةٌ رقيقةٌ حُكّت؛ فاندلعت فلسطين إلى حضورها كأنها لم تكن في غيابٍ عن الجمهور منذُ.. منذُ.. واللهِ إني لضعيفٌ في الحساب وأخشى من العد”.

خليط أزهار

ومن جهتها عبّرت الدكتورة صباح عيسوي عن المشروع قائلة: “فكرة أمسيات بوتيك بوبوري خلاقة وغنية ثقافيا، إذ تضع أشكالا متعددة للثقافة والفن في بوتقة واحدة لتعطي باقة فكرية ثرية تعمل على التواصل الإنساني الفني بأعلى مستوياته.

فمن الترجمة الأدبية بدورها الهام كوسيط بين الثقافات، والشعر.. ذلك الفن الإبداعي الذي يغذي الروح وينقل الفكر في حلة زاهية من الكلمات والموسيقى إلى الإثراء البصري السمعي عبر الوسائط المتعددة على المسرح وهندسة الإضاءة والمؤثرات المسرحية”.

وأضافت عيسوي: “أعتقد أن فريق العمل خرج بما يمكن أن يكون شكلا فنيا جديدا وجميلا يتوافق وذائقة المتلقي في عصر التكنولوجيا مع الحفاظ على الأشكال التقليدية للثقافة”.

شاغال: الحلم أرض المخيلة وسماؤها

لقد أزاح الخالدي مفردة “بوبوري” عن معناها القاموسي الذي يعني “خليط من الأزهار والأعشاب لتعطير الأمكنة” ليقدمها كمفتاح لاستكناه المشروع وللتعبير عن طبيعته وأهدافه، فهو انتقاء من الشعر لتجسيد التعدد العرقي والإثني والثقافي للأدب الأميركي بوجه عام، وللشعر بوجه خاص، ينتخبه الخالدي بعناية ليبثّه في بلد محكوم بالثقافة الشمولية والخطاب الواحد، الأمر الذي يجعل هذا المشروع يحمل مساحات إنسانية غير مسبوقة بالمفارقات.

وحول ذلك علّق الشاعر حسين آل دهيم لصحيفة العرب قائلاً: “يعدّ مشروع بوتيك بوبوري من المشاريع الرائدة في هذا المجال، فلأول مرة في المملكة تقام أمسيات تسلّط الضوء على التنوع الشعري الأميركي من حيث الطيف العرقي من عرب وأفارقة وصينيين وغيرهم”.


لا لثقافة الهيمنة

كان لصحيفة العرب لقاء مع مدير ومقدّم الأماسي الدكتور مبارك الخالدي، وسألناه عن هذه المفارقة فأجاب “”بوبوري” – مجازاً- المُعادل الموضوعي للقصائد الأزهار التي ننتقيها من حديقة الشعر الأميركي المعاصر، والرامز إلى التعددية الثقافية للشعر الأميركي. مفارقة زاعقة بالتأكيد، وربما هذا ما يفسر تعجب البعض من خارج السعودية بعد مشاهدة الأمسية الأولى على اليوتيوب”.

وفي سؤالنا له حول كنه مشروع “بوتيك بوبوري” والدوافع له ذكر الخالدي: “”بوتيك بوبوري” مشروع ترجمة ينفتح على خارطة الإبداع الشعري في الولايات المتحدة هادفاً -من بين أهداف أخرى- إلى سد ما أعدها ثغرات في ترجمة الأدب الأميركي والإنكليزي عموماً إلى العربية، المصابة بالعمى تجاه الطبيعة التعددية للأدب الأميركي، والمنحازة إلى الثقافة المهيمنة، ثقافة الأميركي الأوروبي، والمُشيحة بأنظارها عن آداب الأقليات في الولايات المتحدة”. وأضاف الخالدي مشدداً على أهمية إبراز المهمّش والمسكوت عنه في المنجز الإنساني الأميركي قائلاً: “لا يزال الأدب الأميركي في وعي الكثيرين هو أدب الأميركي الأبيض، ولا زالت أميركا هي وطن الأبيض ذي العيون الزرقاء. صورة الأميركي الأبيض هي التي “تشخص” في ذهن أو مخيلة أي عربي أو غير عربي، عندما يسمع كلمة “أميركي” في جملة مثل “التقيت برجل أميركي”. الأبيض هو الأميركي دائماً، ولذا لا أستغرب أن تأتي الترجمة إلى العربية عمياء منحازة، ومهمشة لآداب السود والملونين، إلا في حالات قليلة عندما يفوز كاتب من الملونين بجائزة كبيرة، و يحقق شهرة واسعة على الصعيد العالمي. وينطبق الكلام ذاته على أقسام الأدب الإنكليزي في الجامعات المحلية وحتى العربية، ببرامجها المتماهية مع المهيمن، والمهمشة للمنجزات الإبداعية الأقلياتية”.

وحول إذا ما كانت جامعاتنا مهتمة بهذا المنجز الذي يعكس ثقافة التعدد علّق الخالدي: ” لا أتوقع أن تقدم لنا أقسام الأدب الإنكليزي في جامعاتنا خططاً دراسية تعكس التعددية الثقافية للأدب الإنكليزي. لا يزال (المعتمد/ Canon) الأدبي الإنكليزي فيها مغلقاً أمام الآداب الأقلياتية، ومؤلفاً في معظمه من أعمال “مؤلفين بيض موتى”. لقد أبلى بعضها بلاءً حسناً في مواكبة النظريات النقدية الحديثة والمعاصرة و”استقدامها” لكنها لم تنفتح على النص الإنكليزي بتعدديته الثقافية”. وأضاف “من الواضح أن النص ليس سهلاً استقدامه دائماً لأسباب تتعلق بالخصوصية أو محافظة القائمين على تلك البرامج، أو تفادياً لما يسببه التجديد من صداع ومشاكل لا تحسب عقباها. ويمكن القول إن برامج بعض هذه الجامعات لتخصص الأدب الإنكليزي مثل الغراب حين “ضيعّ مِشْيَتِه ومِشْيَة الحمامة”، فلا هي برامج أدب إنكليزي، ولا ترجمة، ولا علم اللغة بفروعه المختلفة. خليط (hodgebodge) عجيب غريب من “الكورسات” تضاف وفق ميول وأمزجة وتخصصات من اشتغلوا وأشرفوا على إعدادها، بمنأى عمّا يجري من تغيرات وتطورات في الحواضن الوطنية والثقافية للأدب الإنكليزي”.

وأضاف الخالدي: “في العام 1994، حررت وأصدرت ماريا وجِنيفر غيلان أنطولوجيا للشعر الأميركي المعاصر المتعدد ثقافياً، بعنوان (Unsettling America)، “زعزعة استقرار أميركا”، أعتقد أن “بوتيك بوبوري” يسبب مقداراً من زعزعة استقرار الترجمة العربية المتماهية مع المهيمن والمتسيّد، بتقديم عدد من الأصوات التي همشتها أو لم تعلم بوجودها، ولا يلتفت إليها المترجمون العرب كما جرت العادة.

تأتي أماسي "بوتيك بوبوري" مع عدة مشاريع فنية مدروسة بعناية فائقة لتؤسس لأنطولوجيا الشعر الأميركي - العربي

على المستوى الذاتي، يشكل “بوتيك بوبوري” عودة إلى الترجمة بزخم قوي وعلى نحو مستمر بعد مدة انحباس طويلة. وهو مشروع ولود على مستوى الأفكار، تولّدت منه أفكار لمشاريع ترجمة أخرى، وإن تكن صغيرة، ولكنها جميلة، أتمنى أن ننفذها في جمعية الثقافة والفنون بالدمام. أحب أن أسميها (Spin-offs)، أفكار مشتقة من الفكرة الكبيرة”. وفي سؤالنا له، إن كان مشروع “بوتيك بوبوري” سيهتم بالبعد العرقي فقط أم أنه سيتجاوز ذلك للديني، أجاب الخالدي: “بوتيك بوبوري مشروع يهتم بشكل رئيس بالتعددية الثقافية التي تسهم في تشكيلها عوامل عدة منها العرقية والقاريّة والوطنية (نسبة إلى القارة أو الوطن التي تمت الهجرة منه إلى أميركا)، أما الدينية، فلا يوجد في أميركا أدب يُعرّفُ بهويته الدينية سوى الأدب الأميركي اليهودي. لا يوجد ما يسمى أدب مسيحي أو إسلامي أو بوذي. وحتى فيما يتصل بالأدب اليهودي، هناك من يعمد إلى إدماجه تحت العناوين العرقية والقاريّة والوطنية الأخرى. فمثلا لا يرد ذكر أو ببليوغرافيا الأدب اليهودي في كتاب (تعريف تاريخ الأدب الأميركي ثانيةً، 1990)”.

12