بوتين الممزق بين كييف ودمشق

الثلاثاء 2014/02/25

بساقين من فخار يحاول، فلاديمير بوتين، نقل الإمبراطورية الروسية من واقعها الضعيف إلى عالم الأقوياء، رغم خطورة هذا الرهان القاسي، ورغم تكلفته وصعوبته.

وتجمع القراءات التي تناولت هذه الظاهرة المركبة في العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة، على أن العامل الشخصي والتكوين النفسي لبوتين، يشكلان مدخلا لتفسير سياسة روسيا التي تعد ظاهرة بالنظر إلى ظروف العلاقات الدولية وتعقيداتها في عصر العولمة، ففي الوقت الذي تذهب فيه الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الكبرى في الوقت الراهن، إلى تخفيض التزاماتها السياسية والعسكرية في العالم، تندفع روسيا إلى توريط نفسها في أماكن معينة، سوريا وأوكرانيا، دون التمعن في الاستحقاقات التي قد يرتبها مثل هذا الانخراط وما إذا كانت العوائد موازية للأثمان المستوجب دفعها؟

القراءة البسيطة، تقول إن بوتين، عنصر الاستخبارات السابق، والمخلص للاتحاد السوفيتي السابق، والذي يعتقد أن انهيار ذلك الكيان كان الخطأ الإستراتيجي الأكبر في القرن العشرين، شخص تحكمه ميول واعتقادات تؤثر على مدركه السياسية من خلال رفع سقف الأحلام الإمبراطورية، دون مرور تلك الأحلام بمرشحات عناصر القوة وظروف العالم ومتغيراته، وبالتالي فهو لا يمتلك الرغبة فقط، بل يعتقد أن لدى روسيا القدرة والفرصة لإعادة مجدها الإمبراطوري، أما أدواته في هذا المضمار فتعتمد بطريقة ما على خلق مجال حيوي خاص بروسيا “جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق” وكذلك تحقيق بعض الاختراقات الجيوإستراتيجية في مناطق حيوية وتقع في دائرة الصراع الدولي “الشرق الأوسط”.

وثمة قراءة أكثر تعقيدا من الأولى، ترى في سياسة بوتين نمطا دفاعيا، وإن تميز بحساسيته ومبالغته في تقدير الأخطار وطبيعة الاستعدادات، ذلك أن روسيا تقع بين صراعين حضاريين وجيواستراتيجيين بنفس الوقت، وهو ما يجعل استجاباتها تتميز بتوتر ملحوظ واندفاعة غير متوازنة.

في القراءة الروسية، الممزوجة بخليط ثقافي وسياسي، تشكل أوكرانيا خط الدفاع الأرثوذكسي في مواجهة الحضارة الأوروبية المنفتحة ذات القيم والسلوكيات غير المقبولة في المجتمع الأرثوذكسي الروسي، وبالتالي فإن من شأن تغلغل القيم الأوروبية الغربية في المجتمع الأوكراني تشكيل شرارة التخريب الأولى داخل روسيا، وهو الأمر الذي يفاخر القوميون الروس بوقف تداعياته مع النهوض القومي الجديد في السنوات الأخيرة، في حين تشكل الحرب في سوريا وعلى ثورتها خطوة استباقية لمنع تمدد العدوى للجمهوريات السوفيتية السابقة وكذا للمناطق المسلمة في روسيا نفسها، وبالتالي فإن بوتين وفق هذه القراءة يحاول حماية العرين الروسي دون أوهام أيديولوجية أو أحلام إمبراطورية.

غير أن الواقع يقول إن بوتين الممزق بين أحلام استعادة المجد الروسي وهواجس حماية بلاده من الاختراقات السياسية والثقافية، لا يفعل سوى صناعة المزيد من المتاعب لروسياه، ففي حين تغرق بلاده في جملة من المشاكل التي تعانيها دولة “عالمثالثية” كالبطالة والفقر وضعف القاعدة الإنتاجية، فإنه يضع بلاده على سكة صراعات من المقدر أن تستهلك الجهد الروسي في تجاوز تلك المشاكل.

كاتب سوري

9