بوتين الموهوم بجدوى البلطجة العسكرية

الجمعة 2015/10/02

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تعصف بالروس أزمة كيانية هادرة، فمن إمبراطورية تبسط نفوذها على قرابة ثلث الأرض، إلى دولة مهزومة، تجر أذيال قواعدها العسكرية الخائبة من كوبا في أقصى غرب العالم، إلى بعض دول شرق آسيا، حتى محيطها الأقرب في البلقان وأوروبا الشرقية، لتُقوقِعَها داخل حدودها الباردة، بينما المحور الأميركي الغربي، يستمتع بإذلال خصمه المهزوم، بالتمدد اقتصاديا وعسكريا في المحيط الجيواستراتيجي الروسي، ويفرض على روسيا حدود طموحها الاقتصادي أيضا.

تجلى ذلك بالمفاوضات المضنية التي خاضتها روسيا طوال 18 عاما، من أجل الظفر بعضوية منظمة التجارة العالمية، وكان لها ذلك بعد أن أذعنت للشروط الأميركية والأوروبية، المتعلقة بخفض سقف التعريفات الجمركية، وتقييد الدعم لقطاعاتها الإنتاجية سيما القطاع الزراعي، الذي كان أحد القطاعات الأساسية في الدولة السوفيتية الراحلة.

رغبة روسيا في تخطي حالة الهزيمة، عبّر عنها فلاديمير بوتين بخطاب له أمام مجلس الدوما عام 2006، حين وصف الولايات المتحدة الأميركية بالذئب الذي يأكل دون أن يستمع لأحد، معبّرا عن رغبة الدب الروسي بـ”الاستذءاب”، عبر رفع النفقات العسكرية لبلاده لتوازي نظيرتها الأميركية، والتي تتفوق بـ25 ضعفا، مشيرا إلى أهمية تحصين البيت الروسي عسكريا أسوة بالأميركي، على اعتبار ذلك مصدر القوة الأميركية المهيمنة على العالم، معلنا رفع الموازنة العسكرية لبلاده بنسبة 20 بالمئة مقارنة مع الأعوام السابقة، لتشمل المزيد من الإنتاج العسكري وإيصاله إلى مستويات تكنولوجية متطورة، وتحسين الجاهزية القتالية للجيش الروسي.

رؤية الرئيس الروسي، والتي اختزلت ممكنات القوة الأميركية فقط بالجانب العسكري، لم يدخر جهدا للسير على هداها، والتي استعرضت بلاده أولى نتاجاتها في حرب أوستيا الجنوبية عام 2008، حين قررت روسيا أخيرا التصدي للتوسع الأميركي الغربي على حدودها عسكريا، عبر منع قوات الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي الموالي للغرب، من بسط نفوذه على إقليمَيْ أوستيا وأفخازيا الحدوديين مع روسيا.

نجاح الاستراتيجية العسكرية الروسية في حرب جورجيا، والتي استطاعت روسا من خلالها فرض واقع مخالف لإرادة الحكومة الجورجية المدعومة من الغرب في الأقاليم المحاذية لروسيا، عزز وهما روسيّا بإمكانية استعادة الهيبة الدولية عبر نهج السلوك العسكري على طول الخط، مما دفع الرئيس الروسي، آنذاك ديمتري ميدفيدف، والذي كان يصفه بعض الروس بدمية فلاديمير بوتين، إلى مقارنة ما أسماه الاعتداء الجورجي على أوستيا الجنوبية، بأحداث 11 سبتمبر 2001 التي عصفت بالولايات المتحدة الأميركية، بكونها أحداثا مفصلية، قالبةً للاستراتيجيات، أذنت بعصر جديد لن تتوانى فيه روسيا عن استخدام القوة العسكرية ومهاجمة جورجيا وغيرها في حال تعرضت ثانيا مناطق حدودها الاستراتيجية للخطر.

واستمرارا للنهج الروسي الجديد والذي بدأته عقب “الحادي عشر من سبتمبرها” خاضت روسيا غمار مغامرتها في شبه جزيرة القرم في 2014، معلنة ضمها إلى روسيا، بعد أن عصفت الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في العاصمة الأوكرانية كييف بالسلطة الموالية لها، ممهدة لانضمام أوكرانيا للحلف الأميركي الغربي.

انتزعت روسيا القرم من الحضن الأوكراني، للحفاظ على مساحة متقدمة لها في فضائها الجيواستراتيجي مع الاتحاد الأوروبي، الذي بات يتهدده تغول أوروبي أطلسي، داخلة بذلك أزمة مع الغرب الذي خاض المواجهة على طريقته، عبر فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، أدت إلى تراجع الاقتصاد الروسي إلى مستويات قياسية، فاقمها انخفاض أسعار النفط والذي تتحكم الولايات المتحدة بمعظم مصادر إنتاجه الحيوية، إلى ما دون 60 دولارا للبرميل، الأمر الذي أدى إلى خسارات عميقة للاقتصاد الروسي نتج عنها تراجع حاد في قيمة الروبل والذي فقد بدوره أكثر من ثلثيْ قيمته الشرائية عن واقع ما قبل أزمة القرم.

لم يقنع ذلك روسيا بقيادة فلاديمير بوتين بوهم إمكانية انتزاع المكاسب الإقليمية والدولية، اعتمادا على القوة العسكرية المجردة، بمعزل عن قاعدة اقتصادية قوية منتجة ومهيمنة تفتقدها بلاده ذات الاقتصاد الريعي، المعتمد على عائدات الطاقة، بينما بُنَاه الإنتاجية ضعيفة، الأمر الذي يجعل من روسيا عرضة للتأثر الحاد بسياسات العزل والحصار التي يتّبعها الخصوم، والتي تشكل أحد مرتكزات الصراع في عصرنا الراهن.

فالعقلية البوتينية التي أفصح عنها في خطابه عام 2006 المشار له أعلاه، ومجمل ممارساته منذ حرب أوستيا الجنوبية، والتي قوامها التوهم بقوة التفوق الاستعراضي العسكريتاري، تعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعتري العقل الإستراتيجي الروسي، منذ الاتحاد السوفييتي صاحب المغامرات العسكرية الفاشلة “تجربة أفغانستان”، والانجرافات المخيّبة للأفخاخ الاقتصادية، التي طالما نصبها له الغرب وأبرزها سباق التسلح الذي أنهك الخزينة السوفيتية وأرهق المجتمع بعقود من الانحدار المعيشي.

بوتين الذي يبدو أنه اكتشف بـ”عبقريته” سرّ الهيمنة الأميركية، والذي اختزلها باستخدام الذئب الأميركي للقوة العسكرية دون السماع لأحد، وهي بالفعل استراتيجية المحافظين الجدد عقب 11 سبتمبر، يستمر في استنساخ نهجه، وهذه المرة في سوريا حليفته التقليدية، وآخر مناطق نفوذه في شرق المتوسط، محاولا الصراخ بوجه العالم بأن روسيا المهزومة قد عادت، وها هي تتصرف كما يتصرف الأميركيون، بإرسال القوات إلى خارج الحدود، وتقوم بعمليات عسكرية على بعد آلاف الأميال من أجل مصالحها، ومحاولا إشهار بعض الأدوات الناعمة لزوم الكسب الشعبي، أسوة بنظيره الأميركي السابق جورج بوش، الذي خاض حروبه “المقدسة” من أجل نشر الديمقراطية، وكذلك بوتين الآن يحارب الإرهاب بمباركة من كنيسته الأرثوذوكسية لحربه المقدسة أيضا.

قد يستطيع القيصر الروسي الجديد، الموهوم بقدرات بلاده العسكرية، تحقيق هيبة شكلية، تحاكي هيبة سوفيتية مفقودة، وكذلك عنجهيات الولايات المتحدة، بالأخص إدارة المحافظين الجدد السابقة، لكن لم تقدّر العقلية الروسيّة أن الذئب الأميركي لا يزال يئنّ من جراح مغامراته السابقة، وأنه يمتلك بدائل يدير بها صراعاته، وأن القزم الاقتصادي الروسي لن يحتمل مغامرات ذراعه العسكرية الضخمة، سيما إذا ما بدأت تنهشها ضربات الخصوم غير المباشرة، أو مقاومة مرتقبة للسوريين تعيد إلى بوتين رشده وهو يستذكر نزيف قوات بلاه في أفغانستان.

كاتب عراقي
8