بوتين: الولاية الرابعة تتويج لربع قرن من العمل على بناء "روسيا الخارقة"

الرئيس الروسي يحتاج خلال ولايته الرابعة إلى دعم شعبي يدعم به توجهاته خصوصا في السياسة الخارجية، التي تعد الورقة الرابحة لبوتين في هذه الانتخابات.
الاثنين 2018/03/19
شبح انهيار الاتحاد السوفييتي يخيم على جيل التسعينات والشباب لم يعرفوا غير بوتين رئيسا

موسكو- أدلى الناخبون في روسيا بأصواتهم الأحد في انتخابات رئاسية من المتوقع أن يحقق فيها الرئيس فلاديمير بوتين فوزا سهلا، حيث لا يرى غالبية الناخبين بديلا ممكنا لبوتين الذي يهيمن بشكل كامل على المشهد السياسي ويمنحه التلفزيون الحكومي، الذي يستقي الكثير من الروس آراءهم منه، مساحة كبيرة في التغطية خلافا لمنافسيه.

وينسب ناخبون كثيرون لبوتين، ضابط المخابرات السابق البالغ من العمر 65 عاما، الفضل في الدفاع عن مصالح روسيا في عالم خارجي معاد وأنه استعاد الاستقرار بعد الفوضى التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي، حتى وإن كان الثمن المواجهة مع الغرب وأزمة معيشية وتراجع الحريات في الداخل.

وبدت نسبة الإقبال على التصويت في انتخابات الرئاسة، الأحد، أعلى من مثيلتها في انتخابات الرئاسة السابقة 2012 في معظم مناطق البلاد، رغم كل ما أحاط بالانتخابات من توتر، ورغم أبرز معارض في روسيا، وهو أليكسي نافالني، بمقاطعة الانتخابات.

 

بدت نسبة الإقبال على التصويت في انتخابات الرئاسة الروسية أعلى من مثيلتها في انتخابات الرئاسة السابقة 2012 في معظم مناطق البلاد، في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس فلاديمير بوتين إلى الفوز بفترة رابعة، فيما نددت المعارضة الروسية بالتجاوزات بهدف رفع نسبة المشاركة في اقتراع محسوم سلفا

وأرجعت المعارضة الروسية ومنظمات غير حكومية ارتفاع نسب التصويت إلى الآلاف من التجاوزات، والتي تجلت خصوصا في نقل ناخبين في حافلات من جانب الشرطة وتهديد مراقبين وحشو صناديق بهدف رفع نسبة المشاركة في اقتراع محسوم سلفا.

وعرضت منظمة غولوس، غير الحكومية والمتخصصة في مراقبة الانتخابات، حالات التزوير على موقعها الإلكتروني وأعربت عن قلقها حيال معلومات عن ضغوط مارسها أرباب عمل أو جامعات على موظفين وطلاب لإجبارهم على الإدلاء بأصواتهم في مكان عملهم أو دراستهم وليس في مكان إقامتهم وذلك بهدف “مراقبة مشاركتهم في الانتخابات”.

ومع ضمان فوز بوتين في الانتخابات، بذل الكرملين كل ما في وسعه للتأكد من مشاركة أكبر عدد من المقترعين فيها، إذ أن نسبة المشاركة تشكل المعيار الفعلي في هذا الاستحقاق، ولكن بمعزل عن وسائل الترغيب القسرية للتصويت، يؤكد خبراء ومختصون في الشأن الروسي أن بوتين ضامن للفوز بولاية رابعة، لكنه يحتاج إلى دعم شعبي يدعم به توجهاته خصوصا في السياسة الخارجية، التي تعد الورقة الرابحة للرئيس الروسي في هذه الانتخابات تحديدا.

ويشرح الخبير الروسي غريغوري فايفر ذلك مشيرا إلى أن ماضي بوتين وروسيا يفسر نتيجة الانتخابات وما سيأتي بعدها. ويقول فايفر، في تحليل نشرته مجلة فورين افيرز الأميركية، إن الروس يميلون إلى التفكير في التسعينات، وفي الحرمان الذي عاشوه بشكل مهين، ولا سيما عندما لم يكن أمامهم خيار سوى الانتظار طويلا في طابور من أجل الحصول على مناشف الحمام مع أقرانهم الآخرين.

وانتشر الاعتقاد بأن بوتين، الذي انتخب رئيسا من الدورة الأولى في انتخابات سنة 2000، هو الذي استطاع أن يُنعش الاقتصاد من جديد وأن يقضي على فوضى التسعينات العارمة.

 ووقف الحظ في صف بوتين، عندما تولى السلطة، تصادف حكمه مع بداية ارتفاع أسعار النفط والغاز، المحرك الرئيسي للاقتصاد الذي بدأ بالفعل في الانتعاش، وذلك بفضل أزمة التضخم الهائلة التي حدثت في عام 1998. وبدأ بعض المنتجين في التنافس محليا في البلاد بسبب ضعف الروبل الروسي.

واعتقد كثيرون في الداخل والخارج أن أخطاء الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين كانت بسبب علاقاته مع ما يسمى الأوليغاركيين، وهم قلة من المصرفيين الأقوياء ورجال الصناعة الذين حصدوا ثروات هائلة في مقابل تقديمهم دعما سياسيا.

لكن بوتين، بعيدا عن تخليص روسيا من الفساد، والذي وعد بإقامة “دكتاتورية القانون”، أشرف على التوسع الروسي الهائل الذي ضمن من خلاله نقل سلطة الحكم إلى الكرملين من أجل السيطرة على مجموعة المافيا تلك.

وكان الفكر الجديد الذي اعتنقه بوتين متعلقا باستغلاله للفساد لإنشاء نوع إقطاعي من السيطرة الإدارية من أعلى إلى أسفل على السياسة والاقتصاد، حيث طالما أن حكام الأقاليم وكبار رجال الأعمال دفعوا للكرملين الأموال والولاء بالتأكيد، فإنهم يتمتعون بالحرية في جني الأرباح مقابل ذلك.

واستخدم بوتين أيضا أساليب ليّ الذراع والترهيب من أجل إعادة تأميم صناعة النفط بشكل فعال. وقام بتعيين أحد المخلصين للحكومة، أليكسي ميلر، لرئاسة شركة غازبروم التي تحتكر صناعة الغاز في عام 2001، والتي كان يديرها في السابق رئيس ذو عقلية مستقلة كان غالبا ما يتصرف ضد مصالح الكرملين، ولكن بعد تعيين ميلر كان من الممكن غسيل مبالغ كبيرة من الأموال بأمان. واستمر بوتين في استخدام هذا النظام الإداري، من أعلى إلى أسفل، للحفاظ على قبضته على السلطة في السنوات التي مضت، بل ويقوم الآن بعمل بعض التعديلات التي تتلاءم والعصر الحالي.

لكن، في الآونة الأخيرة، بدأ بوتين في استبدال دائرة المقربين له، ذوي الثراء الضخم، ببعض مسؤولي الحكومة البسطاء الذين يدينون بولائهم فقط له، آملا من خلال ذلك أن يساعد في الحفاظ على نظام حكمه، وهو النظام الوحيد الذي يعرفونه.

وقد أدت سيطرة بوتين المباشرة على الجهاز الأمني كذلك إلى جعل أي تغيير متوقع أمرا مستبعدا إلى حد كبير، في حين تبدو احتمالات انقلاب الكرملين أو حدوث أي أزمة أخرى ضعيفة للغاية. وبالتالي، فإن التعامل مع موسكو يتطلب تفكيرا إستراتيجيا طويل الأمد واستثمارات أكبر في بناء الديمقراطية ومساعدات للمجتمع المدني في الدول المجاورة لروسيا. ويشير فايفير إلى أن نظام الحكم الخاص ببوتين يجعل احتمالات بقاء الدولة الروسية على قيد الحياة بعد مغادرته ضعيفة.

حقبة جديدة

الانتخابات الأخيرة التي يحق لبوتين خوضها
الانتخابات الأخيرة التي يحق لبوتين خوضها

بتولي بوتين فترة جديدة سيكون قد أمضى في السلطة نحو 25 سنة ليصبح ثاني أطول زعماء الكرملين بقاء في الحكم بعد الرئيس السوفييتي جوزيف ستالين. وتدخل البلاد مع هذا الاستحقاق الانتخابي إلى مرحلة سياسية جديدة، حيث أن هذه الانتخابات هي الأخيرة التي يحق لبوتين خوضها وفقا للقوانين الروسية، ما يضعه خلال السنوات الست المقبلة أمام أحد خيارين:

* إدخال تعديلات دستورية تتيح له البقاء في المنصب لفترة أطول، وهو خيار يسعى بوتين إلى تجنبه وعدم تكرار المناورة التي حدثت في عام 2008 عندما اضطر لترشيح ديمتري ميدفيديف لفترة رئاسية بقي خلالها ممسكا بزمام الأمور في البلاد قبل عودته رئيسا في عام 2012.

* إعداد خليفة له خلال السنوات المقبلة، مما يعني اضطراره إلى إجراء توافقات كبرى بين مراكز القوى والتأثير السياسي والاقتصادي في البلاد، وتحضير الوضع لتولي شخصيات مؤثرة مراكز مهمة.

ورغم تعمد بوتين إبقاء الأمور غامضة حول قراراته التي ستلي الانتخابات، فإن تكهنات بدأت تنتشر حول احتمال عدم تمديد الثقة لرئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، وإجراء تغييرات واسعة في مؤسستي الخارجية والدفاع، وهما المؤسستان اللتان شكلتا العماد الرئيسي لسياساته خلال السنوات الأخيرة.

ومهما كانت الخطوات التي سيتخذها بوتين في بداية ولايته الجديدة، فهي ستحمل، كما يشير مقربون من الكرملين، تأثيرات مهمة على كل الملفات الساخنة التي تلعب فيها روسيا أدوارا مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، مما يعني أن سياسة الكرملين ورغم أنها ستحافظ على استقرار وثبات في ملامحها العامة، ستشهد تغييرات تكتيكية كبرى في أكثر من ملف.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان الإحساس بالهزيمة حالة مضافة إلى المعاناة الاقتصادية واتساع مشاعر الإحباط بل اليأس. ومرجح أن تكون سياسات بوتين تجاه العالم الخارجي، خلال فترة رئاسته الرابعة “أقل دبلوماسية وأكثر تصادمية”.

قرن من الانتصارات

أثناء حملته الانتخابية الأخيرة، وعد بوتين أنصاره بـ”قرن من الانتصارات”، وتحدث لهم عن “روسيا القوية المجيدة”، وعن “بناء الدولة العظمى الساطعة”، وعن “قوة عسكرية خارقة تتحدى الغرب وتدافع عن البلاد”.

لاقت هذه النوعية من الوعود، وما يترتب عليها من الدخول في “حرب باردة جديدة” مع الغرب، ردود فعل متباينة بشدة في الداخل الروسي، بين موالين أشادوا بها واعتبروها تمهد لانتصارات متتالية ستفرضها روسيا العائدة بقوة إلى المسرح الدولي، ومعارضين رأوا فيها مقدمات لتقوقع روسيا على نفسها، وبدء مرحلة قاسية من العزلة الدولية، وبناء سياج حديدي جديد حول روسيا.

وما يزيد من مخاوف المعارضين إنفاق روسيا حاليا حوالي ثلث ميزانيتها على الدفاع، حيث قرر الرئيس بوتين في نوفمبر الماضي تخصيص مبلغ 324 مليار دولار لبرنامج تسليح حكومي للفترة 2017 /2018، مشيرا إلى أن “قدرة الاقتصاد على زيادة حجم المنتجات والخدمات الدفاعية بسرعة وفي الوقت المناسب، هي أحد أهم الشروط اللازمة لضمان الأمن العسكري للدولة”. وفي ظل الولاية الجديدة لبوتين، يبقى الشرق الأوسط على الأرجح مسرحا للتنافس مع الغرب ولتوسيع النفوذ الروسي. ففي الشأن السوري سيبقي بوتين على التواجد العسكري والاقتصادي الروسي. كما ستضطلع روسيا باستثمارات كبيرة في البنية التحتية للطاقة والموارد الطبيعية في سوريا.

وفي غياب بدائل أخرى، تبقى موسكو في الموقع المناسب للتحكم بوجهة مسار الإعمار في سوريا حتى إذا افتقرت إلى الأموال الاستثمارية اللازمة. وفي الوقت نفسه، ستميل روسيا إلى إضفاء الطابع المؤسسي على آلية التشاور بين سوريا وتركيا وإيران. وستتعاظم المكانة العسكرية الروسية في منطقة الشرق الأوسط وصفقات بيع الأسلحة سيبقيان أمرين مهمين لموسكو بعد الانتخابات الرئاسية، باعتبارهما مصدر ربح مادي ووسيلة للتأثير.

ويعمل بوتين على الوصول إلى المرافئ الإقليمية المهمة في هذه المنطقة، فبناء موانئ جديدة أمر مكلف، لكن بوسع موسكو ضمان حقوق الإرساء لسفنها في مناطق مثل ليبيا لتجنب مثل هذه التكاليف. وقد يتدخل بوتين أيضا في ليبيا كصاحب نفوذ فيكسب بذلك الاهتمام الدولي الذي يتوق إليه عبر التوسط بين الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في الشرق وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس.

ورغم أن هذه المساعي وغيرها من الخطط الإقليمية الروسية قد لا تؤول إلى نجاح، لكن في غياب إستراتيجية غربية متماسكة تجاه روسيا أو إعادة إحياء القيادة الأميركية في المنطقة، لن يوجد ما يحد من جهود بوتين في مساعيه الرامية لتوسيع النفوذ في المنطقة في إطار حربه الباردة الجديدة مع الغرب.

7